لحن التاج - عالم جديد - بقلم رهف علي | روايتك

اسم الرواية: لحن التاج
المؤلف / الكاتب: رهف علي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: عالم جديد

عالم جديد

حلّ الصباح، وكان الهدوء يخيّم على المكان. فتحت أدريانا عينيها بتثاقل، ثم حاولت النهوض ببطء وهي تشعر بألم يسري في جسدها. أدريانا آه… يا إلهي، أشعر وكأنني لم أنم منذ أيام. جلست، وألقت نظرة على نفسها، ثم توقّف بصرها عند السترة الموضوعة فوقها. مدت يدها ولمستها قليلًا باستغراب سترة من هذه ، ثم رتّبتها بعناية ووضعتها إلى جانبها. رفعت رأسها ونظرت حولها، ولاحظت أنّ المكان فارغ على غير العادة. تنهّدت بخفّة، ثم نهضت وهي تنادي بصوت متردّد. هانا؟ هل هناك أحد؟ لم يجبها أحد. تقدّمت بضع خطوات، ونظرت يمينًا ويسارًا، وقد بدأ القلق يظهر على ملامحها. هذا غريب… أين ذهبوا جميعًا؟ بدأت تتجوّل في المكان، تفتح نظرها في الزوايا والغرف، لكن دون جدوى. توقّفت في منتصف المكان وهي تعقد حاجبيها. أين هم…؟ وفجأة، ظهر صوت خلفها لارا: صباح الخير. انتفضت أدريانا بخفّة، واستدارت بسرعة. آه! يا إلهي… أخفتِني! ابتسمت لارا بخجل، وأنزلت رأسها قليلًا. آسفة… لم أقصد. تنفّست أدريانا بعمق، ثم مرّرت يدها على صدرها محاولة تهدئة نفسها. لا بأس… ظننتُ أنّني وحدي هنا. أين الجميع؟ أشارت لارا بيدها نحو الخارج. خرجوا إلى العمل منذ الصباح. رفعت أدريانا حاجبيها بدهشة. العمل؟ وأين يمكنني أن أجد هانا؟ لارا: في الخارج، قرب الساحة. ستجدينهم هناك. تردّدت أدريانا قليلًا، ثم نظرت إلى لارا من جديد. وأنتِ؟ لماذا بقيتِ هنا وحدك؟ شدّت لارا كتفيها قليلًا، ثم قالت بهدوء. لا يُسمح لي بالعمل بعد، لأنني صغيرة. أبقى هنا لأحرس البيت. ابتسمت أدريانا دون قصد، وقد بدا عليها الإعجاب. حقًا؟ يبو لي انكي حارسة قوية جدا. ابتسمت لارا بفخرٍ خفيف. نعم. هزّت أدريانا رأسها، ثم اتجهت نحو الباب. حسنًا… سأذهب لأبحث عنهم. وخرجت، بينما بقيت لارا تراقبها للحظة قبل أن تعود إلى مكانها. خرجت أدريانا من المكان الذي يشبه الخان، وكانت أشعة الشمس الصباحية تسقط على وجهها فتجعلها ترفع يدها قليلًا لتقي عينيها. سارت في الأزقة الضيقة، ثم توقفت عندما انفتحت أمامها الشوارع الواسعة ورأت الناس يتحركون في كل اتجاه. تأملت المشهد بدهشة صامتة، ثم تمتمت بإعجاب: هكذا تبدو المدينة في الصباح… إنها جميلة. بدأت تبحث بنظرها عن الساحة التي أخبرتها لارا عنها، تتلفت يمينًا ويسارًا بفضول، إلى أن وقعت عيناها على شخص مألوف. اتسعت عيناها قليلًا عندما تعرفت عليه. وأخيرًا. لكن ابتسامتها تلاشت سريعًا حين لاحظت حركته الغريبة. كان يقترب من المارة بخفة، ينساب بينهم وكأنه جزء من الزحام، ثم يبتعد بخطوات هادئة بعد أن تختفي قطعة نقود أو غرض صغير من يد أحدهم. وقفت أدريانا في مكانها، مشدوهة، تحاول فهم ما يجري. اقترب منها من الخلف بخطوات صامتة، يمر بجانبها وكأنها غير موجودة، لكن فجأة توقّف. شدّ كتفيه فجأة والتفت بسرعة. ساكا: أوه! يا إلهي… كدتِ أن تفزعيني. ظننتكِ الحارس عقدت أدريانا حاجبيها وحدّقت به باستنكار: ماذا تفعل؟ أكنتَ… تسرق؟ تردد لحظة، ثم حكّ مؤخرة رأسه بابتسامة: اجل. حدّقت به لثوانٍ وكأنها تحاول التأكد مما سمعته، ثم زفرت ببطء: تقولها بهذه البساطة؟ رفع كتفيه بلا مبالاة: ولِمَ لا؟ إنها موهبة. ضيّقت عينيها بدهشة ممزوجة بالاستنكار: موهبة؟! أنت تسرق الناس في وضح النهار! ابتسم ابتسامة جانبية، واقترب خطوة واحدة: اطمئني، لا أسرق الفقراء… فقط الذين لا ينتبهون. فتحت فمها لترد، لكن صوت رجل من بعيد قاطعها وهو يصرخ غاضبًا: هيه! أين نقودي؟! تجمدت أدريانا في مكانها، بينما تحوّل هو بسرعة إلى شخص آخر، عدّل وضع ثيابه وهمس لها: يبدو أن العرض انتهى. ثم مال قليلًا نحوها وأضاف بنبرة مازحة: إن سألوكِ، قولي إنكِ لا تعرفينني. قبل أن تستوعب ما يحدث، كان قد اختفى بين الناس، تاركًا خلفه فتاة تقف في وسط الساحة، مذهولة، لا تدري هل تضحك أم تغضب. شعرت أدريانا بيدٍ تُمسك يدها فجأة، فانتفضت بخفة والتفتت بسرعة، وقد اتسعت عيناها بقلق. تنفّست الصعداء حين رأت الوجه المألوف أمامها. ابتسمت هانا وهي تشدّ على يدها مطمئنة: هذا أنا. انخفضت كتفا أدريانا، وقالت بنبرة اختلط فيها الارتياح بالاستغراب: أين كنتِ؟ بحثت عنكِ في كل مكان. نظرت هانا حولها بحذر، ثم اقتربت منها قليلًا وهمست: سأخبركِ لاحقًا… الآن علينا الذهاب إلى مكانٍ آخر. قبل أن تسألها المزيد، سحبتها هانا معها بين الزحام، تاركتين الساحة خلفهما، فيما ظلّ قلب أدريانا يخفق بسرعة، وكأن المدينة ما زالت تخبّئ لهما مفاجآت أخرى. واصلتا السير حتى بلغتا مكانًا هادئًا قرب النهر، حيث انعكس ضوء الشمس على صفحة الماء. جلستا على حافةٍ حجرية، وأخذت أدريانا تحدّق في التيار المتحرّك أمامها. قطعت الصمت بنبرة مترددة: هل جميعكم… تسرقون؟ التفتت هانا إليها سريعًا، ثم هزّت رأسها نفيًا: لا، ليس دائمًا. الأطفال هم من يفعلون ذلك أحيانًا، أمّا نحن الكبار فنحاول العمل بطرقٍ مختلفة. عقدت أدريانا حاجبيها قليلًا: ولماذا كان ساكا يسرق إذن؟ تنهدت هانا بخفة، وكأنها اعتادت هذا السؤال: على ما أظن… لأنه لا يجد خيارًا آخر. موهبته الحقيقية في الرسم وصنع الطعام، لكنه لا يستطيع كسب المال بهما. نظرت أدريانا إليها باهتمام: وماذا عنكِ أنتِ؟ ابتسمت هانا ابتسامة بسيطة: أغسل الأطباق وأنظّف، وأحصل على القليل من المال… لكنه يكفينا. سكتت أدريانا لحظة، ثم سألت: وماركوس؟ ارتفع نظر هانا نحو الأفق وقالت بثقة: هو يفعل كل شيء. تفاجأت أدريانا: كل شيء؟ أومأت هانا: نعم، هو مثل القائد. يتحمّل المسؤولية عن الجميع لكن هذا هو نحن أيتام علينا أن نعمل. تقلب وجه ادريانا لانة لم تعرف شي عن هذا لانة عاشت حياتة في القصر.. نهضت هانا فجأة ومسحت يديها بثوبها: حسنًا، علينا الذهاب الآن. رفعت أدريانا رأسها بسرعة: إلى أين؟ التفتت إليها هانا مبتسمة: إلى العمل. ألم تقولي إنكِ تبحثين عن عمل؟ اتسعت عينا أدريانا قليلًا، ثم ترددت قبل أن تقول: آه… أجل، هيا بنا. نهضت وسارت مع هانا، وقلبها يخفق بخفة. كانت هذه أوّل مرة في حياتها تذهب فيها إلى عملٍ حقيقي، دون حراسة، ودون قصر، ودون أن تعرف ما الذي ينتظرها. توقفت أدريانا فجأة ونظرت حولها بتوجس: إلى أين سنذهب؟ أجابت هانا بثقة وهي تتابع السير: إلى السيدة ماري. ترددت أدريانا قليلًا: السيدة ماري؟ ابتسمت هانا: نعم، تسمح لنا بالعمل معًا وتعطينا أجرًا بسيطًا. إنها طيبة القلب، ستتعرفين إليها حالًا. وقفتا أمام بابٍ خشبي بسيط، يتدلّى عليه ستار قديم. تقدّمت هانا وأزاحت الستار بخفة، ثم دخلت قائلة بصوتٍ مرح: مرحبًا يا سيدة ماري. ارتفع صوت امرأة من الداخل: مرحبًا هانا، لقد تأخرتِ اليوم. خفضت هانا رأسها قليلًا باعتذار: آسفة، لكنني لم آتِ وحدي هذه المرة. لدينا شخص جديد. خطت خطوة إلى الجانب، فظهرت أدريانا مترددة خلفها. تماسكت نفسها وقالت بأدب: مرحبًا، تشرفت بمعرفتك. تأملت ماري أدريانا بنظرة فاحصة، ثم ابتسمت: وأنا أيضًا. ثم التفتت إلى هانا وأضافت بنبرة مازحة: من أين أحضرتِ هذه الفتاة الجميلة؟ ضحكت هانا بخفة: لديّ طرقي الخاصة. لوّحت ماري بيدها وكأنها تقطع الحديث: حسنًا، لا وقت للكلام الآن. الأطباق تنتظر. أومأت هانا بسرعة، ثم أمسكت بيد أدريانا قائلة: هيا بنا. شدّت أدريانا نفسًا عميقًا وسارت معها، وقلبها ينبض بقوة. كانت هذه أول خطوة لها في عالمٍ لم تعرفه من قبل، عالم العمل الحقيقي. دخلتا إلى الخلف، فتوقفت أدريانا في مكانها وقد اتسعت عيناها حين رأت صفوفًا طويلة من الأطباق المتراكمة. يا إلهي… ما كلّ هذا؟ أجابت هانا بهدوء وهي تشمّر عن ساعديها: هذه هي الأطباق. ابتلعت أدريانا ريقها ونظرت إليها بقلق: هل تقصدين أننا سننتهي من هذا كلّه؟ ابتسمت هانا بثقة: نعم، لا تقلقي. ما دمنا اثنتين فسننتهي بسرعة. في داخلها، شعرت أدريانا بالارتباك. لم أغسل الأطباق في حياتي قط… ماذا أفعل الآن؟ لاحظت هانا ترددها، فرفعت كميّ يديها وربطتهما بإحكام، ثم قالت بنبرة مشجعة: حسنًا، لنبدأ. تقدمت أدريانا بخطوات حذرة، وأمسكت أول طبق بين يديها وكأنها تتعامل مع شيء غريب عنها. نظرت إلى الماء ثم إلى الصابون، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ، محاولة إخفاء توترها. وكان ماركوس قد أنهى عمله في حمل مجموعة من الصناديق والبضائع الثقيلة. وضع آخر صندوق في مكانه، ثم مسح العرق عن جبينه وأطلق زفرة تعب خفيفة. تقدّم منه أحد الرجال وقال بابتسامة امتنان: حسنًا، شكرًا لك يا ماركوس على مساعدتنا. لولاك لما انتهينا بهذه السرعة. ابتسم ماركوس ابتسامة خفيفة، ورفع يده يحكّ بها رأسه بتواضع: لا داعي للشكر، هذا من واجبي. نظر الرجل إليه بإعجاب، ثم أضاف: أنت دائمًا حاضر للمساعدة، أهل المدينة محظوظون بك. خفض ماركوس نظره قليلًا، وكأن الكلمات أثقلته أكثر من الصناديق، ثم قال بهدوء: نحن نساعد بعضنا فقط… هذا كل ما في الأمر. بعدها التفت ليغادر، وخطواته بطيئة من الإرهاق، لكن ملامحه كانت ثابتة كعادته، وكأن التعب لا يسمح له بالانكسار. ما إن غادر ماركوس المكان حتى تغيّرت ملامح الرجل، وتنهد بضيق وهو يتمتم بانزعاج: غريبٌ هذا الفتى… لم يطلب أجره حتى. أخرج كيس النقود من جيبه ونظر إليه لحظة، ثم عقد حاجبيه وكأنه شعر بالذنب. أسرع إلى الخارج محاولًا اللحاق بماركوس، ونادى بعينيه في الأزقة القريبة، لكن دون جدوى. توقف في منتصف الطريق، وأدار رأسه يمنة ويسرة، ثم قال بدهشة صادقة: يا إلهي… أي نوع من الناس هو؟ يعمل كل هذا العمل ولا يطلب مالًا؟ هزّ رأسه ببطء، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة إعجاب ممزوجة بالحيرة، ثم عاد أدراجه وهو يتمتم: حقًا… هذا الفتى مختلف. كان ماركوس يسير بين أزقة المدينة بخطواتٍ متعبة، يزفر بضيق وهو يمسح جبينه. قال في نفسه وهو يتباطأ قليلًا: يا له من يومٍ مرهق… تُرى، هل انتهى البقية من عملهم؟ توقّف عند بائع خبز في أحد الشوارع، ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان. وبينما كان ينتظر، سمع رجلين يقفان غير بعيدٍ عنه يتحدثان بصوتٍ خافت. قال الأول بنبرةٍ مشوبة بالدهشة: هل سمعت؟ هناك شائعة تقول إن الأميرة قد هربت. ضحك الآخر بسخرية وهزّ رأسه: هذا مستحيل. كيف يمكن لأميرة أن تخرج من القصر؟ ردّ الأول بتردد: لا أعلم… لكن هذا ما سمعته. تجمّد ماركوس في مكانه، واتّسعت عيناه قليلًا، وهمس لنفسه بدهشة: الأميرة… هربت؟ امتدت يد البائعة وقدّمت له الخبز قائلة بلطف: تفضل. أخذ الخبز منها سريعًا وقال: شكرًا. ثم تابع سيره، لكن خطواته لم تعد هادئة كما كانت. كان عقله منشغلًا، وقلبه ينبض بشعورٍ غريب، وكأن شيئًا ما لا يستقيم. قبل ساعتين، في القصر… دوّى صوت الملك في القاعة بحدةٍ وغضب: ماذا تعني بأنها ليست في غرفتها؟ انحنت الخادمة بارتباك، وصوتها يرتجف: لم أجدها، جلالتك. فتّشنا القصر بأكمله… لكنها غير موجودة. قبض الملك على حافة الطاولة بعنف، واشتعل الغضب في عينيه: اللعنة! إلى أين ذهبت؟ رفع صوته فجأة: تاكو! ظهر الحارس الشخصي فورًا وانحنى باحترام: نعم، جلالتك. قال الملك بنبرةٍ صارمة لا تحتمل النقاش: أمُر جميع الحراس بتفتيش المدينة،  ولكن دون أن يشعر أحد بأن الأميرة قد اختفت. هل فهمت؟ أجاب تاكو بحزم: أمرك، جلالتك. كانت أدريانا على وشك أن تنتهي من غسل الأطباق، ويداها مبللتان بالماء والصابون، حين صدر صوت كسرٍ خفيف. تنهدت هانا ونظرت إليها باستسلام: هذا ثالث طبقٍ تكسرينه يا أستا. احمرّ وجه أدريانا، وقالت وهي تحاول الإمساك بطبقٍ آخر: آسفة… إنه ينزلق من يدي، من الصعب الإمساك به. هزّت هانا رأسها وقالت بنبرةٍ نصفها مزاح ونصفها جدّ: إذا واصلتِ هكذا فلن يبقى طبقٌ واحد سليم. ابتعدي، سأكمل أنا. قالت أدريانا بخجل: حقًا أنا آسفة. وبعد وقتٍ قصير، أنهت هانا غسل بقية الأطباق. تقدّمت السيدة ماري وقدّمت لهما بعض النقود: تفضّلا، هذا أجركما… بعد خصم ثمن الأطباق المكسورة. ابتسمت أدريانا بتوتر وقالت سريعًا: آسفة مرةً أخرى. أجابت هانا وهي تأخذ النقود: شكرًا لكِ. ثم التفتت إلى أدريانا وأضافت: هيا، لنذهب. سارتا معًا في الطريق، وقالت أدريانا بنبرةٍ يملؤها الإحراج: أنا سيئة فعلًا في غسل الأطباق. ضحكت هانا بخفة: قابلتُ الكثير من الناس، لكن لم أرَ أحدًا سيئًا في غسل الأطباق مثلك. لا بأس، لم يحدث شيء خطير. رفعت أدريانا رأسها وقالت وكأنها تدافع عن نفسها: لكنني جيدة في أشياء أخرى. ابتسمت هانا ابتسامةً خفيفة: هذا واضح. هيا، لنعد… أظن أن الجميع قد عاد. وبينما كانتا تمشيان، شعرت أدريانا بثقلٍ في صدرها، وكأن كلماتٍ كثيرة تريد الخروج. ترددت لحظة، ثم قالت بهدوء: هانا… التفتت إليها هانا: نعم؟ توقفت أدريانا قليلًا، ثم قالت بشيءٍ من الجرأة: هل يمكنني أن… أنضم إليكم في العزف؟ توقفت هانا عن السير وحدّقت فيها بدهشة خفيفة: أن تنضمي إلينا؟ أومأت أدريانا بسرعة، وكأنها تخشى أن تتراجع عن كلامها: نعم… في الحقيقة أستطيع الغناء، وأجيد العزف أيضًا. ارتفعت حاجبا هانا باهتمام: تجيدين الغناء؟ تنفست أدريانا بعمق وقالت بثقةٍ مترددة: أجل. ابتسمت هانا، وقد بدا الحماس واضحًا في صوتها: بكل تأكيد يمكنكِ الانضمام. في الواقع، لدينا مغنٍ واحد فقط، والآن سنصبح فريقًا أفضل. قالت أدريانا وهي تحاول إخفاء قلقها: أظنني أستطيع ذلك… ثم تذكرت شيئًا، فتغيّر تعبير هانا قليلًا وقالت بجدية: لكن علينا أن نأخذ رأئ ماركوس  أولًا، فهو المسؤول. . ترددت أدريانا وهمست: لا أظن أنه سيوافق. لوّحت هانا بيدها بثقة: لا تقلقي، اتركي الأمر لي. واصلا حديثهما حتى وصلتا، فدفعت هانا الباب ودخلت. كان المكان هادئًا؛ رائحة الطعام تملأ الجو، بينما كان ماركوس جالسًا في أحد الزوايا، ينظر أمامه وكأنه غارقٌ في أفكاره. تبادلت هانا وأدريانا نظرةً سريعة… وكأن اللحظة الحاسمة قد اقتربت. وضع ساكا الطبق الأخير على الطاولة، ثم مسح يديه وقال بنبرةٍ راضية: حسنًا، انتهيت. هيا، اجلسوا جميعًا. جلسوا حول المائدة، ونظرت أدريانا إلى الطعام أمامها بدهشة