الهروب
بينما كان ضوء القمر يتسلل عبر النافذة،
يلامس ملامحها المليئة بالأسرار والخطط القادمة.
بعد رحلة هروب طويلة، وصل الثلاثة إلى مكانٍ صغير يقع في أطراف المدينة.
كان المبنى يشبه حانًا قديمًا، جدرانه متشققة وسقفه منخفض، لكن بداخله ضوء دافئ يشعّ من فتحات خشبية صغيرة.
دفع ساكا الباب الخشبي بقدمه وقال بصوتٍ عالٍ وهو يبتسم:
– مرحبــــا جميعًا! انظروا ماذا أحضرنا لكم اليوم!
ما إن فُتح الباب حتى ظهرت مجموعة من الأطفال،
وجوه صغيرة، متعبة لكن مليئة بالحياة،
تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة.
ركض بعضهم نحو ساكا وهانا وهم يصرخون بفرح:
– الطعام! الطعام!
– هل عدتم أخيرًا؟!
بينما الأطفال الأكبر جلسوا يراقبون بعيونٍ حذرة،
لكن لم يلبثوا أن ابتسموا عندما رأوا الأكياس الممتلئة.
كان المكان رغم فقره مليئًا بالضحكات،
وكأن وجود هؤلاء الأطفال حوّل الخرابة إلى بيتٍ حقيقي.
رفع ساكا كيس الطعام عاليًا وقال بفخر:
– الليلة... لن ينام أحد منكم جائعًا!
ضحكت هانا وهي تلاعب طفلة صغيرة رفعت يديها نحوها:
– ونعم… هذه المرة أحضرتُ لكم شيئًا حلوًا أيضًا.
أما ماركوس فوقف عند الباب، يراقبهم بصمتٍ وهدوء،
وعلى وجهه ابتسامة صغيرة لا تظهر كثيرًا،
لكنها قالت كل شيء:
لقد نجحت المهمة… لأجلهم.
بعد أن هدأ الأطفال قليلًا، جلست هانا قرب الموقد الصغير وهي تنظر إلى ماركوس بنظرة مليانة فضول.
اقتربت منه وقالت بصوتٍ منخفض:
– إذن… لم تخبرنا لماذا تأخرت.
تنهد ماركوس وهو يسند ظهره إلى الجدار، ثم قال:
– آه… بشأن ذلك…
رفعت هانا حاجبها تنتظر، بينما ساكا كان يراقب بصمت وهو يأكل قطعة خبز.
قال ماركوس :
– لقد سمعتُ صوت غناء.
هانا بتعجب:
– غناء؟! في القصر؟
أومأ ماركوس ببطء، وعيناه تهربان للنار التي تتراقص أمامه:
– نعم… كان صوت فتاة.
اقترب ساكا قليلًا وقال بنبرة ما بين المزاح والجد:
– هاااه… يبدو أنك تأخرت لأنك كنت تستمع للحفلات الملكية، مو لأنك كنت تسرق.
رمقَه ماركوس بنظرة حادة:
– اسكت، لم يكن الأمر كذلك.
الصوت… جعلني أتوقف. لااعرف لماذا… شعرت بشي غريب.
أدار ماركوس وجهه وقال بهدوء غامض:
– ربما… لكنّي لم أرها.
قبل أن أقترب من الباب… جاءت خادمة ونادت على “الآنسة”.
واضطريت أهرب قبل أن تراني
قالت هانا وهي تعقد ذراعيها بتفكير:
كانت ملامحها جادة، ونبرة صوتها تحمل شكًّا واضحًا.
"حسنًا… أنت تقول أنك سمعت فتاة تغنّي داخل الغرفة؟"
أومأ ماركوس بثقل، وكأنه لا يزال غير مصدّق ما رآه.
