الفصل الثاني: أثر لا يُمحى
بعد الجنازة، عاد البيت أصغر.
الجدران اقتربت من بعضها، السقف انخفض قليلًا، والهواء صار أثقل. لم يعد أحد يضحك في الممر. لم تعد الكرة تتدحرج فجأة من تحت الأريكة. حتى الساعة الحائطية كانت تدقّ بصوت خافت، كأنها تخجل من إزعاج الحزن.
كنت أراقب أمي وهي تمشي في البيت كأنها تبحث عن شيء ضائع. لم تكن تنظر إليّ كثيرًا. وعندما تفعل، كانت نظرتها تمرّ بي لا إليّ.
في تلك الليلة سمعتها تبكي لأول مرة. لم يكن بكاءً عاديًا، بل صوتًا مكتومًا يشبه محاولة النجاة من الغرق. اقتربت من باب غرفتها، وضعت أذني على الخشب، وسمعت جملة واحدة فقط:
"لماذا تركتني؟"
لا أعرف إن كانت تسأله… أم تسأل الحياة… أم تسألني.
منذ ذلك اليوم بدأت أتعلم كيف أكون خفيفة.
خفيفة في خطواتي.
خفيفة في مطالبي.
خفيفة حتى في وجودي.
كنت أظن أنني إن صرتُ غير مرئية بما يكفي، فلن أؤذي أحدًا مرة أخرى.