الفصل الاول:حين تولد الغربة...معك
وُلدت نيرفان في ليلةٍ غريبة، لا يشبه سوادها سواد الليالي المعتادة، كان ظلامها كثيفًا، وكأن الكون قرر أن يخفي شيئًا عن البشر في تلك اللحظة. لم يكن هناك قمر، ولا نجوم، فقط ريحٌ خفيفة تحمل في أنفاسها شيئًا لا يمكن وصفه.
حين فتحت عينيها لأول مرة، لم تبكِ كما يفعل الأطفال، بل نظرت حولها بصمت، وكأنها تحاول فهم المكان الذي وُجدت فيه. حتى القابلة التي حملتها شعرت بقشعريرةٍ غير مفهومة، نظرت إلى الطفلة وقالت بصوتٍ منخفض:
"هذه ليست طفلة عادية..."
منذ صغرها، كانت نيرفان مختلفة. لم تكن تلعب كباقي الأطفال، لم تكن تضحك بلا سبب، ولم تكن تبكي لمجرد البكاء. كان في عينيها شيءٌ يثير الفضول والخوف في آنٍ واحد، نظرةٌ لا تناسب طفلة، بل تشبه عيون من عاشوا ألف عامٍ في قلب الحيرة.
كانت تستيقظ ليلاً، تحدّق في سقف غرفتها لساعاتٍ طويلة، كأنها تبحث عن شيءٍ لا يراه أحد سواها. وحين كانت والدتها تسألها عما تفعل، كانت تهمس بصوتٍ واثق:
"أحاول أن أتذكر..."
لكنها لم تعرف أبدًا ما الذي تحاول تذكره.
في المدرسة، كانت تنظر إلى زملائها وكأنهم كائناتٌ من عالمٍ آخر، يتحدثون، يضحكون، يركضون بلا أي شعورٍ بالحيرة، وكأنهم متأكدون من أنهم ينتمون لهذا المكان. أما نيرفان، فكانت تسأل نفسها كل يوم:
"لماذا أشعر أنني غريبةٌ حتى وأنا بين الجميع؟"
وذات يوم، وقفت أمام المرآة، تأملت وجهها بتمعّنٍ، ثم همست لنفسها:
"هل أنا حقًا هنا؟ أم أنني مجرد فكرة في عقل الكون؟"
لكن انعكاسها لم يُجب، فقط نظر إليها بنفس الحيرة التي تملأ قلبها منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم.