الرحله الاخيره من صنعاء - الفصل 14 - بقلم قيس غانم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الرحله الاخيره من صنعاء
المؤلف / الكاتب: قيس غانم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 14

الفصل 14

رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء الفصل الرابع عشر جيتا وصلت جيتا إلى مطار صنعاء في طائرة لوفتهانزا ألّتي تقوم بتلك الرّحلة مرّتين في الأسبوع. وكان على متن الطائرة عددٌ كبير الألمان الّذين يعشقون المناظر الطبيعية المتميّزة بالرّغم من أخبار اشتباكاتٍ مسلّحةٍ في شمال البلاد. ومن صنعاء تأخذهم الشّركات السّياحيّة في رحلات قصيرة أو طويلة الى مأرب وحجّه وصعده وجبله وتعز وتهامه على البحر الأحمر لعشّاق الشّواطئ الرّمليّة الدّافئة. كان السا ئق أحمد مراد في أنتظار جيتا في مطار صنعاء حسب تعليمات أبن عمّه الكندي عبدالوهّاب مراد. كان في العشرين من العمر ولكنّه لم يدرس سوى الإبتدائيّة والمتوسّطة وبعدها إضطرّته ظروف أسرته الماديّة إلي الخوض في معترك الحياة بالعمل في بناء المنازل والمحلات حيث استعمل عضلاته أكثر بكثير من مقدرته الفكريّة. وأخيراً إستطاع أن يشتري بمعونة الأسرة سيّارة قديمة يشغّلها بمثابة تاكسي بين مدينته قعطبه والعاصمة صنعاء. ولكنّه أستعمل ذكاءه في المطار فكتب إسم جيتا على قطعة من الورق المقوّى وحملها عالياً أملاً في أن تراها. وعندما رأى أمرأة جميلة شقراء تتقدّم نحوه سأل مشيراً إليها بأصبعه "جيتا؟". ومدّت جيتا يدها نحوه بينما كانت تسحب وراءها حقيبة صغيرة على عجلتين فصافحها وهو لا يكاد يصدّق نعومة جلدتها فقد كانت تلك أوّل مرّة يلمس فيها إمراة عدا أمّه عندما كان صغيراً. "أهلاً وسهلاً بِكِ في اليمن يا مدام جيتا." "شكراً يا أحمد. عبدالوهاب يبلّغك التحيّة." "اعطيني الحقيبة." قالها محاولاً أن ينتزعها من يدها. "و لكنّها ليست ثقيلة." "لا لا، أنا الذي سيحملها." وأخذ الحقيبة منها واتّجها نحو سيّارته القديمة بينما حدّق بقيّة الرجال في قسم الإستقبال في الشاب اليمني مصطحباّ تلك الشقراء الجميلة الشيء الّذي ملأه بالزّهو الشديد. وبالرغم من التعليم المحدود الّذي حظا به، إلآّ أن مقدرته على التّفاهم باللغة الإنجليزية كانت أحسنَ ممّا يُتَوَقّع وذلك لأنّه قضى فترة سنة واحدة من دراسة المتوسّطة في تعز حيث توجد هذه الفرص أكثر من باقي أنحاء اليمن. وكان كثيراً ما يحنّ الى تلك المدينة الساحرة وأهلها الحضاريين. وساق أحمد جيتا ألى فندق الملكة بلقيس الّذي وجدته جيتا مريحاً ونظيفاً. في صباح اليوم التّالي إلتقط أحمد جيتا من فندقها وذهب بها إلى مبنى السّفارة الدانمركيّة وأوقف التاكسي خارج السّور ثمّ رافقها ماشياً خلفها في أتّجاه الباب الحديدي حيث رأى كوخاً خشبيّاً فارغاً من الحارس المنتظر، في شكل صندوق مركوز. وما وصل الإثنان اليه حتّى سُمِعَ صراخٌ مرتفع من جنديّ مراهق مسلّحٍ يركض في اتّجاه الباب قائلاً "واو واو الى أين؟ تصريح! تصريح!" ومصوّباً فوهة البندقية ألى صدر أحمد وهو يعبس بوجه ينمّ عن تهديد مفضوح باطلاق الرّصاص. وبينما أصيبت جيتا بحالة من الذعْر بالرغم من أن البندقيّة كانت مصوّبة الى أحمد، تحدّث أحمد مع العسكريّ ببرود شارحاّ له أنّ السّائحة تحمل الجنسيّة الدانمركيّة وتريد أن تزور سفارتها. عند ذلك هدأ الجندي قليلاّ وخفّض فوهة البندقيّة نحو الأرض وبدأ يبتسم أبتسامة معوجّةً جدّاً لآن خدّه الأيمن كان منتفخا بكمّيّة ضخمة من القات حتى في تلك السّاعة المبكّرة من اليوم. وحاول أن يحدّثَ جيتا بالإنجليزيّة ويسألها ما إذا كانت اليمن قد أعجبتها. وبطريقة مسرحيّة سمح لها أن تدخل السّفارة ولكنه حذّر أحمد من الدخول بدون تصريح من "الأمن". لحسن حظ جيتا كان السفيرُ موجودا وقد باشر عمله، ولكنّه دعى جيتا لتشاركه فنجاناّ من القهوة اليمنيّة الّتي إقتبسها الغربُ تحت أسم "موكا". واستطاعت جيتا أن تقص عليه قصّة اعتقال طارق وطلبت معونته في طرق الإفراج عنه. لم يستطع السفير أن يتدخّل دبلماسيّا لأن طارقاً كنديّ، ولكنّه دعى جيتا الى حفلة استقبال في مساء نفس اليوم بمناسبة عيد وطني دانمركي كان قد دعى اليه وزير الخارجيّة اليمني. وفي قرارة نفسه فرح السفير كثيراً بوجود أمرأة جميلةٍ وشقراء بين ضيوفه ووعد بأن يعرّفها على الوزير الّذي كان معروفاَ بحبّه للنبيذ المتوفّر في السّفارات وبالنساء النادرات جدّا في مثل تلك الحفلات الدبلماسيّة. بعد حديثه الطّويل مع طه، قضى طارقٌ ليلةً مزدحمة بالتفكير والأسئلة والقلق والأرق ولم ينمْ أكثر من ساعتين ربما بسبب الأصوات الغريبة الّتي بدأ يسمعها لأوّل مرة ولذا فقد خمّنَ أنّ طه بدأ يشدّ الخناق عليه لكي يرغمه على التوقيع على تلك الوثيقة. وكان قد طلب قلماً وورقة ليسجّل بعض أفكاره وأشعاره في تلك العزلة التامّة ولكنّ طه حرمه من ذلك. ولم يكن لديه جهاز راديو ناهيك عن التلفزيون فكان مصدر أخباره يقتصر على الحارس علي أحمد الّذي كان يزوّده ببعض الأخبار بالرغم من أوامر طه، مقابل بعض النصائح الطبّيّة. لم يكذب طه عندما هدده بتضييق الخناق عليه وبالتعذيب. فبعد وجبة الغداء المكوّنة من طاس من الشّربة، حضر زنزانته زائران أسودا اللون طويلان بعضلاتٍ ضخمة. غطّى كلٌّ منهما وجهه بقناع يخفي كلّ معالم الوجه بينما كانت العيون محجوبة بالنظّارات السوداء. والحقيقة أنّ طارقاً بدأ يتخيل أصناف التعذيب الممكنة على أياديهما ووجد ذلك الطّمس الكامل لشخضيتهما مقلقا جدّا لأنّه كان يريد أن ينظر الى من يعذّبه وجهاً لوجه وان يعاتبه ولو بصمت كامل. وعندما لم يستطع ذلك بدأ يقنع نفسهُ أنّه سيعرف الجنسيّة من اللهجة فهو خبير في اللهجات بسبب أسفاره الكثيرة. ولكن حتى هذا لم يكن ممكناً لأن الإثنين لم ينطقا بشيء أبداً واعطيا التعليمات لطارق بلغة الحركات. أخرج واحد منهما كرتين صغيرتين من المطاط وسد بكلّ كرة فتحة الأذن بحيث