48 والاخير
رواية لُجَيْ : الفصل الثامن والاربعون والأخير : #لجي:
"صرت أحس لغة الأحضان صريحة مرّه.. تدري متى يجيك حضن اشتياق، ومتى الحضن يكون حضن اعتذار، ومتى يكون بهدف المواساة.. هي أصدق من أي كلمة زي "اشتقت" أو "آسف" أو "معليش"...
أمّا عن أكثر حضن مؤثّر وعميق.. فهو حضن الوداع".
• • • •
بعد ما خرجت من عند اخواني جلست في الحديقة اللي جنب المدرسة واللي أنا متعوّد عليها..
في إتصال لازم أسوّيه.. بمناسبة الحقايق الكثير اللي واجهتها وقررت ما أتهرّب مرّه ثانية..
فتحت جهة الاتصال اللي أبغاها ودقّيت على الرقم.. شوي وجاني الرد: - ألو السلام عليكم..".
- وعليكم السلام.. خالي "إبراهيم" معاك "لجي"..
"حسّيت بالسعادة في نبرته وهو يقول: - يا هلا يا هلا بالغالي.. أخيرًا؟ قلت أوّل ما تجيب شريحة راح تدق علينا بس غبت كأنك...
قاطعته قبل ما يكمّل وقلت: - الموضوع اللي كنت تبغى تكلّمني عنّه وجدّتي قاطعتك.. ان أنا مو إبن "حوراء"؟
قابلني صمت.. كأن اللي ماسك الجوّال خلّاه مفتوح وراح، بس أنا كنت داري انه مازال معايا على الخط بس أنا فاجأته بسؤالي..
سمعته يبلع ريقه وبعدها ضحك ضحكه قصيرة متوتره وقال: - "لجي" إيش تقول انت؟!
قلت يهدوء: - ما في داعي تخبّي، أنا دريت بالحقيقة خلاص.. ما أسألك اذا منجد ولا لا، بس أبغى أعرف اذا ذا الموضوع ولا شيء ثاني..
قابلني الصمت مرّه ثانية.. بعدها حسّيته ما صار قدّامه مفر فقال بنبره منخفضه: - إيوا هو..
اتنهّدت مرتاح.. يعني ما في مصيبة جديدة منتظرتني..
اترددت اذا المفروض اتطرّق للموضوع الثاني ولا لا.. وفي نفس الوقت هو ساكت كأنه ينتظرني أتكلّم، وواضح انه مستسلم للموضوع لدرجة انه ما حاول يبرر ولا يقول شيء وذا يثبت انه إنسان صريح..
ذا الشيء شجّعني أكمّل اللي عندي".
- سؤال ثاني، خالي.. أقصد أخوك "مصطفى".. واضح انه يكرهني بدون نقاش، هل لنفس السبب ولا في سبب ثاني؟ جاوبني بصراحة إذا سمحت..
"ومرّه ثانيه جاوبني بخفوت: - لنفس السبب ولسبب ثاني، وهو انك ابن "فهد"..
عقدت حاجبيني وسألت: - هو يكره أبوي؟ ليش؟
جاوبني: - ماله داعي تدري السبب.. شوية مشاكل وبس خليك انت برّاها..
قلت بإصرار: - بس أنا صرت جزء من ذي المشاكل واتحاسبت عليها فمن حقي أدري بها.. إذا ما علّمتني راح أكلّم جدتي وهي تعلّمني..
اتنهّد وقال: - يا "لجي" باللّه صدّقني مو لازم تدري ما في شيء يهمّك..
إذا هو لدي الدرجة ما يبغى يعلّمني فذا معناه شيئين، ان الموضوع منجد مهم وان جدتي أكيد راح ترفض تعلّمني..
عاندت وقلت بجدية: - إذا ما علّمتني أنا ما راح ألجأ لجدتي حتى.. أنا راح أجي على المدينة وبحاول أفهم من أخوك بنفسه.. وقسم اني ما أمزح ترى..
إصراري وصل لإني كنت صادق في القسم.. إذا ما علّمني بروح أسأل "مصطفى" نفسه..
اتوقّعت ان حتى هو يعاند ويعصّب ويقول سوّي اللي تبي.. بس اللي صار انه قال بسرعه: - لا باللّه لا تسوي كذا واللّه ما راح تجيب لنفسك غير وجع الراس.. خلاص أنا بعلمك الحقيقة..
أتنفّست وأنا أستعد للي بسمعه أيًا كان وقلت بهدوء عكس العاصفة اللي بداخلي: - أسمعك..".
- "مصطفى" كان يشتغل في نفس الشركة اللي اشتغل فيها أبوك في الرياض واللي هي بالأصل ملك جدّك، وذا كان أوّل تعارف بينهم.. علاقتهم كانت جيّدة، حتى أن جدّك وأبوك وبقية عيلتهم قرروا مره يزوروا المدينة، ووقتها زارونا في البيت، كان من ضمنهم عم أبوك وزوجته وبنته اللي صارت صديقة ل"حوراء" مع الوقت خصوصًا انهم يحبون المدينة وصاروا يزوروها باستمرار واحنا نستقبلهم في بيتها كثير، وفي نفس الوقت احنا كنا نزور جده وهم يستقبلونا في بيتهم، وبكذا العيلتين صار في بينهم علاقة وطيدة.. أنا و"مصطفى" كنا أصحاب لأبوك، خصوصًا "مصطفى" لأن زي ما قلت زميل لأبوك في الشغل.. "حوراء" صديقة لبنت عم أبوك.. وأبوي وجدّك وأخو جدّك برده بينهم أفكار مشتركة، غير جدتك وأمي.. يعني الوضع كان ممتاز من كافة الاتجاهات..
"لين هنا كل شيء تمام.. قصة سعيدة وكل شيء.. بس أكيد ما بيستمر الوضع على كذا..
سمعته وهو يكمّل كلامه..".
- لين ما جا اليوم اللي قرّر فيه "مصطفى" انه يطلب يد بنت عم أبوك...
- "شهد"..
"قلت مقاطع كلام خالي، وابتسمت بسخرية لأن توي أستوعب ان بنت عم أبوي هي "شهد" واللي بالأصل تكون أمي الحقيقية.. وهنا بدأت أفهم المنحنى اللي راح تاخده القصة..".
- أبو "شهد" لا أبدا اعتراض ولا وافق، وظل "مصطفى" منتظر منهم رد.. وجاله الرد بعد يوم واحد بأن طلبه مرفوض لأن "شهد" من نصيب "فهد" ابن عمها..
"غمّضت عيوني بضيق، ذا اللي اتوقعته صار.. وأنا ما أحب المشاكل اللي يكون ذا سببها..
قلت: - يعني ذا بس السبب اللي خلّى أخوك يكره أبوي؟
جاوبني: - مو السبب الوحيد.. السبب الثاني ان "مصطفى" كان مجتهد جدًا في شغله ورغم كذا "فهد" اتخطّاه لين ما صار المدير التنفيذي للشركة..
