الفصل 45
رواية لُجَيْ : الفصل الخامس والاربعون : #لجي:
"من فتره قلت ان كانت تراودني أحلام وكان يزورني فيها شخص ما اتوقعته وما أدري سبب وجوده بأحلامي...
يمكن كان لازم أربط الأمور ببعضها من البداية..
يمكن كان لازم أدوّر ورا الرسايل الخفية اللي توصلني..
يمكن كانت علامة للي بيصير..
الشخص اللي كنت أشوفه بأحلامي هو زوجة أبوي الأولى.. واللي اتضح انها أمي.....".
• • • •
"أتنهّدت وأنا أناظر نفسي في مراية الحمام.. بس أناظر نفسي وما أسوي شيء ثاني..
أخذت نفس عميق بعدها زفرت ببطء، وكانت النتيجة ان نزلت دموعي بدون سابق إنذار...
سبّيت نفسي بين أنفاسي وفركت عيوني بقوة..
كان لازم أنتظر شوية لين ما يروح اللون الأحمر من عيوني..
حاولت مرّه ثانية، بس برده مو ذي التعابير اللي أبغى أوصل لها.. أكثر شيء محتاجه دحين هو اني أضرب ذي المراية.. بس ما راح أسويها لأنها مو حقتي..
هي جمله وحده قالها أبوي بعدها قفل الخط وما أدّاني فرصه أعلّق..
مرّت ربع ساعه على المكالمة وأنا من وقتها واقف قدام المراية وأحاول أظبط تعابيري، ما أبغى يبان عليا الضعف والذبول قدامه، بس كل مرّه أفشل..
إذا هو مو داري إني دريت بالحقيقة فمو لازم يدري...
إذا مو هو اللي علّمني بنفسه فأنا ما كان لازم أدري...
رغم ان ما كان المفروض يخبّي عني لأن اللي سوّاه ما كان لازم يصير من الأصل..
خرجت من الحمام وكنت متجهّز للخروج..
الساعة تسعه والبيت هادي، أكيد "أحمد" و "بندر" لسه نايمين..
وأنا خارج من باب الشقة جزء منّي كان خايف اني أقابل "حمد" في وجهي زي أمس..
صراحه بعد اللي اكتشفته عن أخواني آخر أشخاص أتمنى أقابلهم هم أخواني...
ما كانت مسافه بعيدة لين عمارتنا بس أخذت سيارة أجره لأن مو بحالي أمشي...
مدري متى آخر مرّه جيت هنا، ما أبغى أقول اني افتقدتها..
نزلت من سيارة الأجرة، وقدام العمارة شفت سيارة مرسيدس فضّية C200 موديل ٢٠١٩..
ابتسمت بدون سبب، هذي سيارة أبويا..
بدون مقدمات فتحت باب الراكب ودخلت وجلست.. ناظرت جنبي لكرسي السائق، حتى هو كان يناظرني ساكت..
ذي مو ردة الفعل المناسبة اللي المفروض أقابل فيها أبوي وأنا ما شفته من فترة محترمة..".
- ليه وجهك ذابل كذا؟!
"ابتسمت أكثر وناظرت قدامي بعد سؤاله... شكل الربع ساعه اللي حاولت أهدّي فيها تعابيري ضاعت بلا هدف..
أخذت نفس ورجعت ناظرته وقلت بشبح ابتسامة: - قلت تبغاني؟
وهو كرد فعل عقد حاجبينه وهو يناظرني، فعليًا ما كان ذا الرد اللي منتظره مني..
أكيد كان منتظر اني آخذه بالأحضان وأعلمه قديش غيابه أثر فيني واني بدونه كنت وحيد وزي اليتيم و.. و.. و...
هو حس ان في شيء، فهمت كذا لما ناظر قدامه وسمعت صوته وهو يبلع بعدها ناظرني: - بغيت...
قاطعته: - خليني أوّل أعلمك ان أنا بغيت أشكرك..
كانت ابتسامتي عريضة ذي المرة، حتى أنا نفسي ما فهمتني.. ولا هو أكيد، إمارات الحيرة ظهرت أوضح على وجهه وهو يسأل: - على إيش تشكرني؟
كنت أنتظره يستفسر، وحتى إذا ما استفسر إجابتي كانت جاهزة ولو مرّت أقل من خمس ثواني بدون ما يعلق كنت بقول...
