الفصل 3
زالفصل الثالث: بين الأصوات والظل
حين ارتجت الخرِيبة تحت وقع خطواتها، شعرت ليان أن كل حجرٍ وكل صدأ في الجدران يراقبها ويتنفس معها.
الظلام لم يكن مجرد غياب للضوء، بل حياة أخرى، كيان يراقب الحيّ ويحتفظ بأرواح من ضلّوا الطريق.
سمعت مرة أخرى ذلك الصوت الغريب، الصوت الذي لا يمكن أن يكون من هذا العالم:
> "ليان... أنا هنا... بين ما كان وما سيكون..."
تقدمت نحو الرواق، وكانت أصابعها تلمس الحيطان الباردة، فتسري في عظامها رعشة غريبة، كأن الخرِيبة تعرف كل مخاوفها قبل أن تفكر بها.
ثم لاحظت شيئًا لم تراه من قبل: الظلال على الجدران لا تتبع الضوء، بل تتحرك بشكل مستقل، كأنها كيانات حية، تتنفس، وتفكر، وتنتظر.
دخلت غرفة صغيرة مهجورة، وكل شيء فيها مغبر وممزق، لكن دفتر آخر كان موضوعًا على منضدة قديمة.
دفتر يسرد أسماءً غريبة، كل اسم يلمع بنور باهت، وأمام كل اسم، نقش صغير: "من لا يعود".
كان قلبها يقفز في صدرها، ويدها ترتجف وهي تفتح الصفحات.
فجأة، جاء صوتٌ أقوى وأكثر وضوحًا، كأنه من داخل الدفتر نفسه:
> "ليان... لا تلتفّي خلفك... لا تثقي بالظلال..."
التفتت بسرعة، ولم يكن أحد، لكن الجدار أمامها تكوّر الظلّ فيه، وابتلع جزءًا من الغرفة، كأنها شقّت نفسها داخل شيء آخر، أعمق من الواقع.
تقدمت خطوة، ثم شعرت بالبرد يختلط بالحرارة، والهواء أصبح سميكًا وكثيفًا، يحمل صدى الماضي والحاضر والمصير المجهول.
سمعت أصواتًا أخرى، أصوات أشخاص ضاعوا هنا منذ زمن، كل واحد ينادي باسم ليان بطريقة مختلفة، بعضهم تضرع، وبعضهم صرخ، وبعضهم همس كما لو كان يبوح بسرّ لا يطيقه العالم.
اقتربت من ركن مظلم، وهناك، رأت أخاها، نصفه مختفي في الظلال، ونصفه مشوّه، عيناه تلمعان كأنهما نافذتان على عالم آخر.
> "ليان..." قال، صوته مزيج من الرجاء والرعب،
"إنهم يراقبوننا... الخرِيبة تلتهم من يقترب أكثر..."
وقبل أن ترد، ألقى الظل من حوله صفعة من الهواء البارد، دفعت ليان إلى الخلف، فارتطمت بالجدار.
ثم، ظهر شيء غريب في الزاوية: مرآة مكسورة، لكن انعكاسها لم يكن لها، بل لشخصيات ضائعة، لبعضهم وجوه مشوهة، وأحدهم أخيها كما كان قبل أن يضيع.
حين حاولت الاقتراب، همس الدفتر مرة أخرى:
> "ليست كل الأرواح حية، ولا كل الأحياء ما زالوا في العالم. اختر طريقك بحذر، فإن الطريق الذي تقررينه، سيكتبك أو يحررك..."
تقدمت، قلبها يكاد ينفجر من الخوف، لكنها شعرت بإحساس غريب، كأنها ليست وحدها تمامًا.
الهواء نفسه بدأ يهمس باسمها، كل كلمة ملؤها قوة، ومليئة بتحذير، لكنها أيضًا تدعوها للمضي قدمًا.
وفجأة، صرخ الصوت من جديد، لكن هذه المرة ممزقًا، يتخلله ضحك غامض وغضب دفين:
> "ليان... أسرعي قبل أن يغلق الظلّ باب الزمن عليك! إن لم تفعلي، لن تعودي كما كنت... ولن يعود هو أيضًا..."
وفي تلك اللحظة، فهمت ليان أن الخرِيبة ليست مجرد مكان، بل حالة من الروح والوعي، حيث تصادف الحقيقة الموحشة نفسها، وتختبر كل شعور من الخوف والحب والحنين والرجاء دفعة واحدة.
كانت الأرواح تتشابك، والظلال تتحرك، والدفاتر تفتح أفواهها، والخرِيبة تتنفس حياة من يخطو داخلها.
وسرعان ما أدركت، بينما تقرأ أسماءً أخرى على الدفتر، أن اختيارها التالي لن يحدد مجرد مصيرها، بل مصير كل من فقدوا هنا، بما في ذلك أخيها.
كانت ليان واقفة بين الأصوات والظلال، بين الماضي والحاضر والمجهول، على مفترق طرق لم يعرفه أي حيّ من قبل:
أن تتبع الصوت، وتواجه أخاها بين العالمين.
أم أن تبتعد، وتترك الخرِيبة تبتلع من تريد بلا رجعة.
وكانت تعرف أن أي خطوة، أي كلمة، أي وهم، قد يغيّر كل شيء إلى الأبد.
---