لحن التاج - التعارف - بقلم رهف علي | روايتك

اسم الرواية: لحن التاج
المؤلف / الكاتب: رهف علي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: التعارف

التعارف

ماركوس: يحكّ يده برفق وينظر إلى هانا بجدية حسنًا… لقد حلّ الليل، حان الوقت للعزف وجمع بعض المال. تمتم لنفسه: لابد أن نسير بحذر هذه الليلة. هانا: تتنهّد وتلوّح باليد نحو الأشياء حسنًا… هل يمكنك الكفّ عن الكلام قليلًا ومساعدتي بحمل الأشياء؟ بعد ان دخلت أدريانا إلى النفق يشبة  المجاري، مظلمة وضيقة، وأشعلت شعلة صغيرة لتضيء الطريق أمامها. استمرت في السير بحذر، حتى وصلت إلى فتحة في الأرض، تلمع بضوء ضعيف من الأعلى. رفعت الغطاء بيدها ودفعت بقوة، ففتح الغطاء بصعوبة، ورفعت أدريانا جسدها لتخرج منه. أدريانا (بهمس لنفسها): آه… لما هو قوي لهذي الدرجة؟ عندما خرجت أخيرًا، وجدت نفسها في أحد أزقة المدينة المظلمة، تلتقط أنفاسها بارتجاف، وتنظر حولها بحذر. أدريانا: بهمس مذهول: هل… هل أنا حقًا خارج القصر؟ نظرت حولها بخطوات مترددة، ثم قالت لنفسها: أنا… أنا في المدينة. يا إلهي… لا أصدق ذلك! مسحت الغبار عن ردائها، وهزّت الرداء قليلًا لتزيل التراب العالق. رفعت غطاء الرأس وغطّت شعرها جيدًا لتبدو كأي فتاة من المدينة. ثم خرجت من الزقاق بخطوات بطيئة، قلبها ينبض بسرعة. وما إن خرجت إلى الشارع الواسع حتى اتّسعت عيناها بذهولٍ حقيقي. كانت الأضواء تتلألأ من عربات صغيرة، والمصابيح المعلّقة تنير الأزقة، وصوت الناس يختلط بروائح الطعام المنبعثة من الأكشاك. باعة ينادون على بضاعتهم، أطفال يركضون بين الدكاكين، نساء يحملن سلالًا، ورجال يعرضون أقمشة ومجوهرات رخيصة. وقفت أدريانا في منتصف الطريق، تحدّق بكل شيء حولها كأنها ترى عالمًا جديدًا لأول مرة. لم ترَ شيئًا كهذا في حياتها داخل القصر: أسواقٌ مزدحمة، وألوانٌ متنوّعة، وروائح الطعام، وصوت عزفٍ بعيد يشقّ الهواء. أدريانا: بدهشة وصوت منخفض هذا… هذا جميل… هل هكذا تبدو المدينة حقًا؟ سارت ببطء، تغمرها الدهشة والخوف في الوقت نفسه، تحاول ألا تلفت الأنظار، فيما كانت عيناها تنتقلان بين كل شيء… وكأنها طفلة تكتشف العالم لأول مرة. هانا وهي تحمل حقيبة صغيرة فيها الآلات: – هيا، لقد وجدتُ المكان المناسب للعزف الليلة. ساكا لوّح بيده وقال: – إذن فلنذهب قبل أن يحتلّه أحد غيرنا. تحرك الاثنان نحو الساحة القريبة، وكان ماركوس يسير خلفهما وهو يشدّ حزام حقيبته ويضبط سترته، مستعدًا لليلة طويلة من العزف. وفي اللحظة التي مرّوا فيها قرب أحد الأزقة… مرت أدريانا من جوارهم. كانت تسير بخطوات هادئة، والغطاء على رأسها يخفي ملامحها، لكن عطرها الخفيف ووقع خطواتها المتردد جذب انتباه ماركوس للحظة. توقف ماركوس قليلًا دون أن يشعر، ورفع رأسه جانبًا، كأنه أحس بشيء غريب يعبر بجانبه. عبس قليلًا، وضمّ ذراعيه فوق صدره لحظة كأنه يفكّر: ما هذا الشعور؟