"أجل… الصوت كان واضحًا، وايضا الخادمة نتاديها باانستي
تقدم ساكا خطوة صغيرة، حاجباه منعقدان بدهشة:
"أيعقل أنها من النبلاء؟"
ولكن هانا هزّت رأسها ببطء، وكأن خيطًا من الحقيقة بدأ يتشكل في ذهنها:
"لا… لا أظن ذلك. الحفلة اليوم أُقيمت في بيت الملك نفسه. وليس مسموحًا لأي أحد أن يتجول في القصر بلا إذن. هذا يغيّر الأمور…"
نظر إليها ماركوس باستغراب شديد:
"ماذا تقصدين؟"
تبادلت هانا وساكا نظرة سريعة، ثم قال ساكا بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:
"هل… هل تعنين أنها الأميرة؟"
تنهّدت هانا، وبدت الجدية على وجهها أكثر من قبل:
"أجل… الصوت، المكان،… كله يشير إلى ذلك."
اتسعت عينا ماركوس بدهشة وقال:
"هذا مستحيل! الأميرة؟!"
خفض صوته وهو يضيف:
"الملوك لا يسمحون لأفراد العائلة بالغناء… يعتبرونه ضربًا من اللهو لا يليق بهم. حتى لو كانت نبيلة، لما سُمح لها بذلك. فكيف بالأميرة؟"
ساد صمت قصير بينهم، لم يكن صمت خوف… بل صمت اكتشاف كبير، وكأنهم تلامسوا مع سرّ لم يُفترض بهم سماعه.
جلس ساكا متكئًا على الوسادة القديمة، ثم قال بنبرة جادة وهو ينظر إلى ماركوس:
– إي… وهذا الشي مو من شُغلنا. البنت أكيد تعرف قوانين القصر، وإحنا ما إلنا علاقة.
هانا أومأت وهي ترتب شعرها خلف أذنها:
– صحيح. على كل حال هذا أمور تخص الملوك
ساد صمت قصير…
ماركوس كان ينظر إلى الأرض، كأنه غارق بفكر بعيد…
النار تلمع بعينيه وتكشف إنه بعده يفكر بالصوت اللي سمعه.
رفع ساكا قطعة خبز ومدّها نحو ماركوس وهو يربّت على كتفه:
– هيا ياصاح… انسى الموضوع.
أنت بالأساس لم تراها ولم تقابلها
رفع ماركوس رأسه ببطء، أخذ قطعة الخبز وقال بابتسامة صغيرة جدًا تكاد لا تُرى:
– أجل… أنت محق.
لكن…
في داخله كان صوتٌ آخر يتمتم:
(ومع ذلك… لا أعلم لماذا لا يغادرني ذاك اللحن…)
ساد بينهم صمت قصير، قبل أن يتنحنح ماركوس ويحاول استعادة هدوئه. بدا عليه الإرهاق، وكأن الأفكار الثقيلة التي سمعها للتو أصبحت عبئًا على كتفيه.
قال بصوت خافت وهو يبتعد عنهم:
"حسنًا… سأذهب إلى النوم الآن. طابت ليلتكما."
راقباه وهو يغادر ببطء عبر الممر الطويل، حتى اختفت خطواته خلف الباب
ظل ساكا واقفًا في مكانه، ولم يستطع إخفاء انبهاره، فتمتم وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إلى هانا:
"آه… كان صوتها جميلًا إلى هذه الدرجة؟"
أدار رأسه نحو هانا يبحث عن إجابة، لكن هانا لم تتحرك. اكتفت بالنظر إليه بنظرة صغيرة جانبية، فيها من الحذر والاستهجان.
قالت له وهي ترفع حاجبًا بخفة:
"أه… وكيف لي أن أعلم؟"
ثم أخذت تتبع بعينيها الطريق الذي خرج منه ماركوس، وكأنها تحاول فهم ما كان يدور في رأسه عندما تركهما.
تنفست هانا ببطء، وكأنها تريد إنهاء الحديث قبل أن يتشعب أكثر. نظرت إلى ساكا نظرة قصيرة ثم قالت بنبرة حاسمة:
"هيا… لنذهب للنوم أيضًا. يكفي حديثًا لهذه الليلة."
أومأ ساكا من غير اعتراض، وتقدّما معًا عبر الممر الحجري الذي يضجّ بصدى خطواتهما. كانت الأضواء الخافتة.
ومع مرور دقائق قصيرة، خفتت حركة الأجنحة كلها، وسكنت الأصوات واحدًا تلو الآخر.
نام الجميع…
وما من أحدٍ منهم كان يدرك ماذا ينتظرهم في الغد.