منع أي أصوات أن تصل إلى طارق. ولاحظ طارق عندئذٍ أن اي صوت منبعث من حنجرته، مثل البلع، زاد حدّةً. ثم عصب عينيه بشريطٍ عريضٍ من المطّاط وأخيرا ربط شريطاّ مطّاطيّاً آخر حول فمه فلم يستطع اي كلام بعد ذلك ولكنّ فتحات الأنف تُرِكتْ مفتوحة ممّا طمأن طارقاً أنه لم يحن قتله بعدُ. ولكنّه أدرك تماماً ولأوّل مرّة درجة العزلة الكاملة الّتي عذّب بها السجناء الّذين نُقلوا من أفغانستان الى زنزانات جوانتانمو. ولم يعرف طارق متى ترك الرجلان زنزانته بعد أن وضعا قيدا حول معصميه خلف ظهره. بالرغم من كلّ ذلك أستطاع أن يمشي بخطوات قصيرة خوفاً من الأصطدام بالحائط أو السّرير حتى رفس رجل سريره وعند ذلك جلس عليها ثم أمتد محاولاً النوم. بدأت فكرة الأنتحار بضرب رأسه بشدة على الحائط لأنّ الشعور بالإنعزال كان مخيفا جدّا ولكنّه عدل عن ذلك لأنه لا يستطيع أن يضمن النتيجة وهو مربوط بتلك الطريقة ولأنه اراد أن يحرِمَ طه من حلّ بسيط للمشكلة. وبينما كان في انتظار الإنقاذ والخلاص عن طريق الخلود للنوم بدأ يهدّئ من رعبه بقراءة أيات من القرأن كان قد حفظها أثناء طفولته، ولم يكدْ يصدّق وهو الرّجُلُ العلماني كيف سرتْ الطمأنينة في قلبه فاستطاع أن ينام. كانت السفارة الدانمركية في منطقة حدّه، المنطقة الراقية والأوربّيّة في تلك المدينة الجميلة المتميّزة بمبانيها القديمة النادره. بدأ الضيوف في التوافد اليها بعد المغرب بقليل، خاصّة الأجانب منهم الّذين أعتادوا مع مرور الزّمن على تأخّر اليمنيين في كلّ مواعيدهم. وكانت جيتا بينهم عندما استقبلها السفير مرة أخرى بحرارة وقدّم لها كأساً من النبيذ الأبيض الإيطالي. وحضر بعد ذلك عددٌ من أعضاء السّلك الدبلماسي من بلدان آسيويّة وأفريقيّة مصطحبين زوجاتهم في معظم الحالات باستثناء الدبلماسيين العرب الّذين قلّما يحضرون مع النّساء. وحضر أيضاً عدد من العسكريين اليمنيين ذوي الرتب العالية قبل وصول وزير الخارجيّة مصطفى العكبري الّذي كان وصولُه في أحدث موديل من المرسديس الأسود مسرحيّا حيث سبقته سيّارة عسكريّة قفز منها جنديان مدججان بالسّلاح لكي يفتحا أبواب المرسديس الخلفيّة من الجهتين لكي يخرج الوزير من الحهة الّتي يفضّلها. وكان قي انتظاره في باب السفارة أحد موظفيها الّذي اصطحبه في أتجاه صالة الحفلة ولو أنّ السّفير كان أيضاً في طريقه ليستقبل الوزير. كان رجلاّ قصير القامة، نحيف الجسم باستثناء الكرش البارز، أسمر البشرة، جاحظ العينين دون أيّ وسامة. وسرعان ما خفتت أصوات الحديث حالما دخل الصّالة وبدأ السفير في تقديم عدد من الضيوف إليه فقابلهم ببشاشة بالغة. وهرعَ بعد ذلك موظّفو وزارة الخارجية و يمنيّون آخرون لتحيّة الوزير الّذي قابلهم بشيء من البُرود. وعندما جاء دور جيتا كان اهتمام الوزير واضحاً جدّاً إذ بقي معها فترة طويلة وكان المسؤول عن المشروبات قد حملَ أليه كاساً مليئا بالنّبيذ الأحمر من أسبانيا، حسب تعليمات مسبقة