العم صالح
بعد أن فرغت أمه من الكلام، نهض مصطفى فجأة دون أن ينطق بكلمة. دخل غرفته، رمى الحقيبة الكبيرة داخل الخزانة الخشبية بقوة، ثم أغلق الباب بصوت عنيف. لم يغيّر ملابسه، ولم ينظر إلى أي شيء في الغرفة.
خرج من الشقة مباشرة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
لم يقل لأمه إلى أين ذاهب.
لم يودّعها.
مشى في الشارع الضيق وحده. الهواء البارد لامس وجهه، ورائحة الرطوبة والخبز المحمص ما زالت تملأ الحي.
بعد دقائق قليلة، وصل إلى «قهوة العم صالح».
كان عمي صالح واقفاً خلف الكونتوار يمسح كأساً بفوطة بيضاء. عندما رفع عينيه ورأى مصطفى، توقف عن الحركة للحظة، ثم انفرجت أساريره ابتسامة عريضة وصادقة.
«مصطفى؟
خرج من خلف الكونتوار بسرعة وفتح ذراعيه. حضن مصطفى بحرارة، ضرب ظهره بلطف كالعادة.
ولأول مرة منذ عودته إلى الجزائر، ابتسم مصطفى.
ابتسامة خفيفة، دافئة، حقيقية. ابتسامة لم تظهر على وجهه أمام أمه، ولا أمام لينا سابقاً.
«توحشتك عمي صالح واش حوالك؟»
«الحمد لله يا ولدي. أنا بخير طالما نشوفك قدامي.»
جلس مصطفى على الكرسي القديم بجانب النافذة. من الداخل، خرجت لينا تحمل صينية. عندما رأته، تجمدت لثانية، ثم ابتسمت ابتسامة خجولة وتابعت عملها، لكن عينيها كانت تعود إليه باستمرار.
جلس عمي صالح أمامه مباشرة وقال بصوته البشوش:
«قلي يا مصطفى، واش صار برا؟ كنت دايماً من صغرك تجي هنا وتحكي لي همومك. الباب مفتوح ليك دائماً، حتى لو كبرت.»
نظر مصطفى إليه طويلاً. شعر للحظة أنه أمام الشخص الوحيد الذي قد يثق به... أو ربما لا.
في تلك اللحظة، مرّ كريم بجانب الطاولة، وقف خلف عمي صالح، وضع يده على كتفه وهمس في أذن مصطفى فقط بابتسامة ساخرة:
«حتى هو... لا تثق به كثيراً.»