… لكن قبل أن يغرق في التفكير، ضربه ساكا بخفة على كتفه: – ماركوس! هيا، ماذا بك؟ رمش ماركوس بسرعة، ثم قال وهو يحاول إخفاء ارتباكه: – قادم… قادم. وأسرع للحاق بهما، بينما أدريانا اختفت وسط زحام السوق، دون أن يعرف أنها هي نفسها الفتاة ذات الصوت الذي سمعه في القصر… كانت أدريانا تتجوّل في شوارع المدينة بخطوات مترددة، وعيناها تتنقّلان بين الأضواء والبضائع والازدحام الذي لم تعتد عليه. وبينما كانت تنظر حولها، اصطدمت بأحد فتيان المدينة. أدريانا – آه… عذرًا، لم أكن منتبهة. الفتى عقد حاجبيه بضيق: – هيي! انتبهي إلى أين تسيرين! ما خطبك؟ أدريانا توترت وهي تخفض رأسها: – أنا آسفة… أنا جديدة هنا. حدّق الفتى بها من رأسها حتى قدميها بنظرة ارتياب: – جديدة؟ ومالذي تفعله فتاة مثلك في هذا المكان؟ ازدادت توترًا، ورفعت يدها لتعدّل غطاء رأسها كي لا يظهر شعرها… لكن الفتى لمح السوار الذهبي في معصمها، فانقضّ عليه بسرعة. الفتى – أوه… ما هذا؟! سوار ذهبي؟ من أين لك هذا؟ أمسك بيدها بقوة، فصرخت أدريانا وهي تحاول سحب يدها: أدريانا – اترك يدي! ماذا تفعل؟! انتزع السوار من يدها بعنف، فسقطت أدريانا على الأرض، وانزاح الغطاء عن رأسها، لينكشف شعرها الأحمر اللامع. تراجع الفتى خطوة إلى الوراء مندهشًا: – شَعرٌ أحمر؟! أنتِ غريبة… وجميلة أيضا.. وتقدّم نحوها ليقترب من شعرها، وملامح الخوف ارتسمت على وجهها… لكن قبل أن يلمسها، امتدت يدٌ قوية وأمسكت بمعصمه بقوة. ماركوس بصوت حادّ: – ماذا تفعل؟! ابتعد عنها فورًا. تجمّد الفتى من المفاجأة، بينما وقفت هانا خلف ماركوس تنظر بدهشة: هانا – ماركوس! ماذا يحدث هنا؟! كانت أدريانا ما تزال على الأرض، تحدّق بماركوس بعيون واسعة من الخوف والصدمة… الفتى ابتسم بسخرية وهو يشير بيده: – أوه… انظروا مَن جاء. ماركوس بنفسه. تقدّم ماركوس خطوة، ونظراته باردة وحادة: – أعد لها السوار… الآن. الفتى ضحك باستهزاء: – وإن رفضت؟ ماذا ستفعل؟ اقترب منه ماركوس بثبات، ووضع يده على كتف الفتى بقوة جعلته يتجمّد في مكانه. ثم قال بلهجة منخفضة لكنها تحمل تهديدًا واضحًا: – هل نسيت؟ لقد خسرت أمامي في النُزُل. وقلتُ لك يومها: منطقة حدودي ليست مباحة لأحد… فإذا تجاوزتَها، فأنت تفهم باقي الكلام. تغيّر وجه الفتى، وانخفضت نبرته فورًا: – بالطبع… أتذكّر. كنتُ… كنتُ أرحّب بها فقط. قالت إنها جديدة، هذا كل ما في الأمر. انتزع ماركوس السوار من يده دون تردد. في تلك اللحظة كانت هانا قد انحنت إلى جانب أدريانا وساعدتها على النهوض: هانا – هل أنتِ بخير؟ أدريانا – نعم… أنا بخير، شكرًا لكِ. وقفت على قدميها، ما تزال مرتبكة، والمتجهة تنفض الغبار عن رداءها. تقدّم ماركوس نحوها ومدّ يده بالسوار: – تفضّلي… هذا لكِ. تناولت أدريانا السوار بخجل: – شكرًا… شكراً جزيلاً. نظر إليها ماركوس نظرة طويلة، وكأنه يحاول تذكّر شيء أو فهمه… ثم قال بصوت هادئ: – على الرحب. وبقيت عيناه معلّقتين بها للحظة أطول من المعتاد… لا إراديًا. هانا قالت بخفة: "لا تهتمي لذلك الوغد، إنّه يزعج الآخرين دائمًا… بالمناسبة، أنتِ جديدة؟ لم أركِ من قبل." أدريانا ترددت وقالت بتوتر: "أجل… جئتُ للعمل." ماركوس عقد ذراعيه ونظر إليها باستغراب: "ولماذا جئتِ إلى هنا بالذات للعمل؟" ارتبكت أدريانا قليلًا وقالت بسرعة: "في الحقيقة… انتقلتُ من مدينة أخرى لأبحث عن عمل… وأكسب المال." ماركوس حدّق بها للحظة، ثم أطلق زفرة قصيرة. هانا ابتسمت وقالت: "هذا رائع! أنا هانا… وهذا ماركوس… نحن أطفال ألينور." تراجعت أدريانا خطوة صغيرة وقالت بدهشة: "أطفال… ألينور؟" وفجأة ظهر ساكا وهو يلوّح بيده قائلاً بنبرة مستعجلة: "يا رفاق، هيا! لقد اجتمع الناس، وحان وقت العزف!" التفت إليه ماركوس وقال: "حسنًا، سنأتي… هيا يا هانا." هانا نظرت إلى أدريانا وقالت بحماس: "ما رأيكِ أن تأتي معنا؟" ترددت أدريانا وهمست: "أه… أنا… لا أعلم." هانا ابتسمت وشجعتها: "لكنّكِ قلتِ إنكِ جديدة هنا، تعالي، لن يضرّك الأمر!" ماركوس بنبرة سريعة: "هيا، ما الذي تنتظرينه؟" قبل أن تفكر أدريانا أكثر، سحبت هانا يدها بلطف، واصطحبتها معها. سارت الفتاتان خلف ماركوس وساكا نحو مكان العزف… ولم تكن أدريانا تدرك أنّ الشيء الذي تحبّه منذ طفولتها سيجد طريقه إليها في تلك الليلة دون أن تتوقع ذلك. وحين وصلوا إلى مكان العزف، توقّفت أدريانا مندهشة وهي تنظر إلى الأدوات الموضوعة أمامهم. ماركوس حمل غيتاره القديم بثقة، بينما جلس ساكا فوق مجموعة صناديق خشبية، يمسك بعصيّ صغيرة يطرق بها كآلة إيقاع. أمّا هانا فرفعت كمانها وهي تهيّئ أوتاره. تقدّمت أدريانا خطوة وقالت بدهشة: "أنتم… تعزفون؟" ابتسمت هانا قائلة: "أه… نوعًا ما. نحن نحاول فقط." ثم مدّت إليها قبّعة صغيرة وقالت: "خذي هذه… ستجمعين فيها بعض المال من الناس." رمشت أدريانا بارتباك: "ماذا؟ أنا… أجمع المال؟" وما إن بدأوا العزف، حتى وقفت أدريانا تراقبهم باندهاش لم تستطع إخفاءه. شعرت بشيء يشبه الفرح يتسلّل إلى صدرها، إحساس لم تعهده من قبل داخل أسوار القصر. ارتفعت موسيقى الكمان مع إيقاع ساكا الهادئ، وانضمّ ماركوس بصوته، يغنّي بثقة ودفء. كانت أدريانا تحدّق به بين لحظة وأخرى، تستمع إلى صوته وكأنّه يروي شيئًا تعرفه روحها. هانا لوّحت لها بخفّة، تذكيرًا بمهمّتها. أفاقت أدريانا من شرودها، ثم أخذت القبّعة وبدأت تمرّ بين الناس. كانت تبتسم بخجل وتقول: "شكرًا لكم… شكرًا جزيلاً." وكان الناس يضعون النقود بابتسامة، بينما بقيت الموسيقى تتردّد في الأزقّة وتنعش قلبها شيئًا فشيئًا. كان ماركوس يلمح أدريانا وهي تجمع المال بين الناس، لكنّه لم يبدُ مقتنعًا بما قالته لهم سابقًا. كان يحدّق بها بين حينٍ وآخر، حاجباه معقودان قليلًا، وكأنّ شيئًا في كلامها لا يستقيم. شعوره الداخلي كان واضحًا: هناك أمر ما… شيء تخفيه، ولا يريد أن يصدق قصّتها كما قالتها بعد أن أنهوا العزف، وتعالت صفّقات الناس من حولهم، ابتسم ساكا وقال بصوتٍ مرتفع: "شكرًا لكم جميعًا! نأمل أنكم استمتعتم." اقتربت أدريانا منهم وهي ممسكة بالقبّعة، وقالت لهانا بفرح واضح: "كان هذا رائعًا… لقد كنتم مذهلين حقًا." هانا ضحكت قليلًا وقالت: "شكرًا لكِ… وكم جمعتِ من المال؟" لكن قبل أن تجيب، مدّ ساكا يده بسرعة وأخذ القبّعة من أدريانا، ثم فتح عينيه بدهشة: "يا إلهي… هذا المال كثير! أكثر من المعتاد بكثير… يبدو أننا محظوظون اليوم." رفع ساكا رأسه ببطء نحو أدريانا، نظر إليها نظرة فاحصة وقال: "من أنتِي؟ تقدّمت هانا نحو ساكا، وأشارت إلى أدريانا قائلة: "إنها الفتاة التي كان ذاك الوغد يضايقها… أوه، صحيح! لم أعرف اسمك بعد." أدريانا تتردّد قليلاً وتحرك أصابعها بتوتر "آه… اسمي…" هانا تميل برأسها تنتظر الجواب "نعم؟" أدريانا تتنفّس بسرعة وتشيح بنظرها للحظة "اسمي… إدري— أقصد… اسمي إِسْتا." هانا تبتسم بخفة وترفع حاجبها "اسمك جميل… يسعدني التعرّف عليكِ يا إِسْتا." ساكا يهزّ القبّعة المليئة بالنقود بانبهار "أظنّ يا إِسْتا أنّنا محظوظون بسببك. المال الذي جمعته كثير جدًّا… كيف فعلتِ ذلك؟" أدريانا كإسْتا تشبك يديها خلف ظهرها بخجل "أمّم… أظنّ أنه بسبب لون شعري." ساكا يميل للأمام بخفّة وكأنه يكتشف شيئًا مهمًا "أجل، شعركِ غريب حقًّا." يمدّ يده لها بثقة مبالغ بها: "أنا ساكا… يسرّني التعرّف بكِ يا آنستي الجميلة." هانا تضربه على رأسه بسرعة وتقطّب حاجبيها "كفى حماقة!" وبينما كانوا يتحدّثون، دوّى صوت قويّ خلفهم: أحد الحراس "هيه! أنتم! الغناء هنا غير مسموح! ابتعدوا فورًا!" ماركوس يلتفت بسرعة ويقبض على أسنانه "اللعنة… إنهم حُرّاس المدينة! علينا الهرب الآن!" أدريانا يتسارع نبضها وتضع الغطاء فوق رأسها على عجل "تبا… هؤلاء من حُرّاس القصر أيضًا… سيمسكون بي إن رأوني!" هانا تشير لها بيدها بقلق "هيا، اركضي معنا!" أدريانا ترتبك وتتراجع خطوة "ماذا؟ إلى أين—" لكن ماركوس اندفع نحوها، أمسك بيدها بقوة وسحبها معه وهو يقول بصوت منخفض مستعجل: "اركضي!" وانطلقوا جميعًا بين الأزقّة بسرعة، بينما أصوات الحراس تتعالى خلفهم وهم يصرخون: "توقّفوا! قفوا مكانكم!" وواصل الأربعة الركض، والطرق تضيق حولهم، والحراس يطاردونهم بلا توقّف. وبعد أن تفرّقوا بين الأزقّة الضيّقة، صرخ ماركوس بسرعة: ماركوس: "اسلكوا طرقًا مختلفة! نلتقي في مكاننا المعتاد!" اندفع كلٌّ من هانا وساكا باتجاه آخر، أمّا ماركوس فشدّ على معصم يد أدريانا وسحبها معه بسرعة. ركضا حتى ابتعدا عن صوت الحراس، وتوقفا في ممرّ ضيّق لا يصل إليه أحد. كانت أدريانا تلهث بقوّة من التعب، ووضعت يدها على صدرها. ماركوس وهو يتنفس بقوة ثم ينظر إليها باستغراب: "أنتِ سيّئة جدًا في الركض… لم  تركض  في حياتك." أدريانا بنبرة متضايقة ترفع رأسها: "كان الأمر مفاجئًا! وأنا… أجيد الركض، ماذا تظن؟" ماركوس يعبس قليلًا ويعقد ذراعيه: "حقًا؟ إظن انكي… مجرّد كاذبة حمقاء." أدريانا تتسع عيناها غضبًا: "كاذبة؟ حمقاء؟! ومن تظن نفسك بالضبط؟!" وبينما كانا يتجادلان ويستعيدان أنفاسهما، وصلت هانا وساكا مسرعين نحو المكان الآمن. هانا وهي ترفع يدها على ركبتها من التعب: "أخيرًا وجدناكم! كدت أختنق من الركض!" ساكا وهو يلهث: "هل تخلّصتم من الحراس؟" ماركوس يهزّ رأسه بثبات: "نعم… تخلّصنا منهم." تقدّمت هانا من أدريانا وسألتها بنبرة قلق: "هل أنتِ بخير؟" أدريانا تتنفّس بعمق وتهزّ رأسها: "نعم، أنا بخير… لا تقلقي." ساكا ينظر إليهما ثم يرفع حاجبيه بخفّة: "حسنًا… بما أنّ الجميع بخير، فلنعد إلى المنزل." وقبل أن يُكمل كلامه، خرج صوت خافت من معدة أدريانا. ساكا يبتسم بمكر خفيف: "ويبدو أنّ لدينا شخصًا جائعًا هنا." احمرّ وجه أدريانا قليلًا وشعرت بالإحراج. وفي داخلها همست: تبًّا… لم آكل شيئًا منذ الصباح… هانا تربت على ذراعها برفق: "حسنًا، لنعد جميعًا… عليكِ أن تأتي معنا." أدريانا تتردّد للحظة ثم تقول بهدوء: "أنا… آتي." هانا تنظر إليها بجدية خفيفة: "على ما أظن أنكِ لا تملكين مكانًا تبقين فيه، أليس كذلك؟" تردّدت أدريانا قليلًا، ثم أومأت بالموافقة. أما ماركوس، فبقي صامتًا… ولم يرفض. سارت أدريانا معهم حتى وصلوا إلى بيتٍ يشبه الحانة البسيطة. توقّفت قليلًا ونظرت حولها ثم قالت بفضول: أدريانا "هل تعيشون هنا؟" ساكا يشير بيده نحو الباب: "نعم… تفضّلي، أهلًا بكِ." دخلوا واحدًا تلو الآخر، وكانت أدريانا آخر من دخل. توقّفت في مكانها عندما رأت مجموعة من الأطفال الصغار والكبار، يلعبون ويتحدّثون فيما بينهم. هانا تتقدّم خطوة وتميل نحوها: "هؤلاء… عائلتنا." أدريانا تفتح عينيها بدهشة: "عائلتكم؟ جميعهم؟" هانا تهزّ رأسها: "نعم… جميعنا هنا أيتام… وبعضهم تركتهم عائلاتهم." توقّفت هانا للحظة، وخفَضت صوتها، وظهر الحزن بوضوح في نبرتها. ابتسمت أدريانا بخفّة وعدّلت نبرة صوتها لتُخفي ما شعرت به، ثم قالت سريعًا لتغيّر الموضوع: "حسنًا… أين الطعام؟ أنا جائعة." ضحكت هانا بخفّة وأشارت بيدها: "تعالي." قادتها إلى طاولة خشبية بسيطة تتوسط الغرفة. كانت الطاولة متواضعة، لكنها مرتّبة بعناية، عليها أطباق بسيطة وكؤوس متقاربة، وكل شيء يوحي بالدفء رغم بساطته. جلس الجميع حول الطاولة، وانضمّ إليهم الأطفال واحدًا تلو الآخر. قالت هانا وهي تنظر إليهم مبتسمة: "حسنًا جميعا… لدينا ضيفة اليوم، رحّبوا بها." ارتفعت أصواتهم معًا: "مرحبًا بكِ!" ابتسمت أدريانا بخجل وقالت بهدوء: "شكرًا لكم." ثم اقتربت فتاة صغيرة منها بخطوات خفيفة ونظرت إليها باهتمام وقالت: "شعرك جميل… هل صبغتِه؟" قالت أدريانا بهدوء: "لا، لقد وُلِدتُ هكذا." رفعت الفتاة حاجبيها بدهشة خفيفة وقالت: "وهل هناك أشخاص يولدون بشعرٍ أحمر؟" أجابت أدريانا بابتسامة صغيرة: "نعم… كما وُلِدتِ أنتِ بعينين جميلتين." ضحكت الفتاة بخفة وقالت: "هه… شكرًا، أنتِ لطيفة." حينها تدخّل ماركوس بنبرة هادئة: "حسنًا يا لارا، هذا يكفي… اجلسي." امتثلت لارا وجلست، بينما عاد الحديث على الطاولة بهدوء، وبدأ الجميع بتناول الطعام وسط جو من الألفة. قال ساكا وهو يميل قليلًا للأمام باهتمام: "إذن يا أستا… من أين أنتِ؟" ترددت أدريانا لحظة قبل أن تجيب: "آه… أنا من مدينةٍ أخرى." رفع ساكا حاجبه باستغراب خفيف: "مدينة أخرى؟ وهل جئتِ وحدكِ؟" تشبثت أدريانا بأطراف ردائها محاولة إخفاء ارتباكها، وقالت: "نعم… تقريبًا." تبادل ساكا وهانا نظرة سريعة، بينما ظلّ ماركوس يراقب بصمت، وكأن شيئًا في جوابها لم يُقنعه تمامًا. قالت هانا وهي تميل برأسها باستغراب: "إذن… قلتِ إنكِ جئتِ للعمل. وما نوع العمل الذي تتقنينه؟" ارتبكت أدريانا قليلًا، ووضعت يدها على حقيبتها: "أنا… أجيد كل شيء تقريبًا." ضحكت هانا بخفة: "كل شيء؟ مثل ماذا؟" لكن قبل أن تكمِل، قاطع ماركوس الحديث بصوت هادئ لكنه يحمل الكثير من الشك: "من أين لكِ هذه الملابس؟" توقفت أدريانا عن التنفّس للحظة. أضاف ماركوس وهو يشير بيده نحو ردائها وسوارها: "أنتِ لا تبدين كمن جاءت للعمل… ملابسكِ غريبة، وسواركِ أغرب." أدريانا: "هذا لأنّي أجيد خياطة الملابس." هانا: "حقاً؟" (داخل تفكير أدريانا): من الجيّد أنّ كيكي علّمتني الخياطة… لولاها ما كان عندي شي أسويه في القصر فعلاً. هانا: رائع هل صنعتِ هذا بيديكِ؟ أدريانا: تقريبا. نظر ماركوس إليها لبرهة، ثم قال بنبرةٍ متشككة: إن كنتِ حقًّا تجيدين الخياطة… فأثبتي ذلك. بعدها أخرج قطعة قماشٍ من جانبه وناولها لها، ثم أضاف: اصنعي لي شيئًا بهذا المقاس. رفع ساكا حاجبيه بدهشة وقال: ماركوس، ما الذي تفعله؟ رفعت أدريانا حاجبيها بدهشة، وقالت بنبرة لم تُخفِ انزعاجها: أتقول إنني كاذبة؟ عقد ماركوس ذراعيه وتقدّم خطوة، وصوته كان حازمًا وهو يقول: لا أثق بشخص جاء من خارج المدينة، وأنتِ غريبة. إن كنتِ تقولين الحقيقة، فأثبتي ذلك. قطبت هانا حاجبيها وتحرّكت بسرعة بينهما، وقالت بقلق واضح: ماركوس، هذا يكفي. أخذت أدريانا نفسًا عميقًا، ثم رفعت رأسها بثبات، ونظرت إليه مباشرة: موافقة، لكن إن صدقتُ فسأبقى هنا. تأمّلها ماركوس لثوانٍ بصمت، ثم أومأ ببطء وقال: موافق. نظرت هانا إلى أدريانا وعلامات القلق على وجهها، وقالت بصوت أخفض: هانا: لستِ مجبرة على فعل ذلك. ابتسمت أدريانا ابتسامة خفيفة، وفي عينيها ثقة هادئة: أدريانا: لا تقلقي، أنا بارعة. أخذت أدريانا القماش بهدوء، ثم ابتعدت إلى زاوية من المكان. كانت خطواتها ثابتة رغم توترها الداخلي. تبادلت هانا نظرة سريعة مع ماركوس، ثم لحقت بأدريانا بصمت. اقترب ساكا من ماركوس وخفّض صوته، وقال وهو يعقد حاجبيه: يا صاح، ما الذي تخطّط له؟ أجاب ماركوس دون أن يرفع عينيه عن المكان الذي ذهبت إليه أدريانا: أتأكد فقط من أنها ليست محتالة. اتسعت عينا ساكا بدهشة، ولوّح بيده باعتراض: محتالة؟ أتمزح معي؟ هي نفسها التي أنقذتها من ذلك الوغد. تنفّس ماركوس بعمق، وقال بنبرة مترددة: أعلم ذلك، لكنها غريبة. هزّ ساكا رأسه بخفة، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه: هذا لأنها من مدينة أخرى، ومن الطبيعي أن تكون غريبة. وماذا إن كانت تقول الحقيقة وصنعت شيئًا من هذا القماش؟ سكت ماركوس للحظة، ثم قال بصوت منخفض: إن فعلت… سأجعلها تبقى هنا. رفع ساكا حاجبيه باستغراب: وإن لم تفعل؟ ماذا ستفعل بها؟ تردّد ماركوس، وبقي صامتًا للحظة دون جواب. تنهد ساكا، ولوّح بيده باستسلام وقال: أتعرف؟ افعل ما يحلو لك، أنت عنيد. أنا سأذهب للنوم. ظلّ ماركوس ينظر إلى أدريانا بصمت، بينما كانت هانا تجلس إلى جانبه. قالت هانا بهدوء محاولة التخفيف عنها: لستِ مجبرة على فعل هذا. رفعت أدريانا رأسها وقالت بتردّد خفيف: أمّم… أستطيع فعل ذلك، كما أنّه ليس بالأمر الصعب. ابتسمت هانا ابتسامة مطمئنة وقالت: حسنًا إن كنتِ ترغبين، لكن اعلمي أن ماركوس طيّب القلب، هو فقط قَلِق علينا وعلى الأطفال. لا تقلقي، يفعل هذا ليُبعد شكّه ليس أكثر. أومأت أدريانا بتفهّم وقالت: لا بأس، أنا أفهم. أنا غريبة عنكم، وقد تعرّفتم عليّ للتو، لذلك سأصنع شيئًا من هذا القماش. ضحكت هانا بخفّة وقالت: حسنًا، سأترككِ وحدك. وإن احتجتِ إلى أي شيء، ناديني. أجابت أدريانا بهدوء: حسنًا. بقيت أدريانا تفكّر وهي تعمل، تتذكّر هروبها من القصر وكذبتها، وكيف وجدت نفسها الآن بين أناسٍ لم تعرفهم إلا منذ وقتٍ قصير. تمتمت لنفسها بصوت خافت: آه… ماذا فعلت؟ أمّا ماركوس، فقد اتّجه إلى غرفة النوم المشتركة واستلقى على فراشه، يحدّق في السقف بعينين يقظتين، بينما كانت أدريانا لا تزال مستيقظة في الخارج، تواصل الخياطة بصمت. بعد لحظاتٍ قليلة، أنهت أدريانا الخياطة. رفعت القطعة بين يديها، وقد ارتسمت ابتسامة فرح على وجهها، وقالت بصوتٍ خافت: انتهيت… شعرت بتعبٍ شديد يسري في جسدها، فقد تأخّر الوقت دون أن تشعر. تثاءبت أدريانا من الإرهاق، وهمست: يبدو أنّ الليل طال أكثر ممّا توقّعت. نظرت حولها ثم قالت: عليّ أن آخذ قيلولة قصيرة. استلقت أدريانا على الكنبة القديمة التي كانت تجلس عليها، كنبة بسيطة مهترئة قليلًا لكنها دافئة، وما إن أغمضت عينيها حتى غلبها النعاس، فنامت سريعًا من شدّة التعب. استيقظ ماركوس فجأةً من نومه، وقد علا أنفاسه الاضطراب بسبب كابوسٍ أزعجه. جلس على الفراش القديم، وأسند كفّيه إلى رأسه وهو يغمغم بتعب: يا إلهي… مجرّد كابوس. نهض من مكانه وتوجّه ليغسل وجهه بالماء البارد، محاولًا أن يهدّئ أنفاسه ويطرد ما بقي من ثقل الحلم. وبعد أن عاد، وقبل أن يستلقي مجددًا، وقع بصره على أدريانا. كانت نائمة بهدوء على الكنبة القديمة، وإلى جانبها القماش الذي صنعت منه سترةً جميلة. توقّف لحظة، ثم اقترب منها بصمت، وتأمّل ما أنجزته بعينيه. تمتم بصوتٍ منخفض: هذه الحمقاء… لقد فعلت ذلك حقًا. خلع ماركوس سترته بهدوء، واقترب أكثر، ثم غطّاها بها برفق، إذ لم تكن لديهم اغطية كافية. تأكّد أنها دافئة، ثم ابتعد خطوةً إلى الوراء، ونظر إليها للحظة قبل أن يعود إلى مكانه بصمت.