من السفير الّذي كان يعرف ما يفضّل مصطفى العكبري معرفة وثيقةً ناتجة من خبرة ثلاث سنين عرفه خلالها. كانت جيتا في قمّة جمالها في تلك الليلة فقد تعمّدت أن تلفتَ إنتباه الوزير بشعرها الصقيل الأشقر وثوبها الضيّق قليلاً الذي كشف عن جزء وفير صدرها وذلك الشّقّ العميق الّذي يسترعي انتباه أكثر الرّجال. وما أن اختلى بها عندما تركهما السفير مدّعياً أن عليه أن يجامل بقيّة ضيوفه حتى انهال الوزير عليها بأسئلة كثيرة عن كلّ شيء. "كيفَ وجدتِ اليمن يا جيتا؟ أرجو أن تكون أعجبتك؟" "بدون شكًّ ولو انني وصلت لتوّي في زيارة قصيرة ولا بدّ أن أعود مع زوجي قريباً." "أنت هنا لوحدك؟ لا هذا لا يمكن. لا بد أن نساعدك على استكشاف صنعاء وجبالها ومزارعها وعنبها وقاتها. هلْ جرّبتِ مضغ القات؟" وضحكَ. "حتى الأن لا، ولكنّي أسمع عنه الكثير." "القات هذا الأسبوع عليَّ." ورفع كأسه يحييها، فرأت خاتماّ جميلاً في أصبعه به فِصٌّ كبير كتبت عليه كلمات عربيّة مزخرفة. "هذا خاتم جميلٌ لم أرَ مثله من قبل. ماذا تقول هذه الكلمات؟" "تقول: وإنّ غداً لناظره قريبُ. هذا بيت شعرٍ معروف" "رائع!" "والدي هو الّذي أعطاني هذا الخاتم منذ عشرات السنين." "هل كان شاعراً؟" "لا ولكنّي أحبُّ الشعرَ وحاولت كتابته في شبابي." "وماذا كتبتَ؟" "في الغزل ... والمرأة طبعاً فحيثما تكون المرأة يكون الغزل. أليس كذلك؟" قالها ووضع راحة كفّهِ على ظهر يدها. "ولكن هذا يعتمد على شخصيّة الرّجُل." رفع مصطفى رأسه قليلاً ليعاين بقيّة الحاضرين وخفض صوته قائلاً "الجمالُ لدى المرأة تراه العين من بعيد، ولكن جمال الرجل لا يظهر بوضوح إلاّ بالخبرة وعن قرب." "أنت رجلٌ عذب الحديث ولربما التقينا لحديث آخرٍ في يومٍ من الأيّام." " في يومٍ من الأيّام! لا تنسي ما كُتِبَ على الخاتم! وإنّ غداً لناظره قريبُ." "على ذكر الغد، معالي الوزير، أريد أن أزور أحد أصدقائي غداً هنا في صنعاء. وهو مثلك يتذوّق الشعر." "شاعر؟ أنتِ تعرفين شاعراً هنا في صنعاء؟ هناك مئات الشعراء في صنعاء أن لم يكنْ ألوف. من هو هذا الشاعر؟" "إسمه طارق." "ولكنّكِ قلتِ لي إن هذه زيارتكِ الأولى هنا؟" "صحيح، ولكنّي قابلته في أوربا... وهو يعيش في كندا ولكنّه جاء هنا لتركيب بعض المعِدّات الطّبّيّة لوزارة الصّحّة وبعدها يعود إلى كندا. والمفروض أن أزوره في كندا مع زوجي." "أين ستقابلينه؟" "هذه هي المشكلة التي يمكنك أن تساعدني فيها لأنّه في أحد سجونكم هنا وكلّ ما أريد هو دقائق قليلة فقط." "وماذا صنع لكي يزَجَ به في السجن؟" "هذه هي المهزلة لأنّه طبيب محترم في كندا من أصلٍ يمني. ونحنُ أصدقاؤه نريد أن نعرف لماذا. حتّى منظّمة العفو الدّوليّة تبحث عنه. أنا لست من كندا ولكنّي رئيسة الفرع في الدانمرك الّذي ينسّق مع مكتب لندن، كما تعلم بصفتكَ وزير الخارجيّة. وطبعاً الفروع المختلفة تتبادل المعلومات." عند سماع إسم منظّمة العفو الدّوليّة تغيّرت فجأةً