اتكلّمت بحده واضحه: - من زمان وأنا ودي أصير أكبر، لعدة أسباب وأدري اني مو الوحيد.. وانت حققتلي حلمي، خلّيتي أكبر حتى أكثر مما كنت أبغى، انت عجّزتني..
الحقد الدفين كان واضح على ملامحي ونبرتي، وعلى مين؟ على أبوي!
هنا هو صار متأكد ان في شيء.. وقتها غيّر شوي في جلسته وصار ظهره للباب ووجهه يقابلني.. وذي نفس الوضعية اللي أنا صرت جالس فيها..
قال بنبرة المفروض انها هادية وحنونة: - "لجي" ايش صار؟ علّمني..
وفي آخر كلامه حاول يحط يده على كتفي بس أنا ما عطيته فرصة ورجعت لورا لين ما لصق ظهري في الباب...
ما أقدر أتقبّل منه تصرف المفروض يبدر من أب حنون.. أب حقيقي.. مو واحد ينسب إبنه لحرمة غير أمه الحقيقية بس عشان سواد عيون أولاده الثانيين!
ورغم اني صرت متأكد ان أبوي مو فاهم وما يدري اني دريت... ورغم اني قلت ما أبغاه يدري اني دريت..
لكن في ظرف ثواني ضربت كلامي بعرض الحيط وأنا أخرّج من جيبي الورقة اللي غيّرت حالي ورميتها في وجهه..
أنا حرفيًا رميتها في وجه أبوي..!
هو وسّع عيونه منصدم من تصرّفي...
من كم شهر بس وفي نفس ذي السيارة كنت أحاول أحمي نفسي من رفساته لأن صوتي علي على صوته..
فضوله انه يدري إيش صار كان أكبر من انه يحاسبني على قلة أدبي... عشان كذا أخذ الورقة اللي طاحت في حجرة وفتحها وصار يقرأ اللي فيها بتركيز..
كنت أراقبه وعيونه تتحرّك على الكلام اللي في الورقة، شوي والعقدة اللي بين حاجبيه خفّت، وقتها انا فهمت انه استوعب الموضوع..
شلت عيوني عنه و ناظرت قدّامي.. لعدة أسباب، أوّلها ما أبغى أواجهه، وثانيها اني كنت أجاهد دموعي اللي كالعادة لازم تتمرّد على رغبتي اني أحاربها، كنت دائمًا أصير ضحية ذي الحرب وبخسائر جثيمة..".
- "لجي"....
"نطق اسمي بصوت هادي وأنا ما قدرت إلّا ونزلت دموعي لما اعتصرت عيوني بقوة... حتى إسمي منّه بعد ما استوعب اني دريت صار يعوّر... باللّه كيف يقدر يواجهني دحين؟! هو اللي المفروض ياكله الألم والذنب بس... ليش كذا يعوّرني قلبي؟! ليش احس ان الذنب ذنبي؟!
حرفيًا بعد اللي صار كنت أسأل نفسي كل ثانية أنا إيش سوّيت؟ صرت أحس اني أستاهل النبذ بس اني واقف في صف نفسي لأن محد غيري يوقف في صفّي..
أخذت نفس أحاول ما يخرج صوت صياحي بس الموضوع كان مرهق... أكثر من كل مره طافت وكل مره ممكن تجي..".
- "لجي" أنا آسف..
"ما تكفي.. وربي مو شيء.. مو شيء أبدًا جنب اللي صارلي بسببكم.. بسببك انت بالذات، ولا شيء كان ممكن يصير بدون موافقتك انت...".
- الموضوع مو زي ما إنت متخيّل..
"ليش هو يعني في تفسير غير اللي أنا متخيله؟
أخاف أدوّر على إجابة يطلع الموضوع أسوأ حتى مما أنا متخيّل...! ".
- أنا ما حاولت أنسبك لغير أمك الحقيقية.. والدليل على كذا انك على إسمها في كل الأوراق الرسمية..
"يا فرحتي!
طيب إيش فايدة شوية أوراق إذا أنا في معتقدي الوجداني أمي وهي بالأصل زوجة أبوي ومو نفسها أمي الحقيقية؟
وإن أمي الحقيقية هي اللي كنت معتقد انها زوجة أبوي..!
