الفصل5: ما لم يعد موجودًا
وقفت ليان تحدّق في خليل، وكأنها تحاول أن تجد فيه شيئًا كان موجودًا قبل لحظات… لكنه اختفى.
كان يقف أمامها بهدوء غريب، ملامحه مرتاحة أكثر من اللازم، وعيناه خاليتان من ذلك التوتر الذي كان يملؤهما دائمًا.
قالت بصوت متردد:
— خليل… هل أنت بخير؟
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
— نعم… أشعر براحة لم أشعر بها من قبل.
تراجعت خطوة.
لم تكن هذه المشكلة.
المشكلة… أنه لا يبدو مستغربًا مما حدث.
سألته بقلق:
— ماذا أعطيته؟
قطّب حاجبيه قليلًا، وكأنه يحاول التذكر.
— لا أعلم…
صمت لحظة، ثم أكمل:
— لا أذكر.
شعرت ليان بقشعريرة.
— كيف لا تذكر؟! لقد قال إنها ذكرى!
نظر إليها باستغراب، وقال بهدوء:
— ربما… لم تكن مهمة.
كانت تلك الجملة كافية لتجعل قلبها ينقبض.
لم تكن مهمة؟
كيف يمكن لذكرى أن تُمحى… ويُقال عنها إنها غير مهمة؟
التفتت بسرعة نحو كهلان، الذي كان يراقبهما بصمت.
— ماذا أخذت منه؟
نظر إليها دون أن يغيّر تعبيره، ثم قال:
— ما اختار أن يتركه.
صرخت بغضب:
— هو لم يكن يعرف ما سيخسره!
اقترب كهلان خطوة، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاد:
— الجميع يعرف… لكنهم لا يدركون.
ساد صمت ثقيل.
نظرت ليان إلى خليل مرة أخرى، تحاول أن تتذكر معه… أي شيء…
ثم سألت فجأة:
— خليل… هل تتذكر… أول مرة دخلنا فيها الغابة معًا؟
تردد قليلًا.
نظر إليها، ثم هزّ رأسه ببطء:
— لا…
توقفت أنفاسها.
شعرت وكأن الأرض تهتز تحتها.
لم تكن مجرد ذكرى عابرة…
بل جزء من حياتهما.
جزء… اختفى.
مرّت لحظات صامتة، قبل أن يقطعها صوت بعيد في السوق.
صوت يشبه… جرسًا.
لكنّه لم يكن عاديًا.
كان عميقًا، ثقيلًا، كأنه يمر عبر الجسد لا الأذن.
رفع كهلان رأسه قليلًا، ثم قال:
— بدأ الوقت.
نظرت إليه ليان بارتباك:
— أي وقت؟
لكن قبل أن يجيب، تغيّر كل شيء حولهم.
الناس في السوق توقفوا فجأة.
الهمسات اختفت.
والأضواء خفتت قليلًا.
ثم…
بدأت الأبواب تُغلق.
واحدًا تلو الآخر.
شعرت ليان بالخوف يتسلل إلى داخلها:
— ماذا يحدث…؟
نظر كهلان إلى نهاية الشارع، ثم قال بهدوء:
— السوق النهاري انتهى.
ثم أضاف، بنبرة أخفض:
— والآن… يبدأ ما لا يجب أن تروه.
تجمّد خليل في مكانه، بينما شدّت ليان قبضتها.
— ماذا تقصد؟
لم يجبها مباشرة.
فقط التفت، وبدأ يسير.
ثم قال دون أن ينظر إليهما:
— إذا أردتما البقاء… فاتبعاني.
تبادل ليان وخليل النظرات.
كان بإمكانهما الهروب.
كان بإمكانهما الابتعاد.
لكن الحقيقة كانت واضحة…
لقد دخلا عالمًا لا يفهمانه بعد.
وبدون كلمة أخرى…
تبِعاه.