الليل كان هادئًا، هدوءًا يخفي تحته عاصفة لم تُكشف بعد
كان الصباح قد بزغ فوق أروقة القصر، وكانت أَدريانا تمشي في غرفتها ذهابًا وإيابًا، غارقة في تفكيرٍ مضطرب.
همست بضيق:
"آه… كيف سأحصل على تلك الخريطة؟ لابدّ أن يكون هناك شخص يساعدني… شخص قصير، بارع في مثل هذه الأمور… من يا تُرى؟"
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء، ودخل أخوها قائلًا:
"أختي، هل رأيتِ أمّي؟"
ردّت أَدريانا دون أن تلتفت:
"لا… لا أعلم يا جين."
ثم توقّفت فجأة، واستدارت نحوه ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مملوءة بالإلهام.
قالت له بثقة:
"وجدتُه… أنت الشخص المناسب.
بعد أن شرحت أَدريانا خطّتها لأخيها، نظرت إليه بعينين جادتين وقالت:
"حسنًا يا جين، عليك أن تكون حذرًا… خطأ واحد فقط، وسنقع جميعًا في ورطة."
ابتسم جين بثقة طفولية وقال:
"لا تقلقي يا أختي… أنا بارع. لقد سرقتُك مراتٍ كثيرة دون أن تنتبهي."
رفعت أَدريانا حاجبها بدهشة خفيفة ثم قالت:
"ماذا؟! … لا يهم الآن. كما قلتُ لك، المهم أن تحصل على الخريطة، فهمت؟"
قال جين وهو يشد قبضته بحماس:
"حسنًا، اتركي الأمر لي."
كان الصباح قد بدأ لتوّه في القصر، والشمس تدخل بخجل من النوافذ الطويلة. الممرّات ما زالت هادئة، فالخدم لم يستيقظوا جميعًا بعد… وهذا بالضبط ما احتاجته أدريانا لتنفيذ خطّتها.
خرج جين من الغرفة بخفّة، يمشي بسرعة ولكن بدون صوت، وكأن قدميه تعرفان الطريق من تلقاء نفسها.
وصل إلى غرفة رئيس الخدم، ووقف لحظة يلتقط أنفاسه.
قال همسًا لنفسه:
"حسنًا يمكنني فعلة.
دفع الباب قليلاً ليرى الداخل.
رئيس الخدم كان مستيقظًا… لكنه نصف نائم، يجلس على كرسيه ويمسك فنجان قهوة لم يكمل شربه، وقد وضع سترته على الطاولة بجانبه.
والخريطة… كانت تبرز قليلاً من جيب السترة.
ابتسم جين بخبث طفل محترف:
"تمام… أسهل مما توقعت."
انتظر لحظة حتى خفض رئيس الخدم رأسه وبدأ يغفو بشكل واضح.
اقترب جين بخطوات محسوبة، يقترب من السترة شيئًا فشيئًا، ثم مدّ يده الصغيرة نحو الجيب.
سحب الخريطة بهدوء… وببطء…
حتى كاد يشعر أن الوقت توقف.
تحرك رئيس الخدم فجأة فجمُد جين في مكانه، خائفًا أن يرمش حتى.
لكن الرجل اكتفى بإصدار صوت نعاس وعاد للغفوة.
تنفّس جين بصمت، وأكمل سحب الخريطة…
حتى أصبحت في يده بالكامل.
تراجع خطوة… ثم خطوتين… ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب برفق شديد.
وحين ابتعد، رفع الخريطة أمامه بفخر، وابتسم ابتسامة واسعة:
"نجحت!… أدريانا سوفة تطير من السعادة."
وانطلق يركض نحو غرفة أخته، حاملًا مفتاح هروب من القصر.
كان جين يسير في الممرّ متجهاً إلى غرفة أخته، يحمل الخريطة بين يديه بحذر، حين توقّف فجأة… فقد رأى أمّه تقف في نهاية الممرّ، ونظراتها متفاجئة.
جين:
"أمّي…!"
رفعت والدته حاجبها باستغراب وقالت:
"جين؟ ما الذي تفعله في القسم الخاص بالخدم؟"
تجمّد جين في مكانه، يبحث عن أي كلمة ينقذ بها نفسه، لكن لسانه انعقد.