سُحْنة الوزير وأدرك خطورة المسألة ولو أنّه كان لا يريد أن يتدخلَ في بداية الأمر. ولذا وعدَ جيتا بأن يبث في الأمر ثم أن يكلّمها بالتلفون في اليوم التّالي مضيفاً "ولكن بشرط أن تقبلي دعوتي للعشاء، مع كأسٍ من النّبيذ؟" وغمزَ لها. "هذا من كرمكَ، معالي الوزير. لا شك أنّ وقتكَ مِن ذهب لكن يشرّفني أن أقبل الدّعوة." كان الوزير مصطفى العكبري أوّل من غادر الحفلة بعد أن أفرغ ثلاثة كؤوس من النبيذ اللذيذ في كرشه الكبير بالإضافة الى عدد من قطع الروبيان المشوي الذي يصل صنعاء من مدينة الحديدة على البحر الأحمر. أصطحبه السفير الى سيّارته حيث وقف الجنديّان المسلّحان للحراسة ثمّ تسابقا على فرصة فتح باب السّيّارة للوزير. كان الوزير صادقاً في وعده لجيتا، ربّما لأنّه أراد أن يستبقَ أيَ تدخّلٍ من منظّمة العفو الدّوليّة، فاتّصل تلفونيّاً بوزير الأمن القومي عبد اللّطيف السنفاني في منزله حيث عاد من حفلة عرس لأحدِ أقاربه فكان في مزاج ٍرائق. وكان ذلك من حسن حظّه لأنه يعرف جيّداً أهمّية عبداللطيف في مجلس الوزراء وما هو أهم من ذلك، في القوّات المسلّحة. وكان يفترض أن عبداللطيف قد جمّع سلسلة طويلة من الفضائح والمخالفات التي إرتكبها خلال حياته، وما أكثرها! وكان قد قرّر أن يستفيد من مركزه الّذي لم يكن مؤهّلاً له كونه تخرج من كلّيّة مختبراتٍ طبّيّةٍ ليس لها أية علاقةٍ بالدبلماسيّة أو السّياسة، وأن يستقرّ في كندا بعد أن يجمع عشرة ملايين من الدّولارات، خاصّة وأنّه يمتلك عقارا ثمينا في كلٍّ من كالجاري واتاوا وهاليفاكس. على الأقل سيضمن بهذه الأموال الطائلة تقاعداً هنيئاً ولأولاده فرص الدّراسة الغربيّة. "السّلام عليكم ورحمة الله يا أخي الكريم. معكم مصطفى..." "وعليكم السّلام ورحمة الله. حيّا الله مصطفى. كيف الحال؟" "الحمد لله على نعمته وكيف أنتم؟ والله مشتاقون." "ما معكم من أخبار؟" "والله كنت أريدُ أن أسألك عن أمرٍ مهمٍّ ولكنْ قد يكون محرجاً واعتذر مقدّما إذا تدخّلتُ في ما يخصّ وزارتكم وكنْ على ثقةٍ أنني لنْ أتدخّل في أمور أهمّ وزارة في الدّولة ...مباشرةً بعد ألأفندم نفسه." "أو ربما بعد وزارة الماليّه؟" "لا لا أبداً. السّلطة هيَ الّتي تجلبُ المال." "ولكنّ المال يشتري الّسلطة." "على كلّ حال، يا أخ عبداللطيف وصلتني أخبار عن طبيب كندي ولكن من أصلٍ يمني موجود في أحد سجونكم في الأمن. قد تكون سمعت عن أسرته، اسرة مثقّفة من الجنوب كثيرة كلام ولكن بلا نفوذ ولا مال. هل سمعت عن هذا؟" "طبعاً وإلاّ كيفَ أكونُ وزيراً للآمن؟" "معذرةً يا أخي الكريم على هذا السّؤال. خمّنت أنّ الخبر لمْ يصلكَم بعد." "هذا رجلٌ مجنون! تصوّر أنّه إتّهَمَ إبن إبن عمّي باغتصاب بنت! لا أدري كيف عرفَ وهو خارج البلاد في ذلك الوقت. كما تعلم، الشريعة تصرّ على شاهدين من الرجال. هذه تهمة خطيرة ضدّ فردٍ من أسرة عريقة وشريفة ..." "نعم نعم يا أخي الكريم، اسرتكم في قمّة الأسر