قلت بانفعال: - بس ذا طبيعي لأن بالأصل الشركة شركة أبوه، كمان ترا أبوي اجتهد لين ما نال ذا المنصب وما أخذه كذا مرّه وحده..
رد مأكد كلامي: - داري وربي داري، وذا الشيء اللي كلنا حاولنا نوصله ل"مصطفى" بس هو أصر ان "فهد" ياخذ كل شيء عالجاهز وان هو أحق منه بأشياء كثير بس "فهد" فرق عنّه بان عنده واسطه..
اتنهّدت داخليًا.. باللّه كيف ممكن الحقد يوصّل البشر لذا الحد؟!.. حسبي اللّه..".
- طيب بالنسبة لأن أمي صارت تشتغل.. قصدي..
"ما كنت عارف كيف اوصّل السؤال بسبب لبس كلمة أمي اللي مدري المفروض أقولها ل"حوراء" ولا "شهد"، بس هو فهم ايش أبغى أقول".
- تبغى تسأل عن ان "حوراء" صارت تشتغل عند "شهد".. اسمع ترا الموضوع مو انها كانت تشتغل عندها، زي ما علّمتك هم صاروا مرّه صديقات.. "حوراء" جاتها جامعة في جدة وكانت مرّه متحمسة لفكرة الدراسة هناك، بس الأغلب عندنا رفض لأن احنا مو ساكنين في جدّه أصلًا.. وهنا "شهد" اتدخّلت وقالت انها تبغى "حوراء" معاها.. وكان الحل الوحيد انها تكون معاهم من دون أحد من أهلها هي ان يصير الوضع كأنها تشتغل عندها.. مع ان "فهد" خصصلها شقة في عمارتهم عشان تنام وتدرس فيها أما باقي النهار فهي مع "شهد" تساعدها في أمور البيت والعيال، ورغم ان ذا الوضع كان عليه اعتراض كبير من جهتنا الا اننا شفنا "حوراء" أوضاعها طيبه وكانت تجي تزورنا من وقت للثاني فاحنا صار يهمنا بس انها تكون مرتاحه خصوصًا انها كانت طموحه وشغوفه في دراستها..
"دحين فهمت.. لإن فعلًا حسّيت مو منطقي انها تشتغل عند أحد..".
- طيب آخر سؤال.. أكيد أكثر أحد كان كاره ذا الوضع هو "مصطفى" خصوصًا بعد ما أبوي اتجوّز اخته صح؟
- بالضبط..
- طيب هل ممكن كرهه وحقده يوصله انه يقتلها؟
- إيش؟!!
"السؤال خرج من فمّي بشكل تلقائي وما صحيت الا على صوته المنفعل.. وقتها حاولت أتدارك الموضوع وقلت متوتر: - بس أسأل عادي يعني أبغى أعرف لأي درجة وصّله الكره..
رجيت ان كلامي يكون أقنعه، ما أبغى أفتح قضية على شيء مو متأكد منّه..
اتنهّدت وقلت: - المهم شكرًا لأنك جاوبتني على كل أسئلتي بصبر..
قال بصوت هادي ونادم: - "لجي" أنا آسف..
فهمت ان سبب اعتذاره هو اني دريت بذي الحقيقة، رغم ان هو ماله ذنب..
ابتسمت ابتسامة منكسره وقلت: - على إيش تعتذر؟ أنا اللي المفروض أعتذر.. آسف اني ما كنت الولد اللي المفروض يعوّضكم عن غيابها، وشكرًا لأن رغم معرفتكم بالموضوع انتوا ما عاملتوني الا على إنّي واحد منكم..
قال بنفس نبرته الهادية: - "لجي" انا عمري ما شفتك الّا ولد "حوراء".. وحتى مع انك خلاص دريت بالحقيقة بس انا مازلت شايفك كذا، ومدري اذا لي حق أطلب بس أرجوك لا تقطع التواصل، وترى بيتنا هو بيتك ومفتوح لك في أي وقت ومنجد أرجو انك تجي تزورنا كل ما تقدر..
احتفظت بابتسامتي المنكسرة وانا أقول: - اي أكيد..
وطبعًا كنت أكذب في ذا الشيء؛ لإن صعب أزورهم في بيتهم على اني واحد منهم بعد ما دريت بالحقيقة، خلاص صرت احس انّي غريب وراح أخجل منهم أكيد..
أما بالنسبة لموضوع التواصل فانا راح أحاول منجد اني أكلمهم من وقت للثاني.. وذا خلّاني أطلب منه انه ما يعلّم جدّتي اني دريت بالحقيقة، أبغى أستمر على شعور انها جدّتي..
أنهيت المكالمة مع خالي وجلست أفكر.. دحين صار في أشياء كثير واضحه قدّامي.. بس موضوع "مصطفى"..!
ما أبغى أظلم أحد لكن هو الوحيد اللي أعرفه دحين حاقد عليها.. فحسّيت منطقي انه يتسبب في موتها.. واذا هو السبب منجد فأكيد هو نفسه اللي كان يبغى يتسبب في موت أبوي..
يمكن اذا كنت أبغى أكتشف اذا كلامي ذا صح المفروض أروح أكلّم "فيصل" وأضغط عليه عشان يقول الحقيقة، بما اني قلت اني بكشف كل شيء..
بس برده من فترة قلت اني راح أنسى موضوع موت أمي عشان ما أجيب لنفسي وجع راس.. وبما اني دحين وسط مشاكل بما يكفي فيمكن منجد ذا اللي المفروض أسوّيه..
راح أنسى موضوع موتها وما راح أحاول اتأكد اذا ظنوني صح ولا لا.. كمان لأن اذا أثرت جدل بذا الموضوع فغالبًا بخسر الناس اللي اتمسكوا فيا حتى وهم داريين اني مو ولد بنتهم..
راح أنسى السالفة منجد، ويمكن مو ذا أصوب قرار اتخذته بس هو أريح لي أكيد.. واللّه يستر من النتيجة..
أوك بمناسبة جلسات الفضفضة الصريحه الزايده ذي الفترة لسّا في شخصين مهمّين لازم أكلّمهم..
فتحت جوّالي ودقّيت على "أحمد" وطلبت منه يجي هو و"بندر" على الحديقة اللي جنب المدرسة..
جلست انتظرهم وبعد أقل من نص ساعة وصلوا مع حلطمة "بندر" وهو يقول: - هفف ذي الحديقة المهجورة الكئيبة اللي ما فيها ولا طفل يلعب مرّه ثانيه؟ إيش سر تعلّقك فيها باللّه؟
ابتسمت ووقفت عن مكاني وانا أجاوبه: - متعلّق فيها عشان كنت اجيها كثير وانا صغير، ولأن ذيك المراجيح اللي تروح وتجي سلاسلها كانت عاليه فكنت علطول اتحدّى نفسي اني ألعب فيها رغم ان رجولي ما كانت توصّل الأرض..