في تلك اللحظة كانت أدريانا في غرفتها، قلقة لأن جين تأخّر أكثر من اللازم، فقررت الخروج لتتفقده. وما إن فتحت الباب ورأت والدتها تقف أمام أخيها حتى شعرت بقلبها يسقط.
أدريانا في داخلها:
“أوه اللعنة… جين لا يجيد الكذب على أمّي. سيكشف كل شيء!”
تقدّمت والدتهم نحو جين وقالت:
"هيا أخبريني يا جين… ماذا تفعل هنا؟"
قبل أن ينطق، ركضت أدريانا نحوهما ولمست كتف جين بخفة، محاولةً تهدئته.
أدريانا بابتسامة مصطنعة:
"هيي! صباح الخير يا أمّي."
نظرت إليها الأم باستغراب أكبر وقالت:
"من الغريب أن تستيقظي مبكرًا يا أدريانا. ما الأمر؟"
أدريانا:
"آه… هذا؟ أنا وعدت جين أن ألعب معه هذا الصباح، ولم أرد أن أجعلُه ينتظر."
نظرت الأم إلى جين ثم إلى ابنتها، غير مقتنعة تمامًا.
"حسنًا… لكن ما الذي كان يفعله هنا تحديدًا؟"
ابتلعت أدريانا ريقها وأجابت بسرعة:
"أنا… أخبرته أن يسأل الخدم عن الفطور. أشعر بالجوع، وكنت أريد معرفة إذا كان جاهزًا. لذا… سأخذ جين الآن ونذهب إلى الحديقة. وداعًا!"
أمسكت بيد جين وسحبته معها بسرعة نحو باب الحديقة، بينما الأم بقيت واقفة في الممرّ، تنظر إليهما بشكّ واضح وكأنّها غير مقتنعة بما سمعت.
خرجت أدريانا مع جين إلى الحديقة، ثم تنفّست بعمق وقالت له بصوت منخفض:
كاد الأمر ينكشف..
جلست أدريانا مع جين خلف الشجيرات الكبيرة في الحديقة، حيث لا أحد يراهم. مدّ جين يده بفخر وقال:
جين:
"ها هي الخريطة، يا أختي… خذيها."
أخذتها أدريانا بسرعة وقالت بابتسامة:
"أحسنت صنعًا يا جين. كنت أعرف أنك ستنجح."
رفع جين ذقنه بفخر وقال:
"أخبرتكِ بأنني أستطيع فعلها. أنا بارع في هذا، أليس كذلك؟"
فتحت أدريانا الورقة بحماس… لكن ما إن نظرت إليها حتى تغيّر وجهها تمامًا من الفرح إلى الصدمة، ثم إلى الإحباط.
رفعت الورقة أمام وجه جين وقالت:
"جين…!"
جين:
"نعم يا أختي؟"
أدريانا:
"أيها الأحمق … هذه ليست الخريطة!"
رمشت عينا جين عدة مرات ثم قال:
"هاه؟ ليست؟"
رفعت أدريانا الورقة أكثر وقالت بنبرة محبطة:
"هذه ورقة تعليم الطبخ الخاصة بالخدم! انظر… حتى مكتوب هنا:
كيف تطبخ بيضة بدون أن تحرق المطبخ."
تجمّد جين لثانيتين، ثم قال بارتباك:
"أممم… ربما رئيس الخدم يحب الطبخ أيضًا؟"
وضعت أدريانا يدها على جبينها وقالت:
"جين… لو كانت هذه خريطة القصر، لما كان فيها رسم بيضة سعيدة!"
نظر جين للورقة واقترب فقال:
"أوه فعلاً…
جلست أدريانا على المقعد الخشبي في الحديقة، وأسندت رأسها إلى يديها وهي تتمتم بغيظ:
أدريانا:
"أوه يا إلهي… انتهى كل شيء. سأبقى هنا إلى الأبد، وسأتزوّج من إلياس الأحمق… ولا يمكنني حتى أن أهرب من هذا القصر!"