الشريفة، وكل اليمنيين يعرفون ذلك. ولكن هل رأيت هذا المجنون؟" "طبعاً لا، هذه الأمور أتركها أنا للموظفين الصّغار." "ومتى تنتظر النّتيجة؟" "عندما يعترف." "يعترف بماذا؟" "يعترف بجريمته، بأكاذيبه، بتصانيفه." "ولكن ماذا أخترع من قصّة؟" "يظهر أنّهُ فحص بنتاً متبرّجةً في حالة نفسيّة وقرّرَ أنّ أبن إبن أخي أغتصبها ... ويقول أغتصبها .. من وراء! والأن عليه أن يغيّر هذا التشخيص إذا كان يريد أن يعود إلى كندا." "لكنْ يا أخي الحبيب قد بدأوا يفتّشون عنه." "منْ يفتّش عنه؟ ليس لديه أسرة أو قبيلة هنا. هؤلاء جماعة عدن ليس لديهم قبائل. عنده فقط بنت عم ولكنّها محامية من درجة ثالثة وعلى أي حال هي موظّفة تعملُ لدينا." ولكنّ رئيسة منظّمة العفو الدّوليّة في الدانمرك هنا في صنعاء و تبحث عنه. تقول إنّها تعرفه شخصيّاً. يظهر أنه متّعها في ليلة من اللّيالي! ربّما تريدُ أن ترُدّ له الجميل . . . وعلى ذكر الجميل، الحقيقة هيَ انّها جميلة جدّاُ." "كيف تعرفها؟ وأينَ رأيتها؟" "كانت في حفلة في السّفارة الدانمركية ليلة أمس وطلبت مني المساعدة لكي تزور هذا الدكتور. لا أعتقد انها تريد أن تسبّبَ أيّ مشاكل، وإنما تريد أن تطمئن عليه وتساعد على إطلاق سراحه طبعاً. ولكن إذا حصل له شيء سنذهب في داهيه." "هذا كلام فارغ! هل تظنّ أن هؤلاء الكفّار يهتمّون بيمنيّ؟ إلاّ إذا صار كافراً مثلهم؟" "هذا الشّخص كما فهمت رجلٌ أكاديميٌّ علمانيّ لا يهتم بالأديان بأنواعها. ولكنه طبيب يعمل في كندا في العاصمة وقد يكون يعرف وزراء أو أعضاء برلمان هناك ويحمل الجواز الكندي ومصيره سيكون مراقبا من قبل الصحافة هناك وقد أتّهمونا بالتّواطؤ مع القاعدة، وحتى لو كانوا غير مهتمين به شخصيّا سوف يستعملون القصّة في الدعاية التي يبثّونها ضدّنا." "بالله عليك هل تعتقد أن سيكونَ ردّ الفعلِ سيّئا لو إختفى هذا الصعلوك؟" "إختفى؟ ما هوهذا الكلام عن الإختفاء؟ هذا لا يمكن أن يحدثَ بسهولةٍ هذه الأيّام. الم تسمع بقصّة الرجل السّوري الّذي أضطرت سوريّا أن تطلق سراحه؟ ثم أنه جاء الى اليمن بغرض تدشين أجهزةٍ طبّيّة حديثة لصالح الشّعب فكيف يمكن أن نلصق عليه تهمة إرهابي. العالم سيسخر منّا يا أخ عبد اللطيف." "طيّب! نستطيع أن نجد تهمة مختلفة." "مثلاً؟" "أنّه حملَ الخمور الى البلاد، أو أنّه هو الّذي إغتصب البنت، أو أنّه جاسوس؟" "يا أخ عبداللطيف أرجو أن لا تكونَ جادّاّ في هذا الكلام. من سيصَدّق هذه التّهم؟ وإذا سمع الأفندم هذا الكلام قد ينقلب عليك وأنت الشخص الثّاني بعده ... هذا إذا لم يعرقلك إبنه الذي هو بالمرصاد. فلماذا يا أخي الحبيب لا تحاوروه وتطلقوا سراحه مقابل اعتراف منه بانّه تسرّع في التشخيص او لم تكن لديه المعلومات المتكاملة أو الأجهزة اللازمة لفحص الأجزاء التناسليّة لدى البنت." "رفضَ أن يعترف! قد حاولنا ولكنه عنود ومتغطرس ولا يستجيب إلاّ للعنف." "ولكنْ هنا يأتي دور الشقراء الدّانمركيّة التي