الرحله الاخيره من صنعاء - 16 والاخير - بقلم قيس غانم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الرحله الاخيره من صنعاء
المؤلف / الكاتب: قيس غانم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: 16 والاخير

16 والاخير

رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء الفصل الأخير آخر طائرة من صنعاء أقبلت المضيفة الألمانيّة في قسم رجال الأعمال نحو الدكتور طارق مخاطبة إيّاه بإسمه وسالته ما إذا كان يفضّل كأساً من عصير البرتقال أم من الشامبانيا. فانبرت جيتا مجيبةً نيابةً عنه "أعتقد أنّه يستحق كأساّ كبيراً من الشمبانيا لأن هذا يوم تاريخيّ في حياته." إبتسمت المضيفة دون أن تدرك ما قصدت جيتا، ولكنّها عادت بكأسين مترعين بالشمبانيا. "صحّتك يا حبيبي!" ورفعت جيتا كأسها في أتّجاه طارق. نام طارقٌ نوماً عميقاً وطويلاً ولم يفقْ إلاّ قرب الهبوط في مطار فرانكفورت. نزلَ الإثنان في فندق الدّانيوب بالقرب من محطّة القطار الرئيسيّة باسميهما الحقيقيين لمدّة أيامٍ ثلاثة كانت من أسعد أيام الحياة بالنسبة للإثنين مليئة بالضحك والسّياحة والأكل والنّبيذ والجنس بدون حدود وكأنّهما في شهر العسل. ولم يحاول طارق أن يتّصل بكندا ولا جيتا بزوجها حتى اليوم الثالث. وكان كولين سعيداً جدّا لسماع أخبار طارق المثيرة بعد فترة من القلق الشّديد على مصيره. "كم أنا سعيدٌ يا طارق لنجاتك من غياهب تلك السجون. لقد كنّا جميعاّ قلقين عليك بما في ذلك لبنى وسمانثا. متى تعود إلى أتاوا؟ أتصوّر أنّك لا تريدُ أن تعود طالما جيتا بجانبك. وعلى ذكر النساء والحب أريد أن أبشّرك أنني وسمانثا قررنا الزّواج!" "واو! هذه إخبارٌ مثيرة وتسعدني كثيراً. هذا يعني انني كنتُ مصيباً عندما سألتكَ قبل مغادرتي متى تريدني أن أعود لكي أحضرَ حفلة الزّواج!" "لا أريد أن أعترفَ بذلك، ولكنّك كنت مصيباً جدّاً. وأريد أن أضيف أن لبنى من بنجلاديش و براين أيضاً قررا الزّواج!" "كيف تمّ هذا؟" "يظهر أنّ الأب قبلَ بالزواج شريطة أن يعتنق براين الأسلام. وبراين ينتظرك لتقوم بعمليّة الختان!" وقهقه كولين طويلاً. بعد تلك المكالمة جلس طارق يفكّر طويلاً ويستعرض حياته وما آلت إليه وما سيحدث في المستقبل ألآن وقد قرّرَ كولين أن يتزوّج سمانثا وكيف سيأثر ذلك على علاقته بهما. وكيف وإلى متى سيبقى عازباً ووحيدا. كم تمنّى لو كانت جيتا عازبة لقضى بقيّة عمره في قمّة السّعادة. كيف لم يستطع أن يحتفظ بزوجته الغربيّة ولماذا لم تقع الأرملة الكويتيّة في حبّه بل تركته وفضّلت العودة إلى بلادها. ثمّ لماذا تآمر القدرُ عليه فحرمه من الأولاد والأحفاد ليبقى وحيداً ويموت فريداً. وها هو موعد الفراق قد حان من جيتا التي كان يعشقها كثيرا ليس لأنّ الممنوع مرغوب كما يقال ولكن بساطتها وأمانتها وعلاقتها المفتوحة مع زوجها نالت أعجابه وسبّبت عشقه لها واين وفي أيّ بقعة من الأرض سيجد جيتا أخرى. في الليلة التي سبقت موعد السّفر وأثناء تحضير الحقائب شاهد طارق وجيتا نشرة أخبار التلفزيون الأوربّي وفوجئا بخبر إنقلاب عسكريّ جديد في اليمن حيث دبّر الأنقلاب الجنرال عبداللطيف السنفاني الذي شغل منصب وزير الأمن القومي والّذي أقنعَه مصطفى العكبري وزير الخارجيّة بإطلاق سراح طارق وتعجّبت جيتا لهذه الصّدَفِ الغريبة. ويظهر أنّ مظاهرات لم تحدث من قبل لمدة ثلاثين عاماً، بدأت فجأة، صغيرة في البداية، ثمّ انتشرت في العاصمة وفي تعز بسبب ارتفاع مفاجئ في الأسعار للمواد الغذائيّة الأساسيّة والبنزين وتدهور قيمة الريال اليمني. ولكن كانت تلك القشّة التي كسرت ظهر البعير بعد سنين من الغطرسة والإستبداد والفساد الذي يقوده ناصر نجل الرئيس والّذي يقود أيضاً سلاح المدرّعات. وطلعت إشاعاتٌ بأن الرئيس يحيى اليماني الّذي أستلم السّلطة في أنقلاب عسكري منذ ثلاثين عاماً، وأعدمَ الرئيس السابق بمسدّسه الشخصي بيده، قرر أن يتنحّى عن الرئاسة ليمتصّ نقمة الشعب، ولكن بتعيين نجله الأكبر ناصر اليماني. ولذا قام الجنرال عبداللطيف بانقلاب لكي يمنع تسليم السّلطة لناصر، خاصّة وأن عبد اللطيف هو الّذي وطّد حكم اليماني طوال تلك السّنين باعتقال كلّ أعدائه وارتكاب عشرات الجرائم، و كان يشعرُ أنّه أحق بالحكم من ذلك الشّاب المدلل. وكان يسنده عدد من الوزراء بما فيهم وزير الخارجيّة الّذي قابل جيتا، وكبار العسكريين خاصّة قائد سلاح الطيران الماريشال خالد الوحش الذي كانت تربطه به صلة قرابة عن طريق الزواج. وكان هذا ضابطاً محنّكا تخرج من الكلّيّة العسكريّة في روسيا. فاصدر الجنرال عبداللطيف السنفاني تصريحاً بانقلاب لصالح الشعب كما قال، يعلن فيه أن مجلساً من ثلاثة أشخاص سيقوم بحكم البلاد لفترة سنة واحدة فقط ريثما يتم التحضير لإنتخابات نزيهة وان الثلاثة هم عبداللطيف نفسه و وزير الخارجيّة وأحد كبار مشائخ الجنوب من منطقة العوالق. وفي نفس وقت ذلك الأعلان عن الأنقلاب كانت مدرعات عبداللطيف قد أحاطت بالقصر الرئاسي في حدّه وصدرت أوامر للرئيس بالأستسلام ومغادرة البلاد مع نساءه العديدات والحرس الخاص الباكستاني. وقطعت كلّ خطوط الأتصالات بين القصر وخارجه. وبدأ الرئيس يفكّر في خياراته، فقد حكم لثلاثة عقود وجمع ما يقدّر بخمسة مليارات من الدولارات تقبع في بنوك سويسرا وأمريكا ناهيك عن العقارات الثمينة في أكثر العواصم الغربيّة. ولكنّ نجلَهُ ناصر لم يتردد في دخول معركة بفرقته من المدرَعات والدبّابات ضد عبداللطيف لأنّ أحتمال خسارته للحكم كان همّه الوحيد وشغله الشاغل. فهرع بطابور أسلحته من منطقة تعز والراهدة في الطريق الجبلي الطويل والملتوي الى قصر والده في صنعاء دون التعرّض لأية مقاومة عسكريّة. وعندما وصل الى القصر كانت مدرّعات عبداللطيف قد أحاطت بالقصر في حلقّة مُحكمة مطالبة الرئيس بالإستسلام