رفع جين رأسه باستغراب وقال:
"أختي… هل تريدين الخروج من القصر؟"
نظرت إليه سريعًا، وكأنها ندمت على الكلام:
"ليس بعد الآن… لقد ضاعت الخطة، وانتهى الأمر."
اقترب جين منها بحماسٍ غريب وقال بصوت منخفض:
"في الحقيقة… أعرف مكانًا قد يساعدكِ."
التفتت إليه أدريانا بسرعة، واتّسعت عيناها:
"ماذا؟! أنت تعرف مكانًا؟"
هزّ جين رأسه بثقةٍ طفلٍ واثق أكثر من اللازم:
"أجل. مكان الخريطة الثانية.
حدّقت أدريانا فيه بتركيز، نصف خائفة ونصف متحمّسة:
"جين… لا تقل لي إن هذا الخريطة مثل ورقة الطبخ التي جلبتها."
رفع جين يديه دفاعًا وقال:
"لا! هذه المرة أنا متأكد! إنه مكان يخفي فيه رئيس الخدم الأشياء المهمة."
تقدمت أدريانا نحوه وقالت:
"وهل أنت متأكد أن الخريطة هناك؟"
ابتسم جين وقال بكل فخر:
"أنا لا أعرف… لكني رأيته يدخل إليه وهو يمسك بشيء يشبه لفافة الأوراق."
وضعت أدريانا يدها على كتفه وقالت بنبرة فيها أمل:
"جين… إذا صحّ كلامك هذه المرة… سأعتبرك عبقري العائلة."
نفخ جين صدره وقال:
"كنتُ أنتظر هذا الاعتراف منذ سنوات."
ضحكت أدريانا قليلًا رغم توترها، ثم قالت:
"حسنًا… أرشدني إلى هذا المكان."
قاد جين شقيقتة في الممر الطويل توقّفت أدريانا وجين عند نهاية الممر، ثم سحبها جين بسرعة نحو الجدار الحجري العريض المحاذي لمكتب الملك.
ألصقتهما الظلال بالجدار، وراحا يطلّان بحذرٍ من الحافة. كان أمام باب المكتب حارسٌ ضخم يقف بثبات، يحمل رمحه ويحدّق في الفراغ دون أن يرمش.
جين:
"هنا يا أختي… هذا هو المكان."
رفعت أدريانا حاجبها بدهشة، ونظرت إلى الباب مرة أخرى قبل أن تتمتم:
أدريانا:
"هذا… مكتب والدي؟"
هزّ جين رأسه بثقة طفل اكتشف سرًا هائلًا:
"أجل. لقد رأيته يدخل إليه وهو يحمل شيئًا ملفوفًا… أعتقد أنها الخريطة."
عبست أدريانا قليلًا وقالت:
"لكن… لماذا يكون رئيس الخدم داخل مكتب والدي أصلًا؟"
فرك جين ذقنه الصغيرة وكأنه يفكّر بعمق:
"ربما… لأنه المكان الأكثر أمانًا. لا أحد يجرؤ على الدخول هنا بدون إذن."
تنهدت أدريانا بخفوت، ثم قالت:
"صحيح… كيف لم يخطر هذا ببالي منذ البداية؟"
تراجعت خطوة وهي تتذكر كلام كيكي:
"هل كانت كيكي تكذب علي؟ أم أنها لا تعرف أصلًا؟"
أجابها جين بثقة:
"لا أظن أنها تكذب، لكن الجميع في القصر يعتقد أن الخريطة مع رئيس الخدم. لذلك ربما خبّأها هنا… بحيث لا يشك به أحد."
وقفت أدريانا أمام الباب تتأمل النقوش الذهبية وتفكر بسرعة، ثم قالت بصوت منخفض مليء بالحذر:
أدريانا:
"إذن… الخريطة على الأرجح خلف هذا الباب."
وقفت أدريانا أمام جين وقالت بنبرةٍ منخفضة وحازمة:
أدريانا:
"علينا أن نجد طريقة لندخل… بدون أن يرانا أحد."
ابتسم جين ابتسامة ماكرة، ثم رفع يده كمن تذكّر شيئًا عبقريًا:
جين:
"اتركي الأمر لي."