خفيفة؛ لم يكن فاخرًا، لكنه بدا شهيًا ودافئًا. ابتسم ساكا بفخرٍ واضح وقال وهو يدفع طبقًا نحوها: هذه إحدى وصفاتي الخاصة. تذوّقيها وأخبريني برأيك. ترددت لحظة، ثم أخذت لقمة صغيرة وقالت وهي تمضغ: مم… لذيذة وفي تلك الأثناء، كانت هانا تراقب ماركوس بصمت، عيناها تتحركان بينه وبين أدريانا، وكأنها تبحث عن اللحظة المناسبة لتفتح الموضوع، بينما ظل هو شارد الذهن، غير مدركٍ لما يُحاك من حديثٍ في الخفاء. ترددت هانا قليلًا، ثم قالت فجأة: أستا ستنضم إلينا في العزف. رفع ماركوس رأسه فجأة، وقد خرج من شروده: ماذا قلتِ؟ بقيت أدريانا صامتة، تنظر إليه بتوتر. قال ساكا وهو ينظر إليها باهتمام: أستا، هل تريدين الانضمام إلينا؟ أجابت هانا بسرعة: نعم، إنها تجيد الغناء. عقد ماركوس حاجبيه وسأل بجدية: وهل هي بارعة؟ قالت هانا بثقة: نعم، تجيد الغناء مثلك، وسيكون ذلك رائعًا. ابتسم ساكا وقال بحماس: أوه، هذا سيجلب لنا الكثير من الناس، وبشعرها الأحمر أيضًا. ثم نظر إلى ماركوس منتظرًا رأيه، كما فعل الجميع. تنهد ماركوس أخيرًا وقال: موافق… لكن عليّ أن أرى إن كنتِ جيدة فعلًا. قالت هانا بابتسامة: سيكون هذا رائعًا. فرحت أدريانا كثيرًا، وكاد قلبها يقفز من شدة سعادتها لأنها ستعزف معهم. قالت هانا: حسنًا، أظن أننا سنذهب إلى النوم، فغدًا لدينا مشوار طويل. أجاب ساكا وهو يتمطّى: أجل، حسنًا جميعًا، طابت ليلتكم. نادته هانا قبل أن يبتعد: مهلًا، أنت من سيغسل الأطباق. ضحك ساكا وقال وهو يلوّح بيده: آه، هذا عملكم، أنا متعب… وداعًا. قالت أدريانا بهدوء: لا بأس، سنغسلها نحن. تنهدت هانا وقالت بضيق: آه، يا له من مزعج. حملت أدريانا الأطباق بعد أن انتهوا من الطعام، بينما بقي ماركوس ينظر إليها بصمت، وقد بدأ يشك في أمرٍ ما. في القصر قالت والدة أدريانا، أثينا، بصوتٍ غاضب: انظر ماذا فعلت! كل هذا بسبب أخطائك! ردّ والدها، راي، بحدّة: أخطائي؟ أنتِ من لم تُحسني تربيتها. نظرت إليه أثينا بصدمة وألم: أخبرتك أن علينا أن نخبرها بشأن الزواج ونتناقش معها في الأمر! قال راي ببرود وهو يشد قبضته: لا يوجد نقاش، هذا واجبها كأميرة. ارتجف صوت أثينا وقالت بحزن: أنت تعلم أني لا أحب هذا الشيء… وهي الآن في مكان لا نعرف أين هي. جلست أثينا على الكرسي، وقد غطّى الحزن ملامح وجهها، وهمست: لا أعرف إن كانت تنام جيدًا… أو إن كانت تأكل. اقترب منها راي ووضع يده على كتفها: لا بأس، سنجدها، لا تقلقي. نهضت أثينا فجأة، والدموع في عينيها، وغضبها يختلط بالحزن: كل هذا بسبب عملك الغبي! ألا تملك ضميرًا؟ إنها ابنتك يا راي! ثم خرجت من الغرفة غاضبة وحزينة في آنٍ واحد. بقي راي واقفًا في مكانه، ينظر إلى الباب الذي خرجت منه أثينا، والتعب يملأ وجهه. تنفّس بعمق وقال بصوتٍ منخفض: وأنا أيضًا… يا أثينا.