الفصل 2
استغرب الأمر كلّ مِن صالح ومحمود. فبعد أن عاد الجنود تقدّما ونظرا داخل الجرّة، وإذا بها مليئة باللّيرات الذهبية وليس بها ثعبان واحد. وعادا إلى بيتهما.
وبعد ساعاتٍ قليلةٍ حضر الملك وجنوده إلى بيتيّ صالح ومحمود، وسألهما بصوتٍ غاضبٍ: هل صحيح أن الجرّة مليئةٌ بالذّهب؟
قال صالح: نعم يا مولاي!
قال الملك: ولماذا مات الجندي الذي مدّ يده إلى الجرة؟
ردّ محمود: لقد لسعه ثعبان في الجرّة.
سأل الملك: وهل في الجرة ثعابين؟
فردّ صالح: لا يا مولاي. لقد نظرنا داخل الجرّة بعد أن ذهب جنودك فلم نر إلاّ اللّيرات الذهبية.
ولم يستطع الملك أن يفهم ما يقوله الرجلان، فأمر بالتوجه إلى مكان الجرّة.
اقترب الملك من الجرة ونظر إلى داخلها، فإذا بها ممتلئة بالثّعابين. تراجع الملك وصاح: ما هذا؟ ثعابين؟ صحيح ما قاله الجنود.. أنتما كاذبان أتتجرّآن بالكذب علي؟ سيكون عقابكما عسيراً.
تقدّم صالح، وإذا بليراتٍ ذهبيةٍ تملأها.. ليس غير.. فحمل الجرّة بهدوء وقال للملك، الذي كان ينظر إليه مدهوشاً لأنّه يحمل جرةً تملأها الثعابين: يا جلالة الملك، أنظر.. ليس في الجرة ثعابين، ليس فيها سوى ليرات ذهبية
نظر الملك وكاد يُغمَى عليه، إذ شاهد ليرات ذهبية، ومدّ يده وأمسك بليرةٍ ذهبيةٍ وراح ينظر إليها. ثم قال: لا شكّ أن في الأمر سراً كبيراً.. علينا أن نستشير أحد الحكماء..
أرسل الملك يطلب كبير الحكماء إلى القصر، فاستمع هذا إلى كلام الملك ثم قال: هل تعطيني الأمان يا مولاي لأقول الحقيقة؟ أجاب الملك: لك الأمان يا كبير الحكماء!
هنا قال كبير الحكماء: إعلم يا مولاي أنّ الجرّة لا تحوي سوى ليراتٍ ذهبيةٍ، ولكن الطمع هو الذي كان يحوّل الذّهب إلى ثعابين. فعندما كنتم تريدون أخذ الجرّة، كانت تمتلئ بالثعابين، وعندما تعود إلى صاحبيها تعود ممتلئةً ذهباً.
أنصت الملك إلى هذا الكلام وأدرك أنّه لن يستطيع أخذ الجرة لأنّها ستمتلئ عندئذٍ بالثّعابين
وصرف الملك كبير الحكماء والجُند، ونفسه ما تزال عالقة بالجرة والذهب
قال صالح لكبير الحكماء: يا سيدي نريد حلاّ، فأنا لا أقبل الجرة، وكذلك صاحبي محمود، أنا أقول إنّها من حقه، وهو يقول إنها من حَقي
صمت كبير الحكماء برهةً، ثم سأل محمود: هل لك ولد شاب غير متزوّج؟
أجاب محمود: لا يا سيدي، بل عندي فتاة شابة اسمها شمس.
وهنا سأل صالح: وأنت هل لك شاب غير متزوج؟
قال صالح: أجل يا سيدي، اسمه وادي .
هنا قال الحكيم: الآن يمكنني أن أحلّ المشكلة. يتزوّج وادي شمس ، وبهذا تكون الجرة لإبنيكما.
فرح الفلاحان من قلبيهما لهذا الحل، وقبّل أحدهما الآخر وعادا إلى القرية
وأقيمت حفلة صغيرة شاركت فيها أسرتا صالح ومحمود وبذل الجميع أقصى جهودهم لبناء دارٍ صغيرةٍ سكنها وادي مع زوجته شمس .
وأكملت الجدة حديثها: مرّت سنوات وسنوات وكانت شمس تعمل في الحقل إلى جانب زوجها وادي . ورَزَقَهما الله أولاداً وبنات، وظلّ الجميع يتذكّرون أنهم أبناء صالح ومحمود وقد توارثت هذه القرية الصّدق والأمانة والعدالة، ولهذا أطلقوا عليها إسم قرية السّعادة . ولكن لا أعرف مَن الذي سمّاها بهذا الإسم.
سأل غيلان جدته: هل انتهت الحكاية يا جدّتي؟
فقالت الجدة: لا لم تنته يا ولدي العزيز مازال الناس إلى الآن يعتقدون أن الجرّة الذهبية مطمورة تحت التراب، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يبحث عنها، بل على كلّ واحد في القرية أن يحصّل قوته بعرق جبينه، وأنّ الذهب إذا وجده الإنسان في التراب فقد يجعله طمّاعاً أو كسولاً إذ تأتيه الثروة من غير جُهدٍ. كما أنّ الأطفال يا بُنَيّ مايزالون يذهبون إلى وادي شمس ويصيح كلّ واحد باسمه فيجيبه الصدى، فيعتقد الطفل مثلاً أنّ وادي يردّ عليه، وتعتقد الطّفلة أن شمس تردّ عليها.
نام غيلان تلك الليلة ولكنه لم يحلم بالذّهب ولا بالجرة، بل شاهد فارساً على حصانٍ جميلٍ وخلفه عروس بثيابٍ بيض، هُما وادي وشمس، وصاحا بِغِيلاَن: تعال معنا أيها الصّغير
ركض غيلان نحوهما ولكنّهما ابتعدا، وظلّ يركض ويركض ويصيح: وادي.. شمس.. وادي.. شمس..
لكن نوراً دافئاً أيقظ غيلان، فوجد نفسه قرب النّافذة، وضوء الشمس يغمرُ وجهه فرفع رأسه، ونظر من النافذة.
كان كلّ شيءٍ في القرية جميلاً. المروج الخُضر وصياح الدّيك والعصافير وبقرة الجدة والنّاس الذاهبون والآتون، ومن بعيدٍ كان يبدو وادي شمس .