الجزء الأول: الطرد الغامض كان المطر يقرع نوافذ الشقة الجديدة بإيقاعٍ كئيب، كأنما يعزف مقطوعة ترحيبٍ قاتمة لهذه البلدة التي لا تعرفها. سلمى وقفت وسط صناديق الانتقال غير المفتوحة، تستمع إلى هدير الريح في الظلام. كانت قد اختارت هذا المكان البعيد عن المدينة عمداً - ملاذاً أخيراً من الذكريات، من الصور التي تلاحقها في النوم، من رائحة الموت التي علقت بأنفاسها رغم مرور سبع سنوات على تقاعدها. جرس الباب دقّ فجأة. اثنتان. ثلاث دقات. متقطعة. غير صبورة. نظرت إلى الساعة المتوهجة في الظلام: الثانية صباحاً. لم يتوقعها أحد هنا. حتى شركة البريد لا توزع في هذا الوقت، وفي هذا الطقس. اقتربت من الباب بحذر، عينها على ثقب الباب الصغير. الشارع خالٍ، مبلل، تضيئه مصابيح شارع متهالكة ترمش كأنها على حافة الموت. لا سيارات. لا مشاة. فقط ظل شجرة كبيرة تتمايل ككائن حي وسط العاصفة. فتحت الباب ببطء. الهواء البارد اندفع داخلاً حاملاً رائحة الأرض الرطبة وأوراق الخريف المتعفنة. على عتبة الباب، كان الظرف. أسود. سميك بشكل غير مألوف. ليس في صندوق البريد كما هو المعتاد، بل ملقى مباشرة على الأرض الرطبة، في بقعة جافة بشكل غريب كما لو أن المطر تجنبها عمداً. رفعته. كان ثقيل الوزن، فيه صلابة. غلافه من قماش المخمل الأسود، ناعم وبارد تحت أناملها. لم يكن عليه اسم أو عنوان، فقط حرف "م" مطبوع بحبر فضي لامع في الزاوية اليمنى العليا. حرف "م". قلبها تجمد. عادت إلى الداخل، أغلقت الباب وأقفلته بثلاثة أقفال - عادتها القديمة التي لم تتخل عنها. وقفت تحت ضوء المصباح الوحيد الذي ركّبته في المطبخ، تتنفس بعمق. رائحة المكان الجديد - طلاء جديد، خشب، غبار - اختلطت الآن برائحة الخطر القديم الذي تعرفه جيداً. بطريقة ما، قبل أن تفتح الظرف، عرفت. عرفت أن سنوات الهروب السبع قد انتهت. عرفت أن الماضي لم يدفن نفسه. عرفت أن "المعلم" قد وجدها أخيراً.