العد تنازلي ☝🏻✌🏻🤟🏻
الجزء السادس: العد التنازلي للهاوية
الساعة 11:07 صباحًا
خرجت سلمى من برج داليا شاهين وهي تشعر بأن العالم من حولها قد تحول إلى غشاء رقيق يفصل بين الواقع والكابوس. ضوء النهار الساطع كان مخادعاً؛ فتحت سيارتها المستأجرة (سيارة عادية، رمادية، لا تلفت الانتباه) وكانت رائحة الجلود الجديدة والمنظفات تفوح منها، لكن كل ما تستطيع شمه هو رائحة الدم واليأس.
هاتفها العادي (ليس الهاتف الأسود) رن. رقم مجهول.
رفعت السماعة بحذر. "نعم؟"
"سلمى فكري؟" صوت امرأة، ناعم، مرتعش.
"من المتحدث؟"
"أنا... لينا ربيع."
الوسيطة الروحية. رقم خمسة في القائمة.
"أين أنت؟" سألت سلمى، وهي تشغل السيارة.
"في المركز. مركز الأرواح التائهة. إنه... هناك شيء هنا. شيء ليس من هذا العالم."
صوت لينا كان مختلفاً عن صوت داليا. لم يكن خائفاً فحسب، بل كان... مذهولاً. كما لو كانت قد رأت شيئاً لا يمكن لعقلها استيعابه.
"هل يمكنك الخروج؟ لقائي في مكان عام؟"
"لا... لا أستطيع المغادرة. الأبواب... الأبواب لا تفتح. والنوافذ... انظر إلى النافذة."
سلمى ضغطت على زر السماعة الخارجي. "ماذا عن النافذة؟"
"انعكاسها. انعكاس النافذة لا يظهر الغرفة الحقيقية. إنه يظهر... مكاناً آخر. قصراً. وأشخاصاً... أشخاصاً معلقين كدمى."
سلمى توقفت عند إشارة مرور. "استمعي، لينا. أنا قادمة إليكِ. ابقي حيث أنتِ. حاولي إيجاد مكان آمن."
"لقد حاولت. ولكن الصور على الجدران... العيون في الصور... تتبعني. وإذا أطفأت الأنوار، أسمع أنفاساً... أنفاساً ليست أنفاسي."
بارانويا. أو شيء حقيقي. مع "المعلم"، كان من المستحيل التمييز.
"سأكون هناك خلال عشرين دقيقة. حاولي البقاء هادئة."
طَقْ طَقْ طَقْ.
أصوات خفيفة عبر الهاتف.
"ما هذا الصوت؟" سألت سلمى.
"الخزانة... خزانة الملفات... هناك شيء يطرق من الداخل."
"لا تفتحيها! لا تفتحي أي شيء!"
لكنها سمعت صوت لينا تتحرك. ثم صوت مقبض باب يتحرك.
صرخة.
قصيرة. مكتومة.
ثم صوت سحب. جر شيء ثقيل على الأرضية الخشبية.
ثم صمت.
"لينا؟ لينا!"
لا رد.
فقط صوت تنفس ثقيل عبر الهاتف. ليس تنفس لينا. أعمق. أبطأ. ثم...
همسة: "القصر ينتظركِ، سلمى. كل الطرق تؤدي إلى هنا."
الخط انقطع.
---
الساعة 11:34 صباحًا - مركز "الأرواح التائهة"
الحي القديم كان مهجوراً في صباح السبت. المركز كان في مبنى حجري قديم، كان في السابق كنيسة صغيرة. النوافذ القوطية الضيقة، الباب الخشبي الثقيل المنحوت برموز روحية.
الباب كان مفتوحاً قليلاً.
سلمى أخرجت مسدسها الصغير (كان مخبأً في حقيبتها، غير مرخص، لكنها احتفظت به من أيامها القديمة). دفعت الباب بلطف.
الداخل كان مظلماً رغم ضوء النهار. ستائر ثقيلة مغلقة. رائحة البخور القديم، وشمع، وشيء آخر... رائحة حيوان ميت.
"لينا؟"
لا رد.
المكتبة الأمامية كانت فوضوية. كتب متناثرة على الأرض. طاولة مقلوبة. وعلى الحائط، خلف المكتب، رسم بالدم.
لم يكن رسماً عادياً. كان خريطة طبوغرافية لقصر الهاديس، لكن مرسومة كما لو كان القصر كائناً عضوياً ينبض. خطوط حمراء (دم) تشير إلى مسارات، مع كتابات بخط أنيق:
"الطريق إلى القلب يمر عبر الأمعاء"
"كل باب يغلق أذناً"
"النافذة التي ترى كل شيء هي التي لا يمكن الخروج منها"
وفي وسط الرسم، دائرة كبيرة مكتوب داخلها: "هنا تصبح الملاحظة مشاركة"
كانت تحته توقيع: "م".
سلمى تقدمت بحذر نحو الباب الداخلي المؤدي إلى غرفة الجلسات. الباب كان مغلقاً. عليها علامات خدوش حديثة، كما لو أن شخصاً كان يحاول الخدش للخروج من الداخل.
دقت. "لينا؟ هل أنتِ بالداخل؟"
صوت خفيف من الداخل. حفيف.
ثم... غناء.
همهمة منخفضة، لحنية، لكن الكلمات كانت مشوهة:
"الأرواح تائهة في القصر الحجري...
كل باب يقود إلى مصير أعمى...
السابعة ترى ما لا يرى...
والقلب ينتظر أن ينبض حراً..."
كان صوت لينا، لكن... معدلاً. كما لو كانت في حالة غيبوبة.
سلمى دفعت الباب. كان مقفلاً.
رجعت إلى المكتب، وجدت مفتاحاً في درج. عادت، فتحت الباب.
غرفة الجلسات كانت دائرية، في وسطها كرسيان فقط. أحدهما فارغ. والآخر... لينا.
كانت جالسة، ظهرها إلى الباب، تطل على مرآة كبيرة على الحائط المقابل.
"لينا؟ أنا سلمى. أنا هنا لمساعدتك."
لينا لم تلتفت. كانت تحدق في المرآة.
سلمى تقدمت بحذر. رأت انعكاس لينا في المرآة.
عيناها كانتا مفتوحتين على اتساعهما، لكن بؤبؤ العين متسع بشكل غير طبيعي، أسود تماماً. وعلى خديها، خطان من الدماء يسيلان من زوايا عينيها كدموع حمراء.
"لقد رأيته"، همست لينا دون أن تتحرك. "رأيت ما يخطط له. ليس مجرد قتل. بل... تحويل."
"تحويل ماذا؟"
"تحويلنا. كل منا... سوف نصبح جزءاً من تحفته. ليس كضحايا، بل ك... مواد. عناصر فنية."
التفتت لينا فجأة. وجهها كان شاحباً، لكن ابتسامة عريضة غير طبيعية تعلو شفتيها.
"هو يريدكِ أن ترى كل شيء، سلمى. لأنكِ الفنانة الحقيقية. وهو... مجرد أداة."
"ما الذي تفعلينه هنا، لينا؟ ماذا حدث؟"
لينا رفعت يدها. في كفها، عين بشرية. طازجة. لا تزال رطبة.
"هذه... للمخرج. فارس جلال. هي ستساعده على 'رؤية' الحقيقة."
سلمى تقدمت خطوة. "ضعي ذلك، لينا. أنتِ لستِ بخير."
لكن لينا قامت فجأة. حركتها كانت متشنجة، غير طبيعية.
"لا يوجد 'بخير' بعد الآن. فقط... ما قبل التحفة. وما بعدها."
نظرت إلى المرآة. "انظري. انظري ما أراني إياه."
سلمى نظرت إلى المرآة. في البداية، رأت انعكاسها هي ولينا فقط. ثم... بدأت الصورة تتغير.
المرآة لم تعد تعكس الغرفة. بل بدأت تظهر مشاهد:
· رجل (كريم الشربيني) مقيد على طاولة جراحة، نصف وجهه مقطوع
· امرأة (ربما ريم العطار) تكتب على جدران غرفة بدمها
· رجل آخر (فارس جلال) يصرخ بينما كاميرات تسجله من كل الزوايا
· ونفسها... سلمى... واقفة في غرفة دائرية، محاطة بمرايا، وكل انعكاس يظهرها ميتة بطريقة مختلفة
"هذه ليست رؤية"، قالت سلمى، محاولةً الحفاظ على هدوئها. "هذه تقنية. مرايا ذكية. شاشات مخفية."
لكن لينا هزت رأسها. "الأدوات لا تهم. الرسالة هي المهم. وهو يرسل لكِ رسالة: مهما فعلتِ، مهما خططتِ... النتيجة محددة مسبقاً."
سلمى أمسكت بذراع لينا. "استمعي إليّ. نحن سنتغلب عليه. لكننا بحاجة إلى العمل معاً. نحن الستة..."
