الفصل 2
وبينما كان الأعرابي يضرب في الرّمل، إذ وجد حلْقةً أمام عينيه فأخذها بجماع يديه وراح يشدّ ويشدّ حتى خرجت من الرّمل جرّةٌ حمراء، ساعدته امرأته في إخراجها. وما إن فتحاها حتّى وجدا فيها كنزاً ثميناً. فسُرّ الأعرابي وامرأته بذلك، وقرّرا أن يبنيا قصراً جميلاً في ظاهر المدينة. وهكذا كان.
وبين ليلةٍ وضحاها، راح يرى أهل المدينة قصراً جميلاً يرتفع في ظاهر المدينة. وكان الأعرابي قد أنفق على بناء القصر مالاً كثيراً، فجاء آيةً من آيات فنّ البناء. وبات حديث الغادي والرائح.
عَلِم الوالي أنّ قصراً يُبنى في ظاهر المدينة، فطلب إلى الحرّاس أن يتبيّنوا له أمر باني هذا القصر. فأخبروه إن أعرابياً جاء من الصّحراء وبنى هذا القصر، ذلك بعد أن وجد كنزاً في مكانٍ ما من الصّحراء بدّل مرارة أيامه حلاوةً وفقره غنًى.
شاء والي المدينة أن يرى ذلك القصر، فجاء إليه هو والقاضي. وما إن وصلا إليه والتقيا بصاحبه حتّى عرفا فيه ذلك الأعرابي الفقير الذي أكرمهما تلك الليلة التي أمضياها في كوخه. غير أن القاضي دبّ فيه الحسد، فقال للوالي: سأطلب إليك أن تفعل شيئاً تتبيّن فيه حسن أخلاق هذا الأعرابي من جديدٍ، إذ إنّ الغنى بعد الفقر يبدّل غالباً من أخلاق صاحبه . وتابَع: ما رأيك يا سيدي الوالي أن تذهب إلى قصر الأعرابي وتلتقي به هناك، وأن تخبره أنك رأيت في ما يرى النّائم أنك وجدت نفسك تصرخ: عو عو عو. فإذا قال لك إن هذا الذي رأيت في حلمك كلب، اقتصصت منه .
رضي الوالي بما عرضه القاضي عليه، ثم ذهب إلى القصر والتقى الأعرابي. فاستقبله استقبال الكريم، ودعاه إلى تناول الطعام، فأجابه الوالي إلى ذلك.
وبينما هما يتناولان الطّعام، قال الوالي للأعرابي: لقد رأيت في ما يرى النّائم رجلاً يصرخُ: عو عو عو. وأحبّ أن تفسّر لي ذلك .
فقال الأعرابي: أمّا عوّ الأولى، فمعناها أنه سبحان من رَزَق الطّير في الجوّ. وأمّا عوّ الثانية، فمعناها أنه سبحان من أنار الطريق أمام التّجارة في النور. وأمّا عوّ الثالثة فمعناها لعن الله جار السّوء .
سُرّ الوالي بتفسير الأعرابي وعرف ما كان القاضي يرمي إليه، وكان أن قرّب الوالي الأعرابي إليه وأقصى القاضي عن القضاء بين الناس.