الفصل 2
وعندما أنهى زيارته لجميع البيوت التي يعرفها ولا تنفتح الأيدي للعطاء ، ارتمي في حفرة أمام باحة المعلم شيكيه بقي طويلاً بلا حراك ، يتضور جوعاً ، ينتظر المجهول انتظاراً غامضاً ، انتظر في الفناء في الهواء الجليدي ، وتمر أمامه دجاجات سوداء باحثة عن لقمة عيشها في الأرض ، كنت تلتقط بمنقارها حشرات وحبوب ، ثم تتابع بحثها الدقيق .
مراقبة وقرار : كان الجرس يراقبها دون أن يفكر في شيء ، ثم راودته فكرة اخترقت معدته بالأحرى دون رأسه ، أن احدى تلك الدجاجات تكون طيبة المذاق لو شويت على نار الحطب ، ما اعتراه الشك بأنه سيرتكب سرقة ، فأخذ حجراً كان في متناول يده ، وقتل فوراً الدجاجة الأقرب اليه ، ثم دنا من ذلك الجسم الأسود الملطخ رأسه بالحمرة ، حينها تلقى دفعة هائلة في ظهره جعلته يفلت عصيّه ويتدحرج بضع خطوات إلى الأمام .
الغضب : استشاط المعلم شيكيه غضباً وانقض على هذا الذي أغار قاصداً سلبه دجاجاته فأشبعه ضرباً مجنوناً ، كما يضرب الفلاح المسلوب ، مستخدماً قبضة يده وركبته في كل أنحاء ذلك المعاق الذي لم يكن يستطيع الدفاع عن نفسه ، ردوهم وصل رجال المزرعة ، وجعلوا يكيدون اللكمات لهذا المتسول ، وبعد أن أنهكهم ضربه ، لملموه ثم حملوه إلى مخزن الحطب حيث احتجزوه بينما ذهبوا لاستدعاء الدرك .
الدرك : بقي الجرس ممدداً على الأرض نصف ميت والدم ينزف منه والجوع يعذبه ، حل المساء ثم الليل وبزغ الفجر ، لكنه لم يكن قد أكل ، عند الظهر وصل الدرك ففتحوا الباب بحذر متوقعين مقاومة لأن المعلم شيكيه .
كان قد ادعي بأن ذلك المتشرد قد هاجمه وأنه لم يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بشق النفس .
صاح العريف : هيا انهض ، لكن الجرس ، لم يعد يستطيع الحراك ، حاول ولكن لم يفلح ، فظنوا أنه يتظاهر أو يخادع وينوي لهم سوء ، فعنفه الدركيان المسلحان بقسوة ووضعاه عنوة على عكازيه .
الخوف مرة أخرى : غمره الخوف الغريزي من الشرائط الصفراء ، ذلك الخوف الذي يعتري الطريدة أمام الصياد والفأر أمام القط ، وبجهود تفوق طاقة البشر استطاع أن يبقى واقفاً ، قال العريف : هيا ، ثم مشي فتبعه سكان المزرعة بأنظارهم ، وهم يبتعدون كانت النساء يهددن بقبضات ايديهن ، والرجال يهزؤون ويشتمونه ، أخيراً أخذوه وتخلصا منه … يأس وحزن : كان تائه العقل لا يدري ما كان يواجهه ، مرتاعا لا يستطيع فهم ما يجري ، حين كان الناس يلتقون بهم ، كانوا يتوقفون ليروه وهو يمر ، ويتمتمون : لابد وأنه أحد اللصوص .
النهاية والموت : بلغوا مركز المحافظة وكان الليل قد أرخى سدوله ، أما هو فلم يكن قد وصل إلى تلك النواحي في حياته ، لم يكن يقدر أن يتصور ما حدث له ، ولا ما قد يقع ، كل هذه الأشياء المرعبة غير المتوقعة ، هذه المنازل الحديثة كانت تصيبه بالذعر .
لم ينبس ببنت شفه إذ لم يكن لديه ما يقوله ، لأنه لم يعد يفهم شيئاً ، فمنذ العديد من السنين لم يكن يتوجه بالكلام لأحد ، لقد نسي تقريباً استخدام لسانه ، وفكره كان شديد التشويش بحيث يعبر بكلمات ، احتجز بالسجن ، ولم يفكر الدرك بأنه يحتاج إلى طعام ، فتركوه حتى اليوم التالي ، لكن حين أتوه ليستجوبوه في الصباح الباكر ، كم كان عجبهم كبيراً حين رأوه على الأرض جثة هامدة !!.