"لسنا ستة بعد الآن"، قالت لينا بهدوء مرعب. "نحن... ثلاثة فقط. لين ميتة. باسم أسير. كريم... مشلول. أنا... أنا لم أعد هنا كلياً. داليا سوف تهرب لكنه سيجدها. وفارس... فارس يعتقد أنه يمكنه ترويض الوحش."
"ماذا عن ريم؟ الكاتبة؟"
لينا نظرت إلى المرآة مرة أخرى. الصورة تغيرت لتبين امرأة (ريم) تختبئ في قبو، تكتب بسرعة في دفتر.
"هي الوحيدة التي قد تفهم. لأنها مثله. تبحث عن القصة المثالية. حتى لو كانت قصة موتها."
سلمى سحبت لينا نحو الباب. "أنتِ تخرجين معي الآن."
لكن لينا توقفت. "لا أستطيع. لقد... قبلت الدعوة. بشكل كامل. جسدي هنا، لكن جزءاً مني... بالفعل هناك. في القصر. أشعر به. يشعر بي."
سلمى نظرت إلى يدي لينا. على معصمها اليسرى، علامة حمراء. كأنها حرق، أو وسم. شكل دائرة فيها مثلث مقلوب.
نفس رمز الدم على دعوة سلمى.
"ماذا فعل بكِ؟"
"أعطاني خياراً: أن أكون صائدة... أو طُعماً. واخترت أن أكون الطعم لكِ."
فجأة، عينا لينا عادتا إلى طبيعتهما. البؤبؤ انقبض. الدموع الحمراء توقفت. ونظرت إلى سلمى بنظرة واضحة، مرعوبة.
"سلمى، اهربي. الآن. هو يريدكِ أن تأتي إلى المركز. لأن المركز... ليس مجرد مكان. إنه الطريق الأول. الطريق إلى القصر يبدأ من هنا."
"ما الذي تتحدثين عنه؟"
"القصر ليس على التل فقط. القصر... في كل مكان. هو بنى مسارات. أنفاق. طرقاً مخفية. وهذه الغرفة... هذه الغرفة هي واحدة من المداخل."
لينا أشارت إلى المرآة. "انظري الآن."
سلمى نظرت. المرآة الآن تعكس الغرفة الحقيقية. لكن... هناك باب خلفها في الانعكاس. باب لم يكن موجوداً في الغرفة الحقيقية.
"في عالم المرآة، الطرق مختلفة"، همست لينا. "وهو سيد عالم المرآة."
دويّ من الطابق العلوي. صوت سقوط شيء ثقيل.
لينا أمسكت بيد سلمى. "يأتي. يجب أن تذهبي. الآن."
"ماذا عنكِ؟"
"لقد قبلت دوري. سأكون الطعم. سأعطيكِ وقتاً."
دفعت سلمى نحو الباب الرئيسي. "اذهبي إلى مكان واحد فقط: استوديوهات فارس جلال. هو الوحيد الذي قد يكون لديه شيء يساعد."
"ولماذا؟"
"لأنه يعرف كيف يسجل كل شيء. وقد... سجل شيئاً عن 'المعلم' قبل سنوات. شيء لا يعرفه أحد."
أصوات خطوات على السلم الخشبي القديم. ثقيلة. متعمدة.
"اذهبي!" همست لينا، ودفعت سلمى خارج الباب، ثم أغلقتها من الداخل.
سلمى سمعت قفل الباب يدور.
تركتها لينا في الخارج.
تسمع من الداخل:
لينا: "أنا هنا. خذني. دعها تذهب."
صوت عميق (المعلم): "الطعم يختار أن يكون بطلاً. كم هو مثير."
ثم صمت.
سلمى ترددت للحظة. ثم ركضت إلى سيارتها.
---
الساعة 12:18 ظهرًا - في الطريق إلى استوديوهات فارس جلال
هاتفها الأسود رن.
"لقد كنتِ مشغولة"، قال صوت المعلم المعدل. "زيارات. محادثات. تخططين."
سلمى لم ترد.
"لينا كانت... لطيفة. لكن دورها انتهى. الآن، دور داليا. هل تعتقدين أنها ستنجح في الهرب؟"
"دعها تذهب."
"أوه، لكن الهرب جزء من اللعبة. الصيد جزء من المتعة. وداليا... لديها هدية لكِ."
توقف.
سلمى سمعت صوت إرسال رسالة.
على هاتفها العادي، وصلت صورة.
داليا شاهين، في مطار المدينة، عند بوابة السفر. تبتسم للكاميرا. وكأنها تودع.
تحتها نص: "عذراً، سلمى. ليس لدي الشجاعة التي تملكين. سأحاول العيش لأروي قصتك."