تحمل له الجميل لما فعل بها في تلك الليلة وهو نفسه عندما يقابلها سيوقع أي شيء ليكرر تلك الليلة معها. صدّقني، واترك الأمر مع صديقك الوفي المخلص لك منذ زمان طويل والّذي سيحلّ لك هذه المشكله والّذي كان يصول ويجول من البنات الأمريكيّات في شيكاجو أثناء الدّراسة – آه لو تدري ما كنّا نفعل!" "طيّب! أنا في أنتظار الخبر منك بعد أن تتحدث معها. في هذه الأثناء سأتّصل بالسجن وأتحرى ماذا تمّ مع هذا الرجل الّذي يعمل من نفسه كندياً ويحتقر اليمنيين." في صباح اليوم التالي تلفنَ مصطفى جيتا واطلعها على حديثه مع وزير الأمن القومي وأقنعها أن نافذة التفاهم على هذه المشكلة ضيّقة وأن الحاجة للتدخّل من قبَلِها أصبحت ماسّةً. "معالي الوزير، أنا شاكرة لك هذا المجهود الجبّار وأعتقد ... عفواً أردت أن أقول وأعرف تماماً أنني أستطيع أن أقنع الدكتور بالتّعاون وإذا كان هناك من يستطيع ذلك فهو أنا." "صحيح؟ ما كنت أدري أنكِ تعرفينه بهذه الدّرجة؟" قال يستدرجها. "نعم، أعرفه بهذه الدّرجة... وربما سأعرفكَ أيضاً يا مصطفى، وما زلت أتذكر بيت الشعر المخطوط على خاتمك الجميل." "إذن، على هذا الأساس سأطلب من صديقي عبداللطيف – تدرين نحن من أقرب الأصدقاء منذ سنين طويلة – سأطلب منه أن يسمح بالزّيارة في أقرب وقت وبعد ذلك سنحتفل، أنا وأنتِ, بهذا النّجاح. إتفقنا؟" "مرّة أخرى شكراً جزيلاً. أنا مدينة لك معالي الوزير." في نفس اليوم إستلم مصطفى رسالة عاجلة من عبداللطيف تطلب منه الحضور الى منزله بعد الغداء مباشرةً، مما أشعره أنّ صديقه قد أذعن لنصيحته، وهو الّذي لا يذعن لأحدٍ سوى الرئيس. فهرع مصطفى اليه وبعد التحيات الطويلة اللأزمة بدأ عبداللطيف: "يبدو أن هذا الدكتور شخصٌ مهم. أوّلاّ أنت أتّصلت بي بخصوصه. بعد ذلك تأتي مديرة منظّمة العفو من أقصى المسافات واليوم أتصَل بي عبدالله علي سيف الخامري، وزير التّجارة، قائلاً أن الدكتور جاء هنا في مهمة عن طرف شقيق زوجته الليبي صاحب صفقة المعدّات الطّبّيّة! أنا أدري أنه متزوّج من تونسية أو ليبيّة ولكن لم أسمع عن هذا التاجر وهو أيضا ليبيّ وكنديّ في نفس الوقت. هل تعرفه أنت؟" "لا لم أسمع به." "تحدّثت مع الرائد طه المسؤول عن المعتقل، وقال أنّه فشل في الحصول على توقيع هذا الدكتور ولكن وعد بالنّجاح لأنّه بدأ في التعذيب الأن! هذا الرائد يستحق الطّرد وسوف أستبدله بمدير أعنف لنحصل على نتائج سريعة. على كلّ حال دعَوتك الى هنا لكي تبلّغ الشقراء - الّتي تحاول أن تركبها ولا شك - ان تذهب إلى المعتقل اليوم لأنني أعطيت طه الأوامر بالسّماح لها بزيارة نصف ساعة فقط." "والله يا أخ عبداللطيف أنا شاكرٌ ومقدّرٌ هذا التعاون ولن أنسى لك هذا الكرم وهذا الجميل وربّنا يعطيني الفرصة أن أخدمك بكلّ الوسائل وبكلّ ما تأمرني في المستقبل. أيّ ساعة؟" "أترك هذا لكم. ولكن أنا في إنتظار نتائج وهذا يعني توقيع الدكتور." "لا تقلق. لن ترى إلاّ ما يرضيك." * *