ناظر "بندر" اللعبة اللي أقصدها، كانت عباره عن أربع مقاعد من الجلد ماسكتهم سلاسل حديدية طويلة.. راح "بندر" وجلس على واحد منهم..".
- "بندر" ترا إذا كسرتها وطحت بنخلّيك ونروح..
"قال "أحمد" بجديّة وانا ضحكت على تهديده..
ناظرنا "بندر" وهو ماسك في السلاسل ويحرّك نفسه بسعاده وقال: - باللّه مين أقنعكم ان ذي للأطفال، على قولته الأطفال رجولهم ما توصل للأرض حتى إذا لعبوا فيها، تعالوا جربوا ترا واللّه انها متينه وتتحمّل..
حرّكت راسي بيأس مو مصدّق ان الأخ شوّي ويدخل جامعه ذا غير انه أكبر مننا..
بس اتفاجأت لما شفت "أحمد" يتّجه من جد للعبه ويجلس على الكرسي اللي جنبه..
وين راح تهديهك يا أخ؟!
ابتسم "أحمد" وقال: - اللّه ترا استعدت أيّام الطفولة..
ولإن حتى أنا أبغى أستعيد أيام الطفولة رحت جلست على الكرسي الأخير.. فصار "بندر" على أوّل واحد بعده "أحمد" بعدين كرسي فاضي بعدين أنا..
حطّيت يديني على حجري وقلت وانا أناظر قدّامي: - علموني إيش أجدد القرارات اللي قرّرتوها؟
ومحد منهم فهم الهدف من سؤالي.. بس "أحمد" جاوب علطول: - اليوم الصباح أبوي اتصل ورديت عليه..
علّق "بندر" منفجع: - أمّا؟!
وكنت فاهم رد فعله؛ لإن "أحمد" كان واخد على خاطره من أهله وكان رافض يكلّمهم..
ما أبديت رد فعل غير اني ناظرت "أحمد" بابتسامة وقلت: - وبعدين؟
ناظرني بابتسامة بسيطه ورد: - ولا قبلين، يعني صح الوضع ما اتعدّل وراح يبقى كما هو عليه، هم في مصر وانا هنا لين ما أنتهي من الجامعة ان شاء الله وأشوف ايش بيصير.. لكن قرّرت انّي أسافر لهم وأقضي باقي الأجازه معاهم..".
- "أحمد" يا حيوان كيف ما تعلّمني؟!
- متى كنت بعلمك لسه في الصباح دق، ما لحقت..
- ايوه لكن لحقت انك تقرر انك تسافر.. أكيد كنت تفكر ما تاخذني..
- واللّه كان بخاطري بس انت داري انهم ينتظروك أكثر منّي.. وغالبًا ما بيدخلوني البيت بدونك، فيلّا راح آخذك معايا كتذكرة مرور..
- يا كلب..!
"ضحكت على مناوشاتهم اللي اتعوّدت عليها وألفتها في الفترة الماضية.. أحب جوّهم مرّه..
خرّجني من تفكيري "أحمد" لما قال فجأه: - كمان فكّرت ان "لجي" يجي معانا.. "لجي" ايش رأيك ما فكّرت تزور مصر قبل؟
صراحه فاجأني بعرضه، لا لا ياخي مستحيل انا راح أخجل اني أجلس عندهم.. كمان اذا بنفّذ اللي قرّرته فذا راح يحتاج وقت..
ابتسمت وجاوبته: - للأسف انا مسافر أصلًا..
رد "بندر" بانفعال: - حتى انت يا حيوان ما تقول؟!
ضحكت وقلت: - ياخي توّي اليوم قرّرت أصلًا..
سألني "أحمد": - وين بتروح؟
أخذت نفس ورجعت ناظرت قدامي قبل ما أجاول:
- الرياض..
سأل "بندر": - بتروح مع اخوانك ولا كيف؟
جاوبته: - لا لحالي..
سكتوا ثواني بعدين سأل "أحمد": - طيب ايش الهدف؟ بس كذا عشان الاجازه؟
ناظرته وجاوبت بملامح جاده".
- لا.. إستقرار..
"ظلّوا هم الاثنين يناظروني بدون تعابير وكأنهم يحاولوا يستوعبوا قصدي.. وانا تركتهم ورجعت ناظرت قدامي وأنا أفكر في آخر حوار مع اخواني قبل ما أروح..
• • • •
#Flashback:
- "لجي" تعال اجلس ويّانا.. يعني أصحابك فيهم الخير أكيد بس ما يصير بيت اخوانك يكون مفتوح لك وانت تجلس عند اخويّانك..
"ضلّيت وقت أناظره وأنا ساكت.. ما كنت أفكّر في كلامه لأنر كنت متوقّع انه بيطلب مني ذا الشيء.. بس كنت أفكّر كيف المفروض أوصّل له القرار اللي اتخذته..
اخذت نفس قبل ما أبدأ كلام: - "سعد" انا قررت شيء..
قال باهتمام: - ايش هو؟
سكتت شوي وأنا أناظر لجهة ثانية و أحس بصعوبة اني أقول اللي عندي، ومن دون ما أرجّع نظري له قلت: - أنا برجع الرياض..
قال مستعجب قراري: - ايش بتسوّي في الرياض؟
شكلة لسه ما فهم قصدي، ناظرته وقلت: - برجع استقر في الرياض.. بنقل ملفّي وأكمّل آخر سنتين ثانوي هناك، وكذا ولا كذا غالبًا كنت بدرس الجامعه هناك ان شاء اللّه..
ظل يناظرني بصمت عاقد حاجبيه وهو يحاول يستوعب كلامي، بعدها قال بخفوت: - "لجي" باللّه بتجلس هناك لحالك؟ ايش اللي جابرك وبيت اخوانك هنا؟
حرّكت يدي على وجهي بتوتر وقلت: - انت مو فاهمني، أنا صعب اقدر أعيش هنا و..
قاطعني: - طيب خلاص خلّيك مع خويّانك ما راح نجبرك تجي تجلس معانا، بس باللّه أصرف نظر عن قرارك ذا..
قمت عن مكاني وقلت: - يا "سعد" انت مو فاهم، المشكلة مو في وين بجلس، أنا ما أقدر أجلس في جده نفسها..
هو كمان وقف عن مكانه وكان بيجاوب بس قاطعنا صوت المفتاح في الباب ودخول "حمد".. ناظرنا احنا الاثنين واحنا واقفين كذا وأكيد باين تجهّم على وجيهنا، عشان كذا سأل وهو يوزّع نظره بيننا: - إيش فيه؟
جاوبه "سعد" بنبره معصبه: - تعال شوف أخوك، يبغى يسحب ملفه من المدرسه هنا ويروح يعيش في الرياض لحاله..
غمّصت عيوني بقوة قبل ما أركز في ملامح "حمد" وأحاول أدرس رد فعله..
اتوسّعت عيونه شوي بعدها قال بنبره مغبونه: - ليش يا "لجي"؟ ترا توي أقول برجع بسرعه قبل ما "لجي" يروح عشان أحاول أقنعه انه يجي يعيش ويّانا..!
فركت يدّيني ببعض بتوتر بعدها قلت بنبره مكسوره وانا أحوّل نظري بينهم: - باللّه عليكم افهموني ولا تصعبوها عليا أكثر.. أنا حتى إذا كنت اقتنعت بكل كلامكم وتبريراتكم.. حتى إذا قررت أسامح واتخطى.. أنا ما أقدر أجلس هنا عادي كأن شيء ما صار.. انتوا مو فاهمين اللي أحس فيه دحين.. ترا أنا كاره وضعي بس المشكله الأكبر اني كاره نفسي وأحس اذا جلست هنا واتصرّفت ان عادي ما في شيء صار فأنا كذا بظلم نفسي.. لأن المشاعر اللي أحس فيها عميقه وصعب تندثر بين يوم وليله..
شفت كيف بهتت ملامحهم وانكسرت نظراتهم.. عشان كذا رفعت يديني أنفي وقلت بنبره حاولت أخلّيها ثابته: - أسمعوا ما أبغاكم تندمون ولا تلومون نفسكم، خلاص اللي صار صار، وانا قرّرت أتخطى منجد وأركّز على اللي جاي، بس اذا منجد ابغى أسوي كذا فلازم أصفّي ذهني وأفكاري ونفسيتي.. وذا صعب يصير وانا جالس هنا، عشان كذا قلت بروح الرياض..".
- طيب نجي وياك في أول فتره عالأقل..
"قال "سعد" بزعل.. وانا كرهت ذي النبرة والملامح عليه، بس رغم كذا ابتسمت ابتسامة منكسره وقلت: - طيب انا كذا ايش استفدت؟
اتنهّد ورجع ناظر الأرض، أكيد فاهم ومستوعب الحقيقة.. هم جزء من الأشياء اللي أنا محتاج أبعّد عنها لأن كل ما أشوفهم ذا بيساعد أكثر على تولّد كل الأفكار اللي أحاول اتخلّص منها..
أنا واللّه مو بخاطري أزعلهم.. أنا ما أحب أزعّل أحد.. بس في نفس الوقت ما أبغى أظلم نفسي أكثر من كذا..
ناظرني "حمد" وقال بهدوء: - "لجي" مدري واللّه أحس إذا وافقناك عاللي تبغاه ما بنكون اخوانك منجد..
نفيت وقلت: - اذا انتوا اخواني منجد فبتكون راحتي من راحتكم وراح توافقوني عاللي شايفينه يريحني.. اذا حاولتوا تمنعوني فأنا بنقهر، وواللّه اني ما أبغى أزعل منكم مرّه ثانية...
سكتوا هم الاثنين وأحسهم صاروا مغلوبين على أمرهم..
ما يبغوا بعد ما قصرت المسافة المعنوية بيننا أرجع أنا أبعّدها ماديًا.. وحتى أنا ما كنت أبغى بس وربي ما أقدر..
اتذكّرت شيء فقلت خارج من الموضوع: - ايوا صح قبل ما أنسى..
حطّيت يدي في حيبي وخرّجت الأوراق المعهودة.. فكيت طيّتها وصرت أغالب نفسي اذا أخليلهم ورقة العائلة اللي كشفتلي الحقيقة ولا أخليها معايا، في الأخير رجّعتها لجيبي.. أصلًا ما فرق..
أعطيت الورقة الثانية ل"حمد" وهو بعد ما أخذها سألني: - إيش ذا؟
جاوبته: - ذي الورقة اللي تثبت براءة أبوك، هو طلب منّي أدوّرها.. اللي فهمته ان الشرطة تنتظر دليل واحد بس عشان تتأكد من براءته، وأظن هذا الدليل كافي.. بعد ما تقدمه للشرطة ان شاء اللّه راح ترجع كل الأملاك وكمان أبوك راح ينول براءته..
وأحس خلاص ما صار في شيء ثاني أقدر أقوله.. أخذت خطواتي ومشيت خارج من عندهم.. وولا واحد فيهم قدر يسوي شيء.. ما يبغوني أسوّي اللي في راسي وفي نفس الوقت ما يبغوا يمنعوني وترجع علاقتنا تتوتر..
عشان كذا الصمت كان خير فعل..".
#End_flashback...
• • • •
- اذا على بالكم اني أمزح فلا أنا راجع الرياض منجد.. أنتظر انكم بعد ثانوي ان شاء الله تجوا تدرسوا الجامعه في الرياض وتجلسوا معايا..
"اذا كان إقناع "حمد" و "سعد" بموضوع سفري صعب فإقناع هذولا الاثنين أصعب وأصعب.. عالأقل "حمد" و "سعد" فاهمين الوضع أما ذولا بس يعترضون على قراري ويهاجموني وهم مو فاهمين شيء..
في الحقيقة سبب وجودي في ذي الحديقة بالذات هو انها قريبة من المدرسة؛ لأني قررت اليوم أروح أسحب ملفّي بما أن ذي الفترة فترة تسليم ملفات وشهادات والمدرسة فاتحه لوقت متأخر..
بس الموضوع كان صعب لأن كل ما مشيت خطوة الأخّين يمنعوني أمشي اللي بعدها.. نشبولي منجد".
- خلاص ياخي لا تندموني اني علّمتكم..
"قلت بعصبية بعد ما فاض بي الصبر.. كيف اقنعهم انهم مو فاهمين أسبابي؟!
قال "أحمد" منفعل: - قول كلام ينفهم أوّل بعدها لومنا على أسلوبنا.. كيف تبغى تروح تعيش في الرياض من دون أحد؟
أشّرت بسبابتي على راسي وقلت بعصبية: - كيفي كذا إيش مشكلتكم؟
ناظرني "بندر" بتعابير معصبه وقال: - شوف الرد!.. طيب باللّه أبوك راضي على قرارك ذا؟
جا عالجرح.. هم مو داريين عن وضع أبوي الحالي، ولأن صعب أشرح سكتت..
قال "أحمد" بشماته: - شفت كيف ما عندك رد لأن ذا الوضع ما يعجب أحد.. حتى اخوانك نفس...
قاطعته بسرعه كأني لقيت شيء أمسك فيه: - اخواني داريين توّي رجعت من عندهم..
قال "بندر" بحاجب مرفوع: - ورضيوا؟!
جاوبته بتلقائية: - ما يقدروا يعترضوا..
زاد انزعاج ملامحه وقال: - أنا قلت من أوّل ذولا مو أخوان منجد..