ثم... صورة ثانية.
نفس الموقع. بعد دقائق.
داليا على الأرض. دماء حول رأسها. وشخص طويل يرتدي معطفاً أسود يمشي بعيداً، ظهره إلى الكاميرا.
نص: "آه، ولكن الأقدار تكتب بيد أخرى."
سلمى كادت تفقد السيطرة على السيارة.
"الآن ننتقل إلى المخرج"، قال المعلم. "فارس جلال. الرجل الذي يعتقد أن الرعب يمكن احتواؤه في إطار. سأريه أن الإطار... يمكن أن يكون قبراً."
المكالمة انتهت.
سلمى ضغطت على دواسة البنزين.
---
الساعة 12:42 ظهرًا - استوديوهات "جحيم للإنتاج"
المنطقة الصناعية كانت مهجورة في عطلة نهاية الأسبوع. استوديوهات فارس جلال كانت في مستودع كبير مع إشارة متوهجة مكتوب عليها: "الرعب هنا يصنع باحتراف."
الباب الأمامي كان مفتوحاً.
دخلت سلمى إلى صالة استقبال مظلمة. شاشات مراقبة على الجدران، تظهر زوايا مختلفة من الاستوديو. في إحداها: فارس جلال، يجلس في غرفة تحرير، يحدق في شاشة.
ركضت عبر الممرات حتى وصلت إلى غرفة التحرير.
فارس كان رجلاً في الأربعينات، شعر أسود طويل، يرتدي سترة جلدية. عند دخولها، لم يلتفت.
"فارس؟ أنا سلمى فكري."
"أعلم"، قال دون أن يلتفت عن الشاشة. "لقد رأيتكِ قادمة. الكاميرات في كل مكان."
على الشاشة التي كان يحدق فيها: لقطات مراقبة لسلمى وهي تدخل المبنى، تسير في الممرات.
"لقد حصلت على دعوة"، قال فارس. "والآخرون... بدأوا يختفون."
"لينا ماتت. داليا... أصيبت. باسم مختفٍ. كريم أسير. وريم... لا أعرف أين هي."
فارس أخيراً التفت. عيناه كانتا محمرتين، من الإرهاق أو البكاء.
"لقد أرسل لي شيئاً"، قال. "هدية."
أشار إلى طاولة بجانبه. عليها صندوق أسود، بحجم علبة الأحذية.
"ما فيه؟"
"لم أفتحه. لكن... يصرخ. أحياناً. في الليل."
سلمى تقدمت. الصندوق كان بسيطاً. بدون قفل. رفعت الغطاء.
في الداخل: دمية. دمية محشوة، على هيئة رجل. ترتدي بدلة سوداء مصغرة. وتحت الدمية، شريط فيديو قديم من نوع VHS.
"هذه الدمية... تظهر في أماكن مختلفة"، قال فارس بصوت خافت. "أحياناً على كرسي في زاوية الغرفة. أحياناً في سريري. وأنا... لم أضعها هناك."
سلمى رفعت الشريط. "وماذا عن هذا؟"
"هذا... هو السبب الذي دفعني لصنع أفلام الرعب. شاهدته عندما كنت مراهقاً. ولم أستطع نسيانه أبداً."
أخذ الشريط، وضعه في قارئ قديم بجانب شاشة التحرير.
الشاشة تحولت إلى ثلج، ثم ظهرت صورة:
مستشفى قديم. ممرات مظلمة. كاميرا محمولة باليد، تهتز.
ثم... غرفة جراحة.
رجل مقيد على طاولة. لا يبدو أنه مريض. يبدو أنه... تم اختطافه.
ورجل آخر، يرتدي ملابس جراحة، ظهره إلى الكاميرا. يرفع سكينة جراحية.
الصوت مشوش، لكن يمكن تمييز كلمات:
"الفن ليس في خلق الحياة، بل في إعادة تشكيل الموت..."
الرجل (المعلم، سلمى تعرف ذلك حتى قبل أن يلتفت) يلتفت قليلاً. قناع جراحي يغطي وجهه، لكن عينيه... عينيه واضحتان. هادئتان. متحمستان.
وهو يبدأ العملية. ليست عملية جراحية طبية. بل... فنية. قطع. إعادة تشكيل. تحويل.
الكاميرا تقترب. المريض يصيح.
ثم... صوت خارج الشاشة. صبي صغير يبكي. "أبي؟ أبي!"
المعلم يتوقف. ينظر باتجاه الكاميرا. ثم يمشي نحوها.