أكيد تبغوني أخسر عقلي!".
- مهمة "حوراء" كانت انها تعتني فيك، ولأني أدري انك تحتاج أحد يعوضك عن أمك أنا اتزوّجتها، ومو ذا السبب الوحيد، أنا حسيتها إنسانة تستاهل كل خير..
"ما شاء الله أبوي المتواضع شايف ان زواجه من "حوراء" هو كل الخير..!
طيب ليش خيرك ذا ما شملني أنا؟! ليش استثنيتني كذا؟!".
- بس اللي صار ان مع الوقت هي اتعلّقت فيك، وحتى إنت اتعلقت فيها، كبرت وانت معتقد ان ذي أمك، كان صعب نصدمك وانت صغير ان ذي بس زوجة أبوك..
"لا ونعمَ القرار..!
ما أنصدم إذا علّمتوني الحقيقة وأنا صغير بس أكتشف صدفة وانا كبير وتصير الصدمة على كيف كيفك...
باللّه ذا منطق؟! ".
- بس ترى واللّه أنا كنت ناوي انك تدري في مرحلة معيّنة عشان كذا جبتك ورجعنا جدة، وحتى آخر فترة أغلب نقاشاتي مع اخوانك اننا نكشفلك الحقيقة.. بس صار اللي صار واضطريت اختفي...
"طبعًاااا طبعًااا لازم تناقشهم ما يصير تتصرّف بدون علمهم لأنك بالأصل سوّيت اللي سوّيته عشان خاطرهم، وإذا قالولك لا ما نعلمه وخليه على عماه أكيد ما كنت بترفض...
حسبي اللّه بس..".
- "لجي" ناظرني باللّه أنا جالس أقول الحقيقة و..
- ايش تبغاني أسوّي بذي الحقيقة؟!
"ذي المرة كنت خرجت عن هدوئي منجد وصارخت وانا أناظره، وهو بس يناظرني..
اتنفّست بسرعه وقلت: - إيش بيفيدني كلامك اذا اللي سوّيته صار وما كان المفروض يصير؟.. انت حرمتني حق من حقوقي وهو اني أعرف أمي، ولا تقول ان اللي سويته في مصلحتي، حتى إذا أمي الحقيقية ميته فمن حقّي أعرفها.. وكل كلامك ذا ما دخل راسي وأنا ما عندي تفسير غير انك تفكّر مثل عيالك..
انتظرت منه يسألني إيش قصدي بس ما نطق، بس يناظرني بملامح مستاءه ويسمعني، وأنا نظرته ما أثّرت فيا وكمّلت: - "حمد" و "سعد" شايفين اني سبب موت أمّهم.. أمّنا.. وأسلوبك ذا بس يوضّح ان تفكيرك نفس تفكيرهم.. حتى إنت تكرهني..
هنا أبوي اتدخل بسرعه: - "لجي" أنا ما أكرهك..
بس ما عطيته فرصه يقول اللي عنده واتكلمت بانفعال: - إلا تكرهني.. تكرهني.. وإذا ما تكرهني فأقل شيء أقدر أقوله إن أهميتي عندك أقل من باقي عيالك..
- إيش قاعد تقول باللّه لا تخرّف..
قال مستهجن كلامي بعد ما جعّد عيونه وحرّك راسه نافي اللي أقصده..
بس ما قدرت إلّا وأصدّق إحساسي، لسه أناظره بعيوني الذابله واللي صارت رؤيتها مو واضحه بسبب الدموع اللي نصها محتجز فيها وباقيها على خدودي..
قلتله بكل صراحه تحليلاتي: - ليش أنا بالذات اللي طلبت مني أدوّر على الأوراق؟ ليه طلبت ما أعلّم أحد وانت تدري ان ممكن الموضوع يكون خطير، خاصة ان الشخص اللي ورّطك هو جارنا......
- جارنا مين؟!
قاطعني وقبل ما أتكلّم هو كمّل كلامه: - لحظه بس عشان ما تظلم أحد ويّاك، اذا تحليلي صح فإنت اتوقعت اني أقصد بشريكي اللي ورّطني هو أبو "عبد الرحمن" جارنا؟ بس ذا مو صح أنا قصدت صاحبي في الشغل اللي إنت تعرفه من زمان.
خرجت من تفكيري الأساسي وسرحت في كلامه.. أنا فعلًا ما جا في بالي صاحبه وفكرت علطول في جارنا..
يعني أنا كنت ظالم جارنا؟ الحمد لله لأن منجد ما كنت أبغاه يكون السبب..
أبوي استغل صمتي وقال بهدوء بعد ما اتنهّد: - شفت كيف ممكن تحليلاتك تكون غلط؟ قيس على كذا كل تحليلاتك اللي قلتها... أنا لما طلبت منك انت تروح تشوف الورق كان لأني شبه متأكد انه في بيتنا في الرياض وما بغيت أحد يروح غيرك.. صح أنا غلطان لأني حمّلتك ذي المسؤولية لحالك بس أنا ما كنت أبغى الموضوع يكبر عشان كذا طلبت منك ما تعلّم أخوانك..
ناظر قدامه ورجع اتنهّد مره ثانيه وناظرني قايل: - دحين ممكن تعطي نفسك فرصة تفهم الأمور بدون ما تفكّر بشكل سلبي؟
أنا من زمان وأنا متعوّد على طبع أبوي، هو يبان صارم وأسلوبه حاد لكنه في نفس الوقت عنده حكمه تجبرني أسمع كلامه و أستوعبه، بس الفكرة ان حكمته ذي مو كفايه انها تخليني أنسى كل اللي فهمته وكل اللي صار.. حتى إذا من جد كان في أسباب خلته يسوي أي شيء من اللي سواه فذا ما يمنع انها غلط..
أوقات لازم تسوّي الصح حتى إذا يجرح.. على الأقل جرحه بيكون منطقي ومقبول شوي أكثر من جرح الخطأ اللي ممكن ينهيك..
جرح الحقيقة يعوّر، بس عالأقل انت بتاخذ الصدمه كلها في البداية بعدها بيبدأ يقل الوجع مع الوقت بالتدريج لين ما تتعافى..
بس الكذب العكس، انت راح تكون متعافي في البداية لكن بعدين راح يبدأ الوجع يظهر بالتدريج لين ما توصل لأقصاه ومن الصدمه ممكن ما تقدر تستوعب شيء بعده.
وذي الحالة الأخيرة هي اللي صارت وياي، وأقدر أقول اني مو مستوعب أي شيء بعد ذي لنقطة..
خرجت من أفكاري بعد ما حسّيت بالدفء اللي حاوطني، مدري متى صرت بين يدين أبوي وهو يحضني بقوة، وهل بدافع الاعتذار أو الاشتياق لكن حسيته من أول ما ركبت السيارة وهو منتظر ذي اللحظة وحتى أنا نفس الشيء بس كنت أرفض لأن زي ما قلت قبل، ذا الحنان المفروض أنتظره من أب حقيقي.. وأنا لسه لين دحين جزء أو بالأحرى أجزاء مني مو قادره تتخطى، وأنا لسه مو مستوعب أسباب أبوي الحقيقية لكن حتى لو كان تصرفه بينقذني من الموت فأنا صعب أتخطاه.
ما أنكر اني كنت محتاج ذا الحضن وما بعّدت عنه لكن في نفس الوقت ما بادلته..
يمكن كان صعب أمنع نفسي أحس بالأمان وأنا في حضنه لأن ذي طبيعة أي إبن مع أبوه بس في نفس الوقت صعب أتصرّف كأن الوضع طبيعي..
في ذي اللحظة حسّيت بتخبط وانفصام في مشاعري أكثر من أي وقت..
دموعي اندثرت في ثوبه وقت ضغط على راسي مقربني أكثر لكتفه..
كنت قريب جدًا منه لدرجة اني أحس بنبض قلبه قريب من قلبي..
سمعت همسه الضعيف وهو يقول عند إذني: - أنا آسف، ممكن تسامحني؟
سؤاله خرّجني من الأمان اللي كنت فيه ورجعني لتخبّط أفكاري...
انتظرني ثواني أجاوب وأنا ما قدرت اخرّج ولا حرف من فمّي، لكن في المقابل قدرت أنفي براسي ببطء... ما مداني أسوّي غير كذا لأن طلبه كان شبه مرفوض.