ورغم الموقف اللي مو متحمّل مهاوشات "أحمد" ضرب ذراع "بندر" بكوعه ولامه لانه المفروض ما يقول كذا.. ولأن "بندر" دحين معصّب بشكل كافي يخليه ما يمشّي الموضوع صار معترض على أسلوب "أحمد" وانه يلومه دايمًا ومو عاجبه شيء.. وأنا أناظرهم وأضغط بإبهامي وسبابتي على عيوني، كأن ذا اللي ناقصني!
انتهى الموضوع بإني أسلّك بينهم وأقلهم "خلاص" و "انتوا اخوان" و "حصل خير".. كأني أسكّت عيال صغار..
بعد ما هدوا كل واحد منهم ناظر جهة كأنهم ينفسوا عن غضبهم... بعدها بفترة ناظروني هم الاثنين مرّه وحده وقال "أحمد" بهدوء: - نرجع لمحور حديثنا..
- يوووووووه..
قلت بطفش ومشيت مبتعد عنهم وهم يلحقوني ورجع أبوك عن أخوك..
في النهاية إصراري انا اتفوّق ومشيت لين المدرسة، علّمت الحارس عن موضوع الملف وقبل ما يسمحلي أدخل قلتلّه لا يدخل الإثنين اللي ورايا.. أحسني نذل بس ايش أسوّي؟
وفعلًا صرت قدّام المدير في مكتبه وطلبت أسحب ملفّي، سألني عن السبب واضطريت أفبرك قصة..
حكيتله عن وضع أبوي وذا كان الجزء الصادق، بس اللي زدته من عندي كان ان أبوي بيروح يتعالج في الرياض، والحمد للّه الموضوع مشي عليه وكمان اتأثّر واتعاطف معايا..
خرجت من المدرسة وما لقيت "بندر" و "أحمد".. اتوقّعت علطول انهم زعلوا من أسلوبي ورجعوا البيت..
رحت حجزت في الباص اللي بيوديني الرياض في رحلة بكره الصباح.. ومدري كيف ضاع الوقت بعد كذا بس انّي رجعت البيت بعد صلاة العشا بفترة..
واللّه مالي عين ارجع عندهم بس كل أشيائي في شقة "بندر".
فتحت الباب بنسخة المفتاح اللي معايا..
"أحمد" و "بندر" جالسين في الصالة كل واحد مشغول في جوّاله والجو هادي.. ورغم انهم داريين اني دخلت محد منهم ناظرني، وذا موقف طبيعي ياخذونه كدليل على غضبهم منّي..
أدري ان مو من حقّي أعاملهم كذا.. كالعاده هم يحاولون قد ما يقدروا انهم يدعموني وما يخلّوني أضيع في وحدتي وأحزاني.. ورغم انهم مو فاهمين أي شيء يصير في حياتي كان كل همهم انهم يساعدوني.. وقفوا جنبي ودعموني في أوقات حتى اخواني الحقيقيين اتخلّوا عنّي فيها..
اتنهّدت بثقل ورحت جلست على كرسي مقابل لهم هم الاثنين، ولين دحين محد منهم وجّه لي نظره، لين ما أنا لفتت نظرهم يوم اتكلّمت بنبره بارده وملامح خاليه من أي تعبير رغم خطورة الكلام اللي أقوله..".
- ما علّمت أبوي بقرار سفري لأنه حاليًا في غيبوبه.. مدري قديش بتطول ولا إذا بيقوم منها أصلًا، بس المهم ان السبب في ذا الشيء كان "فيصل" أخوي في الرضاعة واللي حاول يقتله لسبب مجهول لين دحين، والغريب ان "فيصل" ذا نفسه دريت بالصدفة ان أمّه لعبت في أدوية أمي واتسببت في موتها برده لسبب مجهول.. أو على قولتها أحد خلّاها تسوي كذا، مدري مين هو بس أنا المفروض ما أدوّر ورا الموضوع بعد ما هددني "فيصل" انه بيدفني حي بس أنا في الفترة الأخيرة فكرت وصار عندي تخمين انه.. أو مو لازم أقول لأن كذا مضطر أدخل في تفاصيل وعوار راس.. المهم اني ما علّمت احد عن اللي عرفته وما مداني أصلًا لأن بعدها علطول صارت مشكلة ان الشرطة متهمه أبوي وتدوّر عليه وهو مختفي ومحد كان يدري عنه شيء لين ما هو اتصل فيا أنا بالذات وأمنّي أروح الرياض وأدوّر على الأوراق اللي المفروض تثبت براءته.. ذا السبب اللّي خلّاني أروح الرياض بعد الاختبارات بحجة اني أزور أهل أمّي اللي هم بالأصل في المدينة، مع العلم ان الظروف اضطرتني أزورهم فعلًا بس مو لازم أدخل في تفاصيل برده.. الزبدة اني وقتها التهيت عن موضوع الأوراق اللي أبوي طلبني أدورها ورجعت جده وانا متخذ قرار أشرك اخواني في الموضوع وما أسوّي كل شيء لحالي.. لين ما انت يا "بندر" أعطيتني الأوراق اللي لقيتها في جيب الثوب، ولأن علطول تصير معايا مواقف عجيبه اتوقّعت ان من ضمنها الورقة اللي أبوي طلبني أدوّرها، وطلع شكّي في محلّه.. المشكلة كانت في الورقة الثانية اللي لقيتها لأنها كشفتلي سر خطير... اللي جالس أقول عنها أمي في كل كلامي ذا اتضح انها مو أمي أصلًا وانها زوجة أبوي اللي ربّتني بعد ما أمّي الحقيقية ماتت وهي تولدني.. ولو فاكرين من فتره أنا قلتلكم اني أحس اخواني يكرهوني ومدري السبب، للأسف طلع السبب خايس وهو ان أمهم ماتت بسببي لأن هي نفسها أمّي يعني هم اخواني من الأب والأم مو بس الأب وذا اللي توني أكتشفته من.. مدري يومين أو ثلاثه... ولما واجهت اخواني باني دريت الحقيقة أعطوني تبريرات مالها حدود مدري اذا صادقين فيها بس اني اقتنعت ومشّيت حالي لأني كنت محتاج أقتنع.. سامحتهم؟ لسه مو قادر أحدد واللّه بس الشيء اللي متأكّد منه اني مستحيل مهما صار اني أنسى، وذا السبب اللي خلّاني أبغى أبتعد عشان أحاول على الأقل أقلل تأثير ذي الأفكار اللي مستحيل أنساها، وكمان بعتبرها بداية جديدة عشان أرمّم اللي باقيلي من نفسي... إيش بقي ما قلته؟.. أظن بس كذا، مدري إذا في شيء من كل اللي قلته ذا منطقي أصلًا بس... ايوه أنا صادق في كل كلمة مو جالس أأفلم... أصلًا اذا فلم بيكون الوضع جدًا غبي، ولا انتوا إيش رأيكم؟
"أظن رأيهم كان واضح من وجيههم المتجهمة..