ثم المغادرة في طائرتين مروحيّتين كانتا دائما داخل سور القصر تماما تحسّباً لمثل هذه الظروف. أعطى العميد ناصر الّذي تخرّج من الكلّيّة العسكريّة في الأردن أوامره بتدمير طوق مدرّعات الجنرال عبداللطيف واستطاع أن يحرز نجاحاً جزئيّا بسبب توفّر الدّبّابات الحديثة لديه. وتكاثرت الأصابات في صفوف عبداللطيف الّذي عوّل على وجود سلاح الطيران بقيادة الماريشال خالد الوحش ليحمي مؤخّرته. كان ناصر قد اتّصل بتلفون مكتب خالد الوحش حالما سمع عن الأنقلاب لكي يضمن دعمه له في المعركة التي لا ريب فيها ضدّ عبداللطيف. ولكن خالد أمر مساعده بالرّدّ على ناصر لكي يطمئنه أنّه في صفّه وأنه يدين بالولاء للرئيس الّذي عيّنه في ذلك المنصب الحسّاس. ونجح النائب في تلك المكيدة ووعد ناصراً أنه سيطلب من رئيسه المباشر خالد الوحش أن يتّصل بناصر شخصيّا في أقرب فرصة. وفجأة ظهر سربٌ من مقاتلات الميج فوق القصر الرئاسي بعد أن كان عبداللطيف في قلقٍ عظيم لتكبّده خسائر كبرى في مدرّعاته. وخلال دقيقتين فقط تغيّر الوضع بعد إصابات مباشرة في مصفّحات ودبّابات العميد ناصر. ولكن لم يكن أمامه خيارٌ آخر سوى ان يستسلم وبذلك يفقد الرئاسة الوراثيّة التي كان قد عوّل عليها كلّ تلك السنين. وقام ناصر بإعطاء الأوامر مرة أخرى للتركيز على كسر حلقة الحصار حول قصر أبيه، رغم تدخّل سلاح الطيران، مؤمّلا أن تأتي المعونة من السلاح المتوفّر داخل القصر. وبعدها بثوانٍ فقط دوّى إنفجارّ كبير في دبابة ناصر نفسه نتيجة أصابة مباشرة من صاروخ موجّه من أحدى طائرات الميج العشر في سماء المعركة. أرتفع علمٌ أبيض فوق القصر وحاولت مدرّعات ناصر بعد مقتله أن تنسحب من ساحة المعركة واستسلم الآخرون. وأرسل الرئيس المحاصَر مندوبه لكي يفاوض عبداللطيف الّذي رفض أن يستقبله. ولكنّه أرسل مندوبه الى داخل القصر ليبلغ تعليماته للرئيس بمغادرة البلاد في الطائرتين المروحيّتين مع النساء والأطفال وما خفّ حمله. وبعد مشاهدة هذه الأخبار المثيرة على شاشة التلفزيون تعجّب الإثنان من ترتيبات القدَر وكيف انّهما غادرا البلاد قبل هذه التطوّرات الرهيبة بثلاثة أيام فقط وكيف لو تأخرت طائرة لفتهانزا مثلاً ؟ هل كان الجنرال عبداللطيف سيسمح بإطلاق سراحه؟ هل كان سيبقى سجيناَ إلى الأبد؟ وهل كان طه سينفّذ ما هدده به من كوارثَ طبّيّة على دماغه. ولكن عندما دخلا الفراش معاً التحما في قبلة طويلة ثم في كلّ ما لذّ لهما من الاعيب وممارسات الجنس التي تربط الرجلَ بالمرأة وكأنها المرّة الأخيرة. ثمّ ناما كالملعقتين وكفّاه يغطّيان ثدييها الممتلئين. في مطار فرانكفورت أتّجهَ الإثنان الى مكتب لفتهانزا للتسجيل ولكن لرحلتين في إتجاهين مختلفين، شرقاً لها وغرباً لهُ. "ليتني أعيشُ بقيّةَ عمري معكِ يا جيتا!" "ستبقى معي وفي قلبي وفي إحساسي دائماً يا حبيبي" "أريدُ أن أكون في قلبكِ دائماً" "لا تنسَ أنني قادمة مع إريك الى أتاوا في السّنة القادمة. وهو يحبّني وأنا أحبّه أيضاً" "أعلم ذلك. أعذريني لأنانيّتي. كم هو محظوظٌ بحُبّك! وأنتِ أيضاً محظوظة بمتل هذا الزوج الّذي يقدّر ويحترم كلّ ما تريدين" "لا تنسَ أنْ تطمئنني على وصولك. والآن انت ستتجه يميناً إلى بوابة اتاوا وأنا سأتّجه يساراً إلى بوّابة كوبنهاجن. عِدني بأنّك لن تدير رأسك أو تنظر في اتّجاهي!" هزّ طارقٌ رأسه موافقاً وطبع قبلة حارّة أخيرةً على شفتيها ثمّ أنحنى والتقط حقيبته الصغيرة بينما أخرجت جيتا منديلها الأبيض من حقيبتها لتجفف دموعها. إستغرقت الرّحلة الى تورونتو في كندا سبع ساعات طويلة وكان على طارق أن يغيّر الرحلة هناك إلى طائرة أخرى تأخذه إلى مدينته بعد أن يمرّ بقسم الجوازات والجمارك. فكان عليه أن يلتقط حقيبته في تورونتو وأن ينقلها إلى رحلة أتاوا. كانت الطوابير طويلة جدّاً والوقت يقارب منتصف الليل بتوقيت فرانكفورت. وكان طارقٌ منهكاً وفي حالة هبوط نفسي بعد أن فارق جيتا إلى أجلٍ غير مسمّى. ولكنّه وصل أخيراً إلى ضابط الجوازات والجمارك. "ما هي البلدان الّتي زرتها خلال هذه الرحلة؟" "اليمن والمانيا." "ماذا كان الغرض من هذه الزيارة؟" "كانت رحلة عمل." "ماذا تقصد؟" "ذهبت إلى اليمن لكي أشرف على تركيب أجهزة طبّيّة" "هلْ لديك أقاربٌ هناك؟" "لا" "لكنّكَ وُلِدتَ هناك؟" "نعم، ولكن ليس لديّ أي أقارب هناك الأن" "هلْ أحضرت أي قات من هناك؟" "لا ولكنّ معرفتك بالقات تنال الأعجاب" "هل جلبت أي كحول؟" "لا، على كل حال أنا أفضّل نبيذ منطقة شلالات نياجارا" "هل جلبتَ أية مأكولات؟" "لا" "هل أنت متأكّد؟" "قد أكون أحضرت سكّرنبات ولكن هذه لا تعتبر مأكولات" "هذه فعلاً مأكولات!" "ليس حسب معرفتي" "إي شيء يدخل الفم يعتبر مأكولات" ونظر الى طارق نظرة تهديد واحتقار. "هل تعتبر اللبان مأكولات؟ وهل طرف السيجارة بين الشّفتين مأكولات؟" بَحْلقَ الموظف في وجه طارق بازدراء ثمّ ختم الجواز. وأيقن طارق أن الموظّف سيفتّش حقيبته شبراً شبرا وبدأ ينفعل وارتفع نبضه وارتعشت أنامله. عندما وصل الى كاروسل الحقائب المتحرك لمح حقيبته بعلامتها البرتقاليّة تحت حقائب أخرى ولكن لم يكن هناك حمّالون. قال في نفسه: أين الحمّالون عندما تريدهم؟ حاول أن يسحب حقيبته بيده اليمنى من تحت الحقيبة الأخرى ولكنّه لم يستطع. فانتظر الدورة التالية للكاروسل وحاول مرةً أخرى بيده اليسرى هذه المرّة وتمكن من سحبها ولكنّه شعر فجأةً بوجع عميقٍ في ساعده الأيسر ثم شعر بدوخة ودوار وبدأ يعرق من جبينه. ثم وقعت الحقيبة من يده قبل أن يتمكّن من وضعها على عربة الحقائب المتواجدة في المطارات. بدأ طارق يفقد وعيه وفي تلك الثواني القليلة وبينما وقع جسمه على عربة الحقائب سمع صوت الطفل الّذي كان واقفاً بجانبه وهو يقول "ماما، ماما، هذا الرحل العجوز وقع فوق العربه. هل هو نائم يا ماما؟" * * *