هو طبعًا حس بحركة راسي على كتفه وفهم معناها عشان كذا وقت حاولت أبعّد عنه ضيّق علي الخناق ومنعني..
وقتها اتذكّرت حدث قديم، لما كنت في آخر سنه في ابتدائي وصار موقف خلّى أبوي يعصّب ويعطيني كف في مجلس الآباء في المدرسة، ولأني وقتها كنت في عمر اللي "يا أرض انهدي محد عليكي قدي" أنا حسّيت بالإحراج والإهانة لأن ذا صار قدّام أصحابي وأهلهم..
وقتها ما بكيت ولا نطقت، بس ناظرت أبوي بعيون ذابله وحاده توضّح ان تصرّفه جرحني.. ومقدر أقول ان ذيك النظرة تشبه نظرتي اللي واجهت فيها أبوي من شويه ولا الوضع هو نفسه الموضع ولكن وقتها الموضوع كان كبير بالنسبة لي؛ عشان كذا أخذت موقف وضلّيت فترة ما أتعامل مع أبوي زي قبل، صح ما كنت أتجاهله عشان ما يعصّب بس في نفس الوقت واضح اني مكسور من تصرّفه..
ذي الفترة كانت يوم واحد بس لأن ثاني يوم وقت أبوي كان يوصلني للمدرسة وقبل ما أنزل من السيارة هو قرر يصحح الوضع وحضني بقوّة وطلب مني أسامحه وقال انه ما بيخليني إلّا إذا سامحته..
وعشان زي ما قلت الموضوع كان كبير بالنسبة لي أنا عييت أسامحه...
وقتها أبوي سوّى تصرّف خلاني أسامحه غصب، وهو انه خلّاني أنزل بس نزل معايا وظل طول الطريق واحنا داخلين المدرسة محاوط كتفي مقرّبني منه تنفيذًا لقولته إنه ما بيخليني إلا إذا سامحته، صح الموضوع كان محرج بالنسبة لي ووقتها اتظاهرت اني منزعج بس أنا في الحقيقة كنت فرحان باهتمامه انه يصالحني..
وزي ما هزّأني في الساحة قدّام الكل هو صار يمدحني بصوت عالي قدّام الكل، ومدحه ما كان لسبب محدد هو بس قابل الإستاذ حقي اللي كان واقف عند طابورنا وصار يمدح في أخلاقي، والإستاذ كجامله كان مبتسم ويأيّد كلامه.
وقتها ما قدرت أمنع ابتسامتي وأنا أشوف طلّاب فصلي يناظرون وحتى اللي واقفين ورا صاروا يجوا قدام عشان يشوفوا من ذا الطالب اللي أبوه يمدحه بصوت عالي قدام الكل... الموقف كان محرج وحلو في نفس الوقت..
بعدها بعدت عن أبوي وقلت اني بوقف في الطابور، وهو ابتسم فاهم اني خلاص سامحته..
يب وقتها تصرفه ذا كان كافي انه يصلّح اللي سوّاه، بس دحين ما أظن يمشي الحال.. يعني إذا مثلًا سوّى نفس التصرّف قدام إخواني وجلس يقول " "لجي" إبني اللي أحبه وأفتخر فيه..إلخ" وحتى إذا جلس يمدح من هنا لبكره ما أظن يتغيّر شيء..
مجرّد ما افتكرت ذا الموقف القديم حسّيت بمشاعر كثير.. المفروض أحس بحنين بس أنا حسّيت بمرارة، ومن هنا ورايح ذا نفس الشعور اللي راح يخالجني كل ما أتذكّر موقف قديم؛ لأن ببساطة كل ذي الذكريات كان بداخلها أكذوبه.. حتى إذا اتذكرت شيء ما يخص أمي ولا يخص أبوي، راح أتذكر ان في ذيك الفترة اللي صار فيها الموقف الفولاني أنا كنت مخدوع.. ولكم أن تتخيلوا ان ذا راح يشمل كل ذكرياتي من أوّل ما صرت واعي على الدنيا لين أمس اللي هو اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة.
ومن ذي اللحظه ولين آخر لحظة في عمري أنا صرت خايف من اللي ممكن يترتّب على معرفتي للحقيقة..