هم مع أوّل جملة قلتها أعطوني انباههم، ومدري اذا استوعبوا أي كلمة من اللي قلته بالأصل لأني حكيتلهم قصة حياتي كلها دفعة وحده خلال وقت قصير وبأقل نبرة صوت ممكن تدعم شعوري تجاه ذي القصة..
كمان لما فضفضت كلامي كان كلّه تعبير عن شعوري بشكل خالي من الوقائع، أما دحين العكس كلامي كلّه حقايق وخالي من المشاعر..
اذا ما استوعبوا عادي؛ أنا نفسي مو مستوعب الكلام لأني كنت ألتهي بكل مصيبه لحالها في وقتها بغض النظر عن الباقي.. ذي أوّل مرّه أسردهم كذا جنب بعض وبالترتيب.. ورغم اني قلت ما أبغى أتذكّر ذي الأشياء وأستعيد شعوري وقتها إلّا ان ذا كان أقل شيء ممكن أسوّيه عشان يفهموا اللي أقصده..
طيب ولنفرض انهم استوعبوا.. ايش ممكن يسووّا؟ أحس رد فعلهم ذا وهم يناظروني بتعابير ما تتفسّر هو أنسب رد فعل للموقف..
أنا صدمتهم بس في النهاية ذا اللي كان لازم يصير، بغض النظر عن إذا كان أسلوبي اني اوصّل الكلام مناسب أو لا..
بعد صمت دام لدقايق أنا قمت عن مكاني وقلت بابتسامة صغيرة: - لازم أنام؛ بكره بقوم بدري عشان الباص..
بس ذا اللي قلته قبل ما أدخل الغرفة بسرعه.. رميت الملف والجوّال على الطاولة اللي جنب السرير وانسدحت بإهمال وأنا أغمّض عيوني واتنفّس بقوة، بعدها صرت أراقب السقف كعادتي..
مو ندمان اني علّمتهم، اي واللّه أحسن ما هم جالسين يشوفوني أنهار في مراحل مختلفة ويشيلون همّي وهم مو داريين بشيء..
بس أنا اللي بدفع الثمن دحين؛ لأني استعدت كل الذكريات اللي أرقتلي منامي طول الفترة الماضية مدري كيف ممكن أنام براحة دحين.. يمكن الأفضل ما أنام..؟
خرّجني من شرودي ضوء الجوّال اللي سطع فجأه دليل على وجود مكالمة..
صارلي فترة أحط الجوال على وضع الصامت وأخلّيه.. يمكن صرت أخاف من المكالمات اللي توصلني أيًا كانت..
مسكت الجوال وأنا لسه منسدح وناظرت فيه.. رقم غريب، بدأنا..
فكّرت أخليه يدق وما أرد أو أكنسل المكالمة، بس صراحة فضولي راح يقتلني.. حاولت اقنع نفسي ان ممكن اللي متّصل غلطان في الرقم..
حرّكت دائرة الإجابة بتردد وحطّيت الجوّال على إذني: - ألو..؟".
- رقمي معاك ليه ما تتصل ولا تسأل يا نذل؟
"ابتسمت براحه لما اتعرّفت على الصوت وقلت: - هلا بالأخ "صفوان"، "حمد" أداك رقمي؟
جاوبتي: - ايوه.. انا اتصلت فيه وطلبته منه بعد ما انت سحب....
قبل ما يكمّل كلامه قاطعته بتلقائية: - هو اللي عطاك الرقم وطلب منك تكلّمني بعد ما علّمك عن قرار السفر.. أما موضوع أمّي فأراهن انك داري من زمان لأن "حمد" ما يخبّي عنك شيء..
مدري إيش وضعي ذي الفترة أعطي الكلام كذا في الوجه وأصدم الطرف الثاني.. لا وكذا جملة يعني حتى ما أعطيهم فرصة يعالجوا في راسهم الكلام اللي قلته..
بشكل متوقّع حل الصمت لفترة، بعدها رد "صفوان" بصوت رزين معتاد منّه: - لا أنا اللي طلبت منه الرقم منجد.. بس هو اللي كلّمني وعلمني عن موضوع سفرك.. تخمينك صح..
- في إيش بالضبط؟
- في كل شيء قلته..
سكتت فترة وأنا أفرك عيوني بأصابعي بعدها قلت بتعب واستعجال: - قول يا "صفوان" ايش عندك؟
أخذ وقت قصير لين ما قال: - "لجي" أظن صار عندك درجه كافيه من الوعي عشان تستوعب كل اللي جالس يصير.. وأنا على عكس ما إنت متوقّع ما راح أحاول أصرف نظرك عن موضوع السفر.. سافر يمكن انت منجد محتاج ذا الشيء، بس عندي لك حل مناسب.. ليه ما تجي وتجلس معايا؟
أخذت وقت أفكر في عرضه.. واللّه انها فكره.. بس.."
- ما أقدر..
"لسببين، أولهم هو خلال كم سنه راح يتزوّج ومقدر أجلس عنده.. والثاني هو ان وجودي الدايم في المدينة راح يعطي فرصة اني أقابل أهل أمي.. "حوراء"..
وبدون ما يسأل عن أسباب رفضي هو قال: - طيب عندي حل ثاني.. خلّي دراستك في الرياض واجلس في الرياض زي ما تبغى لكن أجازاتك كلها عندي، وحتى نهاية الأسبوع تجي وقت ما تقدر ولا أنا بجيك.. بس الأفضل انك انت اللي تجي لأنك محتاج وجودك في المدينة..
صادق.. منجد أنا إذا أبغى أرتاح نفسيًا محتاج أروح المدينة..
سكتت وقت وأنا أوزن كلامه في عقلي.. ما عندي سبب يخلّيني أعاند..
هو يحاول يساعدني وما أبغى أسوي فيه زي ما سوّيت في "أحمد" و "بندر"..
قلت باقتناع: - أنا موافق، بس خلّيني أول شيء أروح الرياض عشان أقدّم ملفي للمدرسة وأظبّط دنيتي بعدها بيومين أو ثلاثة أجيك..
حسّيت بالانتصار في نبرته وهو يقول: - خلاص اتفقنا..
أومأت موافق كأني أأكد على الاتفاق رغم انه مو شايفني، بعدها ابتسمت بامتنان وقلت: - "صفوان" مرّه شكرًا...
شكرًا على اقتراحه اللي أحس بينقذني.. وشكرًا لأنه هنا..
ادعى الصدمة وهو يقول: - إيش؟!.. إيش ذي الكلمة الأثرية؟ أحس مو المفروض أسمعها من أخو "حمد"..! بس أقلك خليها أثرية لأن مالها داعي بيننا..
زادت ابتسامتي وقلت بصوت هادي: - حاضر..
بعدها قفلت الخط بعد ما ودّعته..
حسّيت براحة نفسية بس من ذي المكالمة.. وأحسني غبي ليش ما خططت اني أزور المدينة وانا منجد محتاج كذا؟
سرحت في أفكاري لين ما شفت في الجوال ان الساعة صارت احداش.. المفروض اني بكره بصحى سبعه لأن معاد الباص ثمانيه.. وانا يحليلي ما جهّزت ولا شيء من أغراضي.. أقنعت نفسي ان ملابسي جاهزة لأنها زي ما هي في الشنطة، ومعايا شنطة ظهري فيها أشياء بسيطة.. وأظن اني مو محتاج آخذ شيء ثاني غير الملف اللي ممكن أحطه في الشنطه برده..
اتنهّدت وأنا أفكّر في ثقل فكرة انك تصحى وانت داري ان وراك سفر.. ياخي حتى لو شيء حلو، حتى لو رايح تقضي إجازة في مكان، واللّه حتى لو رايح جزر المالديف راح يجيك ذا الشعور الكريه وقت تصحى مرّه بدري لأن وراك سفر، ولو انك مو ملتزم بمعاد الرحلة كان كمّلت نوم..
من كثر أفكاري العشوائية ذي أنا نمت فعليًا.. وقمت الساعة سبعه على صوت المنبّه عشان يجيني نفس الشعور اللي كنت أتكلّم عنّه..
قمت من سدحتي وصرت متربّع على السرير صافن في هدوء الغرفة وأناظر كل شيء حولي كأني فاقد الذاكرة، بس أنا في الحقيقة كنت أخاطب نفسي اني لازم أقوم قبل ما يسرقني الوقت..
قمت من السرير واتحرّكت خارج من الغرفة وأنا أمسح على وجهي أحاول أضيّع رغبتي في النوم.. بس طارت من حالها أوّل ما مرّيت على الصالة واللي لازم أمر فيها وأنا رايح الحمّام..
أكثر أربع أشخاص كان لهم تأثير على حياتي -سلبي أو إيجابي- جالسين قدّامي ويناظروني دحين..
"أحمد" و "بندر".. "حمد" و "سعد"..؟
أخذت وقت أحاول أترجم وجودهم في عقلي وأتأكد انه مو من تأثير ان توّي صاحي..
كيف دريوا بموعد سفري؟ معقول شافوا التذكرة اللي فيها معلومات الحجز؟.. بمعنى أصح أحد منهم دري وعلّم الباقي..
إخذت نفس عميق وأنا أحاول ألاقي أي تصرّف ممكن أسويه.. وجودهم كلهم قدامي دحين أكيد معناه انهم يبغوا....".
- نبغى نودعك قبل ما تروح بس..
"قال "سعد" فجأة مقاطع أفكاري ومخالف لها؛ لأني فكرت ان وجودهم معناه بيحاولوا يمنعوني من السفر.. ووقتها واللّه مدري إيش ممكن أسوّي لأن ما عاد بحالي أجادلهم..
بس كيف اقتنعوا؟.. هل خلاص لقيوا اني حطّيتهم قدام الأمر الواقع فقرروا يستسلموا؟
بس اذا فكّرت أكثر ممكن ألاقي إجابة ثانية..
"أحمد" و "بندر" بعد كل اللي سمعوه مني وعجزهم عن الرد حتى أكيد شافوا ان مالهم حق يمنعوني من ذا القرار..
أما "سعد" و "حمد" فأحس صاروا متطمنين شوي للفكرة بعد ما كانوا رافضينها تمامًا، وأظن السبب ان أكيد "صفوان" وصّل ل"حمد" تفاصيل مكالمتنا أمس.. فيمكن عندهم أمّل ان "صفوان" يقدر يأثّر عليا ويخلٌيني أغيّر رأيي وأرجع.. يعني كأنهم وافقوا على الوضع حتى إشعار آخر..".
- أصلّي الصبح وأرجعلكم..
"قلت وما وصلني كجواب غير إيماءه من كلهم.. فمشيت مكمّل طريقي للحمّام بعدها رحت أصلّي في الغرفة وأنا أحاول بشتى الطرق أمنع نفسي اني أسهو في أفكاري..
بس أنا في شيء كان لازم أسوّيه من أوّل وسوّيته دحين، وهو اني أصلي صلاة استخارة..
بعد ما سلّمت ضليت فترة جالس على السجادة.. وأفكر..
في مجال اني أتراجع صح؟ بس هل الأفضل لي اني أتراجع ولّا أكمّل على قراري؟
إذا اتراجعت إيش العواقب؟ واذا كمّلت على قراري إيش العواقب؟
هل شعوري المفاجئ بأني ممكن أتراجع ذا له مدة صلاحية وبعدها برجع أحس ان كان لازم أنفّذ قراري وضيّعت الفرصة من يدي؟ وهل اذا فعلًا تراجعت بكون ضيّعت الفرصة من يدي ولا ممكن أرجع لنفس القرار عادي؟
وهل ترددي ذا ناتج عن اني شفتهم قدامي ولا هو وليد اللّحضة؟
ليش لازم ترددي وحيرتي وتذبذب أفكاري يلحقوني في كل مكان ليش؟!
شفت الساعة وكانت سبعه ونص.. مو باقي غير نص ساعه!
لو كنت مسوي حساب لذا الوضع كنت قمت قبل المعاد بساعتين أو أكثر..
خلال عشر دقايق كنت لابس ملابسي وحاطط شنطة الظهر على ظهري وأسحب الشنطة الثانية في يدي وأخرج من الغرفة..
خلاص ما في مجال للتردد ولا كان اتراجعت من أمس..
ناظروني كلهم أوّل ما خرجت ووقفوا عن أماكنهم.. وكأنهم كانوا يتمنوا لو ان ذي اللحظة ما تجي.. ذا اللي قرأته من عيونهم رغم نظراتهم الهادية، مدري من قلّة النوم أو من الحسرة على وضعي..".
- مشينا..
"قلت كاسر الصمت وأنا اللي ابتسمت بحسرة بعد ما اتذكّرت ان ذي كلمة أبوي المعتادة..
واستوعبت اني غلطت لما قلت أن الوقت أمس ضاع بس كذا.. لأنّي بعد ما حجزت رحلة الباص رحت وزرت أبوي.. سمحلي الدكتور أدخل غرفته بشرط اني ما أطوّل.. يمكن ما قلت كلام كثير ولا انتظرت منه يجاوبني لأن وضعي مو متدهور لذي الدرجة.. أنا أطلعته على قراري، بس لأن عندي قناعة ان أي قرار مهم أتّخذه لازم أبوي يدري فيه، واللي ساعدني اني ما أنتظر إجابته دحين هو اني من قبل كنت أكتفي بأني أعلمه وفي الغالب كنت أنفّذ اللي في راسي حتى لو رفض، بس المهم انه صار عنده علم بالموضوع..
