الفصل 15
رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء
الفصل الخامس عشر
المعتقل
أوصَلَ أحمد مراد جيتا في سيّارته الى المعتقل لكي ترى طارقاً الّذي كان قد قضى عدة أيامٍ في المعتقل. وكانت حالة العزلة الكاملة من السمع والبصر أسوأ تجربة مرّ بها في حياته أدرك خلالها أنّ طه كان على حقِّ عندما وعده بعذابٍ لا يطاق ولا يترك أثراً يُكتشف فيما بعد. وكانت تلك أوّل مرة منذ سنوات عديدة أجهش فيها بالبكاء ولكنّه تمالك نفسه ولو بصعوبة عندما أدرك احتمال الإختناق بدموعه بسبب عدم مقدرته على فتح فمه. ووجد صعوبة كبرى في تحريك لسانه ليس بسبب إحكام إغلاق فمه فحسب ولكن بسبب جفاف لسانه أيضا مما جعل لسانه يلتصق بسقف فمه وشعر كأنه قد يختنق في أيّ لحظة. ولم يستطعْ أن يتبوّل لأنّ معصميه كانتا في قيد خلف ظهْره.
كان جالساً على سريره لا يرى شيئاً ولا يسمع شيئاً ولا يعلم الوقت وفجأة قفز في محلّه عندما شعر بيد تلمس ثمّ تربت على كتفه ثم سمع صوتا خافتاً جدّا خمّن أنّه صوت علي أحمد الذي أحضر الفطور. وساعده الشخص المجهول على الوقوف ثم قاده عدّة خطوات إلى الأمام ثم أوقفه وبدأ يفتح الزِّرار في مقدّمة البنطلون لكي يجرّ ذكَرَهُ الى خارج البنطلون مما مكّن طارقاً من التبوُّل لأول مرة منذ زاره الرّجلان الأسودان في اليوم السابق. وكان علي أحمد يحاول الإعتذار له بسبب لمسه في تلك المنطقة الخاصّة ولكنّ طارقاً لم يسمعْ سوى تمتمة نائية، ولكنّه شعر بارتياح عميق بعد أن تبوّل وهزّ رأسه عدّة مراتٍ ليعرب عن شكره العميق لعلي أحمد.
بعد تدخّل علي أحمد بقليل جاءت تعليمات من الوزير إلى طه بتحضير المعتقل لزيارة من جيتا. فعاد أحد الرجلين الأسودين إلى زنزانته لإزالة كلّ الأشياء ألّتي استعملاها لعزله عن العالم المحيط به. وعندما أزيل الحزام الّذي غطّى عينيه بَهَرَ الضّوء الخافت في الزّنزانة عينيه في اللحظات الأولى ريثما أعتاد على الضوء ولكنّه حمد الله على تلك النّعمة الّتي حُرمَ منها لساعات كثيرة وبالرّغم من ذلك فقد وجد عودة السمع أكثر أهمّيّة من عودة النظر وحتى هو الطبيب المحنّك لم يكن يتوقعْ ذلك.
كانت تعليمات طه أن يقدّم للمعتقل إفطاراً كاملاً من الخبز والفول والبيض مع إبريق كاملٍ من الشاي وان تعطى له طاولة لكي يتناول طعامه في راحة كاملة. وبعد ذلك يقوم حلاق المعتقل بكل ما يلزم ليحضّره لمقابلة جيتا. كما أعطي ماءً دافئا ليغتسل به. وأعيد معطفه أليه فلبسه ولو أنه كان بحاجة إلى لمسات من المكواه. فرح طارق بكلّ تلك التطوّرات بطبيعة الحال ولكنه لم يعرف السّبب ولم يخبرْه طه به. أمّا علي أحمد فلم يكن يعلم ما يحدث ولماذا ولكنّه فرح للدكتور في قرارة نفسه.
فُتِحَ الباب الحديدي لزنزانة طارق ودخل علي أحمد يتبعه جنديٌّ مسلّحٌ فاقتادا الدكتور عبر دهليزمظلمٍ وطويل ألى غرفةٍ صغيرة في وسَطها طاولة مربّعةٌ مع كرسيّين. امره الجندي بالجلوس على أحد الكرسيّين وبعد فترة بدت طويلة جدّاً لطارق فُتِحَ باب آخرٌ وكاد قلب طارقٍ أن يقفز من صدره عندما رأى جيتا تتقدّم نحوه بخطًى بطيئة في البداية ثمّ ركضاً نحوه. فوقف طارق ليستلمها بين ذراعيه في عناق صامت حار تبعه بكاء متقطّع من طارق ودموع صامتة من جيتا. وكانت سرعة اللقيا قد فاجأت الجندي الّذي أصطحب جيتا إلى الغرفة فلم يستطع أن يتدخل ليفصل بينهما الاّ بعد فترة.
"آه يا حبيبي، ماذا فعلوا بك؟ لا تقلق، لا تبكِ فأنا هنا الآن وسأبقى معك."
وصرخ فيهما الجندي "ممنوع اللمس!"
شعر طارقّ بالعار وبالضعف لأنه لم يستطع أن يتمالك نفسه من البكاء وما كان يرد علي أحمد والجنديّين الآخرين أن يشاهدوه في حالة بكاء أمام إمراة.