التفت فجأة نحو الحارس القريب وصرخ بصوتٍ مرتفع مرتبك:
جين:
"آااه! أيها الحارس! هناك شخص غريب في الحديقة! تعال بسرعة… الحقني!"
نظر الحارس إليـه بفزع:
"حقًا يا سموّ الأمير؟!"
جين:
"نعم نعم! هيا! بسرعة قبل أن يهرب!"
بينما شتت جين الحارس اقتربت ادريانا من الباب بحذر.
تنفّست أدريانا بعمق، ثم فتحت باب مكتب والدها بخفةٍ كأنها تلامس نسمة هواء. دخلت ببطء شديد، وأغلقت الباب خلفها دون أن يصدر صوتًا.
كان المكتب واسعًا، تملؤه رائحة الحبر والورق القديم. اتجهت مباشرة نحو المكتبة الواسعة، وبدأت تفتش بين الرفوف والكتب والصناديق، لكن… لا شيء.
أدريانا (مهمهمة):
"أين خبّأها…؟ لا بد أنها هنا."
انتقلت إلى خزانة أخرى، ثم إلى صندوقٍ صغير، وإلى رفّ أعلى… ولا شيء.
حتى وقعت عينها على درجٍ صغير في المكتب، يكاد لا يُلاحظ.
اقتربت بسرعة، وفتحت الدرج بحذر… وعندما رأت الورقة الملفوفة بعناية، اتّسعت عيناها:
أدريانا (بهمس مليء بالانتصار):
"أخيرًا… سأصبح حرّة."
مدّت يدها وأخذت الخريطة، لكن…
ولم تكد تغلق الدرج حتى سمعت صوت مقبض الباب يُدار ببطء.
تجمّدت في مكانها.
ثم بسرعة البرق انحنت واندفعت تختبئ تحت مكتب والدها، تكتم أنفاسها بقوة.
فتح الباب ودخل شخص ما، خطواته ثابتة وواثقة.
وقف في منتصف الغرفة...
بينما كانت أدريانا تحت المكتب، ضغطت الخريطة على صدرها بقوة، محاولة ألا تصدر همسة واحدة.
كانت أدريانا تختبئ تحت مكتب والدها، سمعت صوتًا غريبًا يشبه فتح الأدراج.
توقّفت للحظة، وشعرت بأن هناك أحدًا بالداخل. رفعت رأسها بهدوء لتنظر من خلال الفتحة الصغيرة…
وهنا ظهر الحارس، واقفًا وكأنه يبحث عن شيء مهم بين أوراق المكتب.
أدريانا (بهمس خفيف): السيد تاكو؟
مالذي يفعله في مكتب والدي…؟
سحبت أدريانا رأسها بسرعة حتى لا يراها، وظلّت واقفة خلف الجدار وهي تحاول فهم ما يحدث.
بعدها سمع الحارس صوت شخص قادم، فتوقّف عن البحث وخرج بسرعة من المكتب قبل أن يراه أحد.
أما أدريانا، فبمجرّد أن سمعت صوت إغلاق الباب، رفعت رأسها بخوف لتتأكد من أنه قد غادر فعلًا.
كانت ترتجف من شدّة القلق، فابتلعت ريقها وحاولت تهدأ نفسها.
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، سمعت خطوات أخرى تقترب من الممر.
أدريانا (تهمس : اللعنة.
خرجت مسرعة من مكتب والدها قبل أن يدخل أي شخص آخر.
وحين وصلت إلى نهاية الممر، لمحت من بعيد الحارس ومعه جين قادمين نحوها.
ارتبكت، ثم ركضت أدريانا بكل ما لديها من خوف، واختبأت بسرعة خلف الجدار، تحاول كتم أنفاسها كي لا يسمعها أحد.
الحارس: لم يكن في الحديقة أحدٌ يا سموّ الأمير.
جين: لستُ متوهِّمًا… لقد بدا لي أن شخصًا ما كان هناك، لكن ربما أخطأت.
مرّ جين بمحاذاة أدريانا دون أن يلتفت إليها، لكنه ابتسم بخفّة لأنه أدرك أنها دخلت المكتب بالفعل.
ثم ابتعد هو والحارس تاركَين المكان.
