الفصل الثالث: العجوز التي همست...
فهرعت تجري نحو أحد الأكواخ القديمة في نهاية الزقاق، كان كوخًا صغيرًا مغطى باللبلاب، نوافذه شبه مكسورة، وبابه الخشبي يبدو وكأنه لم يُفتح منذ سنوات. طرقت الباب بسرعة، أنفاسها تتلاحق، لكن لم يجبها أحد.
شعرت فجأةً بوجود شيءٍ خلفها. لم تجرؤ على الالتفات، لكن الهواء أصبح باردًا من حولها، وكأن الزمن توقف للحظة. ثم، وببطءٍ غريب، فُتح الباب من تلقاء نفسه، محدثًا صريرًا أشبه بهمسةٍ مخيفة.
تقدمت خطوةً إلى الداخل، وحين رفعت نظرها، رأت عجوزًا تجلس وسط الغرفة، بجوار موقدٍ صغير ينبعث منه ضوءٌ شاحب. لم تكن عجوزًا عادية، ملامحها محفورةٌ بآثار الزمن، لكن عينيها… عيناها كانتا مثل سماءٍ شهدت آلاف العواصف، مليئتين بحكاياتٍ لا يعرفها أحد.
قبل أن تتكلم نيرفان، رفعت العجوز يدها، وأشارت إليها أن تقترب. ثم، بصوتٍ هادئ لكنه ممتلئٌ بيقينٍ غريب، قالت:
"لقد أتيتِ أخيرًا… كنتُ أنتظركِ."
شعرت نيرفان بدمها يتجمد. كيف تعرفها هذه العجوز؟ لماذا شعرت للحظةٍ أن كلماتها ليست مجرد كلمات، بل مفتاحٌ لشيءٍ لا تستطيع فهمه بعد؟
اقتربت بحذر، وسألت بصوتٍ متردد:
"من أنتِ؟ وكيف تعرفينني؟"
ابتسمت العجوز ابتسامةً غامضة، ثم همست:
"أنا من كنتِ ترينها في أحلامك، أنا من كنتِ تسمعين صوتها حين يهمس لكِ التيه… والآن، حان الوقت لتعرفي الحقيقة."
ثم، قبل أن تستوعب نيرفان ما يجري، رفعت العجوز يدها فوق جبينها، وهمست بكلماتٍ بلغةٍ لم تسمعها من قبل. شعرت نيرفان بدوارٍ مفاجئ، وكأن العالم كله بدأ يلتف حولها…
ثم… اختفى كل شيء.