"طارق! حبيبي! لا داعي للكلام الآن فانا استطيع أن أتصوّر ما مررتَ به في هذا السّجن المُرعب. ولكن ا رجو أن يكون هذا اليوم الأخير الّذي تقضيه هنا."
"كيف؟"
أستدارت جيتا في كرسيّها وطلبت من الجنود الثلاثة أن يغادروا الغرفة وأن يتركوا طارقاً معها لحديث خاص. ولكن الجندي الّذي أحضرها رفض أن يفعل ذلك.
"لماذا لا تتركوننا لوحدنا فقد حصلت على إذن من الرائد طه بمقابلة المعتقل. ولم يقلْ أن حديثنا سيكون مراقبا من رجالٍ مسلّحين. هذه المراقبة لا تسمح بها منظّمة العفو الدّوليّة."
فأجاب الشاويش المسلّح "و القوانين لا تسمح لكما بالعناق"
"كانت حركة تلقائيّة ولكنّها لن تتكرّر"
"وكيف أضمن ذلك إذا كنتما لوحدكما؟"
"أسمع! لا داعي للسّلاح هنا خاصّةً بعد التفتيش الذي مررتُ بهِ وبعد أن أعطيْتُ موافقة الوزير شخصيّا"
هنا تدخّل طارق عندما اشتدّ الإحتدام وأدرك أن الجندي اليمني لن يسمح لإمراة أن تعطيه الأوامر فقال "طيب، اتركوا علي أحمد في الغرفه لكي يراقب ويتإكّد من عدم اللمس بيننا والأثنان الآخران ينسحبان خاصّة أنت يا قبطان لآنك مشغول بامور أهم من هذه"
وعندها خرج الجنديّان المسلّحان فسالت جيتا: كيف عرفت أنّه قبطان بينما كان زيّه يبيّن رتبة شاويش؟"
"أدري بأنّه شاويش ولكن أردت أن أفخّمه قليلاً لأن الرّجل اليمني لا تسمح له كرامته أن يذعن لأوامر تصدر من إمرأة وكان لا بدّ أن يحفظ ماء وجهه."
"وماذا عن الجندي الآخر؟"
"لا تقلقي بالكِ. هذا علي الّذي ساعدني كثيرا في زنزانتي. وعلى أي حال لا يتكلّم اللغة الإنجليزيّة."
"ليس لدينا متّسعٌ من الوقت. دعني أخبركَ بما حصل" ثمّ أخبرته عن الأتفاق ألّذي وصلت أليه مع مصطفى العكبري، وزير الخارجيّة لتضمن إطلاق سراح طارق.
"كيف يمكنني أن أغيّر شهادتي الطّبّيّة؟ ضميري لن يسمح لي بذلك. واين ستذهبُ العدالة بالنّسبة لمنى؟"
"طارق! اسمعني أنا إمرأة أيضاً - كما اكتشفتَ في جدانسك - هذه البنت لن تجد العدالة في الحالتين، سواءً وقّعْتَ على الوثيقة أم لمْ تُوَقّعْ. بل أنّها قد تختفي كما أختفى آخرون إذا أصرّت على إتّهامها لهذا الضابط، لأنّها لا تستطيع أن تغادر البلاد مثلك. أنتَ تستطيع أن تغادر في رحلة لفتهانزا القادمة، ثمّ تستطيع أن تنشر القصّة وتفضحهم من كندا وأنتَ في أمان. يجب أن تفعل ما يفعله الجنرال في الحرب عندما يقوم بانسحاب مقصود ريثما يعيد ترتيب جيشه ثمّ ينقضّ على العدوّ. يمكنك أن تقول أنّك أخطأت في التشخيص، وهذا يحدث لدى الأطبّاء، اليسَ كذلك؟"
"هل أنت متأكدة يا جيتا؟"
"بدون أدنى شكّ يا حبيبي. أنا أعرف تماماً أنّ ضميرك سيؤنّبكَ ولكنْ هناك فرق بين الضمير الحي والعناد الأعمى"
"ولكن كيف ..."
"آرجوك أن تثقَ في من تحبّك بكلّ جوارحها"
أغمض فاروقٌ عينيه ثم هَزّ رأسه أخيراً بالموافقة.
وكأنّما بصدفة عجيبة حضَرَ الرائد طه في نفس الدقيقة حاملاً في يده نفس الوثيقة ووضعها مع القلم على الطاولة وتحت أنف طارق الّذي وقّعَ هذه المرّة دون أن يقرأ التفاصيل.
"ألمْ أقُل لكَ إنّكَ ستوقّعُ في النّهاية؟" وسحب طه الوثيقة مبتسماً بسخريةٍ واضحةٍ.
كان موعدُ إقلاع طائرة لفتهانزا في ساعة متأخّرة من نفس الليلة، وكانت جيتا قد غامرت فحجزت مقعدين في قسم رجال الأعمال ولكنّ طه رفض أن يطلق سراح طارق وأصرّ على نقله إلى المطار في سيّارة عسكريّة قبيل الإقلاع بساعتين فقط مما سهّل على طارق مشكلة الحصول على فيزا المغادرة المفروضة على كلّ يمنيّ يريد السّفر. أعيدَ جواز السّفر الكندي إلى طارق ولكن دولاراته إختفت، ومسحت كلّ المعلومات من مفكّرته الإلكترونيّة. والتقطت السّيّارة العسكريّة جيتا من فندقها حيث كانت قد ودّعت سائقها الخدوم أحمد مُراد.
* * *