أمّا أدريانا فذهبت مسرعة إلى غرفتها. وما إن أغلقت الباب حتى أسندت ظهرها إليه وهي تلهث قليلًا.
أدريانا: آه… وأخيرًا. لِمَ يبدو كلّ شيء صعبًا إلى هذا الحد؟ حتى سرقةُ شيءٍ بسيط ليست بالأمر الهيّن…
جلست على سريرها ونظرت إلى خريطة القصر التي تحملها بيد مرتجفة، ثم قالت بعزم:
أدريانا: نعم… أستحقت المخاطرة . وهذه الليلة… سأفعلها. هذه الليلة سأخرج من هذا القصر مهما كان الثمن.
خارج أسوار القصر…
ماركوس: حسنًا يا رفاق… سنعزف اليوم، فهل أنتم مستعدّون؟
هانا: أمم… ولماذا لا نعزف الليلة بدلًا من الآن؟
ماركوس: ولمَ ذلك؟
ساكا: أنا أيضًا أوافق هانا. في الصباح يكون حرس المدينة منتشرين في كل مكان، ولا نستطيع العزف براحتنا. الليل أفضل بكثير.
ماركوس: يتنهّد بخفّة حسنًا… إن كنتم مُصرّين على ذلك، فسنفعلها الليلة.
إذن… لنذهب، هيا نساعد أهل المدينة.
كانت الليلة قد حلت، والظلام يغطي أرجاء القصر والمدينة على حد سوداء.
هذا كان الوقت المثالي لخطّة أدريانا للهروب، فالهدوء والظلال ستساعدها على التحرك دون أن يلاحظها أحد.
كانت أدريانا في غرفتها، تنتظر بصبر أن يغطّ الجميع في النوم.
اختارت فستانًا بسيطًا بلونٍ داكن، يصل إلى منتصف ساقها تقريبًا، ليتيح لها الحركة بسرعة وسهولة، وأمسكته بكلتا يديها لتنسقه بعناية قبل ارتدائه.
ارتدته فوق ملابسها الداخلية، شدّت الحزام بلطف حول خصرها، وعدّلت الطيات بحيث لا تعيق خطواتها، ثم نظرت في المرآة وأشارت إلى نفسها برأسها: "حسنًا… الآن أنا مستعدة."
أخرجت حقيبة صغيرة ووضعت فيها الأشياء المهمة التي قد تحتاجها خلال خطتها، ثم تذكرت فجأة أمرًا ضروريًا: كتبت رسالة قصيرة إلى أليكس وطلبت من إحدى الخادمات إيصالها إليه لتخبره بأنها ستخرج الليلة.
خرجت أدريانا من الباب المؤدّي إلى الحديقة الخلفية، وألقت نظرة على خريطة القصر التي كانت تحملها. كانت الخريطة تُشير إلى أنّ الطريق يكتمل عبر السير في الحديقة، فتابعت خطواتها بهدوء حتى وصلت إلى مساحة مغطّاة بأعشاب كثيفة مغلقة كأنها جدار طبيعي.
قالت أدريانا باستغراب:
"طريقٌ مسدود؟ ما هذا؟ أيمكن أنّني في المكان الخاطئ؟"
تراجعت قليلاً وهي تتفحص الخريطة من جديد، محاولة التأكّد من مسارها. وبينما كانت تتحرك للخلف، تعثّرت قدماها وسقطت على رأسها أرضًا.
تمتمت بألم:
"آه… هذا مؤلم."
لكن سقوطها كشف شيئًا لم تكن تراه من قبل، فقد لاحظت فراغًا خلف الأعشاب. اقتربت بحذر وأزاحت الأغصان بيديها، لتتفاجأ بنفقٍ عميق يفتح على ممر مظلم مجهول.
قالت بدهشة:
"لم يوجد نفق هنا.. ياترا لم هو مخبأ هل يقود إلى المدينة … حسنًا، لا بأس… سأدخل."
شدّت فستانها لتسهيل الحركة، ثم خطت داخل النفق ببطء، وقلبها مزيجٌ من الترقّب والقلق، وهي لا تعلم إلى أين سيقودها هذا الطريق… لكنّها أحسّت أنّ ما ينتظرها في الداخل سيغيّر الكثير.