الصورة تهتز. تتحرك بسرعة. الصبي يهرب.
ثم الظلام.
"هذا أنا"، قال فارس بصوت مكسور. "أنا الصبي. وهذا الرجل... هذا أبي. والمعلم... أبقاه حياً لسنوات. يحوله. يعيد تشكيله. ثم... أرسل لي أجزاء منه. في أعياد الميلاد. في مناسبات التخرج."
سلمى نظرت إلى فارس. "وهذا لماذا لم تذهب إلى الشرطة؟"
"لأنه وعد: إذا أخبرت أحداً، سيكمل ما بدأه. وسأجد أبي... أو ما تبقى منه... في كل مكان أذهب إليه."
"وهذا الشريط..."
"لم يرَ أحد هذا الشريط غيري. حتى الآن."
سلمى فكرت للحظة. "أنتِ تعرفين ما يعنيه هذا، أليس كذلك؟" سأل فارس.
نعم. كانت تعرف. هذا الشريط... كان دليلاً. دليلاً حقيقياً على هوية "المعلم". على جريمته الأولى المعروفة. على أسلوبه.
"يجب أن نأخذ هذا إلى الشرطة."
"لقد حاولت. قبل سنوات. وفي تلك الليلة... ظهرت الدمية لأول مرة. ومعها... إصبع بشري. إصبع أبي."
سلمى نظرت إلى الصندوق. إلى الدمية. الآن رأت التفاصيل: الإصبع الصغير على اليد اليمنى للدمية... مفقود. مقطوع بدقة.
نفس يد المعلم الحقيقية.
"هو يريدني أن آتي إلى القصر"، قال فارس. "وأنا سآتي. لأنه وعد: إذا جئت، سيعطيني ما تبقى من أبي. سأحصل على جثة لأدفنها."
"إنه يكذب."
"أعلم. لكن... ليس لدي خيار. مثلكِ."
سلمى جلست على كرسي بجانبه. "لدينا خيار. أن نعمل معاً. أن نستخدم معرفتنا به."
"ماذا تعرفين عنه؟"
"أعلم أنه يحتاج جمهوراً. أنه يريدنا أن نشهد. أنه يرى هذا كفناً. وأعلم... أن كل فنان يخاف من شيء واحد."
"ما هو؟"
"النسيان. أن تُنسى تحفته."
فارس نظر إليها. "ماذا تقترحين؟"
"أن نذهب إلى القصر. لكن ليس كما يريد. بل... لنخرب تحفته. لنُظهرها للعالم ليس كفناً، بل كجريمة. كمرض."
في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار.
كل الشاشات في غرفة التحرير تحولت إلى نفس الصورة:
المعلم، جالساً على كرسي في ما يبدو أنه القصر. حوله، أشكال مغطاة بأكياس بيضاء بحجم أجساد بشرية.
"أحب المحادثات الجماعية"، قال صوته المعدل من مكبرات الصوت في كل مكان. "وخصوصاً عندما تكون عني."
سلمى و فارس تجمدا.
"فارس، لقد حافظت على سرّكِ جيداً. لكن الآن... حان وقت الدفع. وسلمى... أنتِ تقتربين. أنتِ تقتربين من الحقيقة. وهذا خطير."
"ما الذي تريده؟" صرخت سلمى.
"أريدهما أن تأتيا إلى الحفلة. معاً. لأنني أعددت شيئاً خاصاً لكما. ثنائي. الفنانة والناقد. المحللة والمخرج."
أحد الأشكال المغطاة على الشاشة بدأ يتحرك.
الكيس الأبيز سقط.
تحته: كريم الشربيني. حياً. لكن... مُعدلاً. نصف وجهه كان مُعاد تشكيله ليشبه... وجه فارس.
"لقد بدأت التحضيرات"، قال المعلم. "والآن... باقي أربع ساعات فقط. ثم تبدأ الأحداث الرئيسية."
الصورة انقطعت.
الأنوار عادت.
سلمى و فارس نظر كل منهما إلى الآخر.
"أربع ساعات"، همست سلمى.
"ثم نذهب إلى الجحيم"، قال فارس.
"لا"، قالت سلمى، وهي تقف. "ثم نذهب إلى الحرب."
أخرجت هاتفها الأسود. أرسلت رسالة إلى الرقم الوحيد المخزن فيه:
"نحن قادمون. استعد."
لا تعرف من سيرد. لا تعرف إذا كان هناك أحد.
لكنها أرسلت.
لأن الحرب... تبدأ بخطوة.
ولو كانت في الظلام.