يعني حياتي عباره عن ماضي كاذب، حاضر مرير، مستقبل مخيف...
رغم اني حسّيت ان مر دهر بالكامل بس الحقيقة هي ان يمكن ما مر غير خمس دقايق وأنا بحضن أبوي.. هو ينتظر مني الصفح وأنا بأفكاري في وادي ثاني..".
- "لجي" أرجوك..
"أبوي مستحيل كبرياؤه يسمحله إنه يترجّى أحد إلّا إذا وصل لقمة اليأس.. وذي حقيقة أنا خمّنتها وعمري ما شهدتها.. لين ذي اللحظة.
هو فعليًا يبغاني أسامحه ولو بكلمة، بس أنا حتى إذا قلت اني مسامح فما بكون صادق.. مع اني للأمانه أبغى أسامح بس....
- مو قادر..
قلت بألم وأنا مغمّض عيوني بقوّة وأحس حلقي بدأ يعوّرني من كثر ما أحاول أبتلع قهري..
اللي أبوي يسويه دحين يضغط علي بس.. أنا حتى إذا ملّيت من الوضع وجزئي اللي يبغى يسامح اتغلّب وقلت اني سامحته فجزئي المكسور بينقهر مني..
صح يقولون ان "اللي انكسر ممكن يتصلّح" بس خلينا واقعيين، حتى إذا صلّحناه بأي شكل رح يظل واضح عليه مكان الكسر، راح يترك علامه وممكن تظل كندبه مستديمه، وحتى إذا رضيت بدي الندبه فجزئي المكسور راح يصير فُتات وراح تتبعثر أشلائي ويصير صعب انّي أجمعها وأصلّحها..
مقدر أسوّي بنفسي كذا..
عشان أنهي ذا الوضع بعّدت عن أبوي اللي كان حاضني بقوة، ورغم انه حاول يمنعني بس أنا كان عندي إصرار أبعد لأن ذا القرب يإذيني وبس..
فتحت باب السيارة بسرعة وخرجت وحاولت أبتعد على قد ما أقدر، وما عطيت اهتمام لأبوي اللي نزل هو بعد وصار يلحقني وينادي على إسمي..
سبقته بمسافه خلّت صوته يصير بعيد وهو يطلب مني اني أوقف.
بعد مسافه معيّنه أنا وقفت من جد، بس كنت أغالب نفسي أناظر وراي ولا لا.. إذا ناظرت فأنا بعطي أبوي أمل ان الأمور ممكن تتصلّح، وإذا كمّلت طريقي عادي فكأني أقول مستحيل..
أدري اني صرت أحلّل الأمور بأسلوب عميق، بس أنا ما صرت أشوفها غير كذا.. يمكن صرت أخيرًا اسم على مسمّى..
قبل ما أتخذ قرار سمعت صوت خلّاني ألتفت غصب عنّي...
وسّعت عيوني بصدمة وأنا أشوف أبوي منحني ويده على راسه!
كان ممكن أفكّر ان أبوي يعاني من تأثير الضغط أو السكر لو اني ما شفت ذاك اللي واقف وراه متلثّم بالشماغ وبيده عصايه، فهمت انه ضرب أبوي على راسه واتأكدت يوم شفته رجع ضربه بقوّه..!
اتجمّدت مكاني حرفيًا، ماني في وضع يسمحلي أستوعب بسرعه إيش المفروض أسوّي..
ما حسّيت بنفسي إلّا وبدأت أركض راجع أدراجي، ووصلت بسرعه مهولة لدرجة اني قدرت أمسك العصاية قبل ما ذاك الشخص يرجع يضرب أبوي مرّه ثالثه!
ذا الشخص انصدم مني ووقّف لثواني، وأنا استغلّيت الفرصة عشان أشيل الشماغ عن وجهه..
وقتها أنا اللي انصدمت..!
من شوي قلت حياتي عباره عن ماضي كاذب، حاضر مرير، مستقبل مخيف...
دحين بضيف ان حياتي كلها على بعضها عباره عن كل هذول زائد صدمات بلا هدف..
• • • •
.
.
نهاية الفصل الخامس والاربعون..
.
***
**
*https://play.google.com/store/apps/details?id=com.stories4all.offline5