الصمت اللي ساد الجو واحنا في سيّارة "بندر" كان مقيت بشكل صعب أوصفه.. لأني داري انه مو صمت جاي من فراغ كذا وسببه ان محد لاقي شيء يقوله.. كلنا نفوسنا مليانه بس مو قادرين نتكلّم.. ويمكن مو منطقي أعبّر بعبارة "لا شيء يُقال بعد ما قد قيل".. بس ان "لا شيء يُقال" وانتهينا..
وصلنا مكان الباص.. ولأنه ما كان الباص الوحيد في الموقف ضاع شوية وقت عشان نلاقيه، وبعد ما لقيناه حطيت شنطتي في ذاك الفراغ من الباص المخصص للشنط اللّي واللّه محتار ألاقيله اسم مناسب، وخلّيت معايا شنطة ظهري آخذها في الباص..
صارت الساعة ثمانية وشوية بس لسه شكل الباص مو ناوي يتحرّك دحين.. وقتها صار المفروض نستفيد من الوقت بدل الضائع..
وأحس الوضع ثقيل.. أنا واقف جنب باب الباص وهم واقفين قدامي.. ولأن ما عندي شيء أقوله انتظرتهم هم يتكلّموا.."
أحمد: انتبه هلى نفسك..
بندر: كلّمنا علطول..
سعد: وكلّمنا أوّل ما توصل..
"جاوبت على كل تنبيهاتهم بإيماءة بسيطة.. بعدها ناظرت "حمد" أنتظر أسمع ايش بيقول.. وهو كمان ناظرني كأنه مو مجهّز شيء يقوله.. بعدها فجأة اتغيّرت ملامحه كأنه اتذكّر شيء وقال: - صح كنت بنسى..
ومشي متّجه للسيارة اللي ركنّاها قريب.. شوي ورجع في يدّه كيس مليان وأعطاه لي.. كان فيه أكل..
ابتسمت وأنا أفكّر في أن ما صرت محتاج أقول إيش هو عشان صار معروف..
بشكل طبيعي محد سألني عن سير حياتي هناك لأنهم لسه مو مستوعبين اني بجلس هناك لفترة غير معلومة، وأكيد ما راح أصرف من بطاقة أمي طول ذي الفترة اللي مو معلومة..
وذا خلّاني أتذكّر ان نفس الوقت اللي قلت عليه ضاع وقضيت أغلبه عند أبوي في جزء منّه ضاع على اتصال..
بعد ما خرجت من عند أبوي وقبل ما أرجع البيت دقّيت على جارنا في الرياض أبو "عبد الرحمن" عشان أطلب منّه طلب..
ورغم اني ندمان اني شكّيت فيه انه هو السبب في اتهام أبوي بسبب تشابه الأسماء إلّا اني اعتذرتله كثير داخليًا، والحمد لله اني كنت جبان وما حاولت أواجهه في الحقيقة..
والسبب الثاني اللي ممكن يخليني أتردد من طلبي هو عياله الكريهين، بس كان عندي قناعة - مدري من وين جات- ان بغياب "فيصل" راح يكفّوا أذاهم عنّي..
المهم طلبي كان مبني على جملة كان أبو "عبد الرحمن" يرددها كثير لما كنت أزوره في معرض السيارات حقه مع أبوي.. وهي "يا "لجي" واللّه لازم تشتغل هنا لما تكبر"..
وكان سبب جملته هو اني كنت أعرف معلومات كثر عن السيارات وأظن ذا شيء معروف عنّي..
طلبي كان انه ينفّذ ذي الجملة ويخلّيني أشتغل في المعرض إذا يقدر.. وبعد سين وجيم أنا اضطرّيت أعلمه عن حالة أبوي واللي خلّته ينزعج بصدق.. وعن موضوع اني بجي الرياض لحالي قلت بس اني مختنق من جده وصرت متعقد منها وأبغى أرجع الرياض، وصعب أحد من إخواني يجي لأن دراستهم وكل شيء في جدة.. أنا كذا قلت نص الحقيقة..
وهو أكيد ندّمني أكثر على ظنّي السابق فيه لمّا رحّب مرّه بشغلي في المعرض وقال كلام كثير زي أن "المعرض كله تحت أمر "لجي" ".
قبل ما أي أحد يزوّد شيء واحد من المسؤولين قال ان الباص دقيقة ويتحرّك.. وأنا هنا قلبي نبض بسرعه وأظن كلهم نفس الشيء من تغيّر ملامحهم..
قبل ما أطلع الباص داهمني من كل واحد فيهم حضن المفروض يكون سريع بس في الحقيقة كان عميق..
وأكره ان معنى إسمي وقت يدخل على أي شيء يخلّيه صعب..
بخطوات اضطريت أخلّيها سريعة بسبب الناس اللي بتدخل الباص وراي صعدت السلالم القليلة.. واتعمّدت أختار كرسي جنب الشبّاك عشان أناظرهم.. وهم في نفس الوقت كانوا اكتشفوا البقعة اللي جالس فيها ويناظروني..
سمعت صوت المحرّك يشتغل.. وهنا أنا ناظرت قدّامي وأخذت نفس..
رجعت ناظرتهم أحاول أحفر أشكالهم في ذاكرتي.. مو كأني ينساهم يعني بس محد داري بالظروف..
شوي واتحرّك الباص وهيآتهم بدأت تصير بعيده ببطء..
بعد ما بعّدنا أكثر عن الموقغ داهمني شعور اني أبغى أصيح بس نفيته في وقتها.. وعشان ألهي نفسي خرّجت كتاب من شنطة ظهري عشان أقرأه.. فتحت الصفحة اللي كنت واقف عندها وغمّضت عيوني بقوة من الذكرى العجيبة..
ذا نفس الكتاب اللي كنت أقرأه وقت ما جيت جده مع أبوي.. وذي نفس الصفحة اللي وقفت عندها.. ما فتحته من وقتها غير دحين..
وقتها بدأت في الكتاب في الرياض ووصلت لنصه لما دخلنا جدة بس نمت قبل ما نوصل المحطة..
يمكن لي نصيب أخلّص النص الباقي في الطريق من جده للرياض..
قبل ما أبدأ القراءة نبّهنا مسؤول الرحلة اننا نقول دعاء السفر واتذكّرت اني ما قلته..
بدأت أردده في سرّي بعده بدأت أردد آية الكرسي والمعوّذات.. ومدري كيف وأنا أرددهم داهمني النعاس..
بدون ما أحس بشي غمّضت عيوني وغفيت.. يمكن بس غفوة ويمكن نوم عميق..
• • • •
.
.
.
نهاية رواية "لُجَيْ"..
.
.
***
**
*https://play.google.com/store/apps/details?id=com.stories4all.offline5