مصطفى - بقلم جرمان محمد | روايتك

كان صوت العجلات يخدش أرضية المطار بصوتٍ جافّ، كأنّ الحقيبة ترفض أن تتحرّك. مصطفى جرّها بيدٍ واحدة، والأخرى تمسك بجواز سفرٍ قديم الحواف. كان يمشي ببطء، كمن ينتظر أن يتذكّر شيئاً قبل أن يخرج من الباب الزجاجي الكبير. أضواء المطار البيضاء القاسية جعلت وجهه يبدو أشبه بقناعٍ مصنوعٍ من شمعٍ باهت. الجو خارجاً رطب وثقيل، رائحة بحر بعيدة مختلطة برائحة وقود الطائرات. رفع يده بلا حماس. توقفت أمامه سيارة أجرة سوداء قديمة، لونها يميل إلى الرمادي كأنّها نسيت لونها الأصلي. فتح الباب الخلفي ودفع الحقيبة بصعوبة، ثم جلس. كان السائق رجلاً في الستينيات، شعره أبيض، وعيناه تنظران إلى المرآة أكثر مما تنظران إلى الطريق. «مرحبا بيك في الجزائر يا ولدي. جاي من وين؟» «من برا»، أجاب مصطفى بصوتٍ منخفض، وهو ينظر من النافذة. ضحك السائق ضحكةً قصيرة جافّة. «برا كبيرة. باريس؟ لندن؟ كندا؟ كلّهم يرجعون في هذا الوقت... الشتا هنا أحسن.» سكت مصطفى. أخرج هاتفه وفتحه، ثم أغلقه مرة أخرى. لا شبكة. أو ربما لا يريد شبكة. انطلقت السيارة نحو الطريق السريع. أضواء المدينة في البعيد ترتعش كأنها مترددة في استقباله. بدأ السائق يتكلم وكأنه يستمر في حوار بدأه مع راكب سابق: «... والله يا ولدي، البلاد مليانة فلوس، بس الفلوس هذي مش بتاعنا. يسرقون ويبنون قصور في تركيا ودبي، وإحنا ناكل الزيتون بالخبز اليابس. حتى البحر صار يشمّ ريحة الفساد...» كان صوت السائق يأتي من مكان بعيد، كأنه يتردد داخل نفق. مصطفى لم يكن يستمع. كان ينظر إلى انعكاس وجهه في زجاج النافذة. للحظة، بدا له أن عينيه في الانعكاس لا تتحركان بنفس توقيت عينيه الحقيقيتين. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم اختفت. «... أنت شاب، لازم تهتم. هذي بلادك. واش جاي تشتغل ولا ترجع نهائي؟» نظر مصطفى إلى السائق من المرآة لأول مرة. عيناه كانتا هادئتين جداً، هادئتين بطريقة غير طبيعية. «جئت لأتذكر»، قال بهدوء. ضحك السائق مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت الضحكة مختلفة. أقصر. أعمق. «تتذكر؟ يا ولدي، بعض الناس لما يرجعوا يتمنّوا ينسوا.» ساد صمت ثقيل. مرت السيارة بجانب لوحة إعلانية ممزقة، عليها وجه رجل مبتسم، لكن نصفه العلوي محروق. كأن النار أكلت عينيه. شعر مصطفى فجأة ببرودة في صدره، رغم حر السيارة. وضع يده على جيب سترته، فوجد ورقة صغيرة مطوية لم يتذكر أنها كانت معه. فتحها ببطء. كُتب عليها بخط يده (أم خط يشبه يده تماماً): «لا تثق بالسائق. هو يعرف اسمك الحقيقي.»