الفصل 9
رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء
الفصل التاسع
التفتيش
في مطلع الفجر صحا بوريس في رُعبٍ على أصوات أذان الفحر المتلاحقة مع فارق ثوانٍ بين الأذان والآخر من المساجد المجاور فقد كان مكبّر الصوت قريباً جدّا من الفندق وكانت تلك مباغتة جديدة بالنسبة لبوريس الّذي أسرعت ضربات قلبه قبل أن يدرك مصدر الصوت المباغت. أمّا طارق فقد أعتاد على ذلك في صغره بل أنه كان يحب سماع الأذان كلّما كان صوتُ المؤذّن رخيماً وقبل أن تخترع مكبّرات الصوت الضخمة الحديثة. ولكن عدم توافق الأذان من المساجد المختلفة أزعجه وتمنّى لو كانت توزّع بطريقة الكترونية على جميع المساجد كما يحدث في بعض مدن الخليج كما لاحظ في إحدى زياراته هناك.
عندما نزل الإثنان الى مطعم الفندق أخبرهم الموظف أن سيّارة التاكسي تنتظرهم خارج الفندق. ولدى باب المطعم كانت روائح القهوة والفول المدمّس والثوم في الأنتظار لتملأ الأنوف وتحفز الشهيّات. وكالعادة قوبلا بابتسامات الجرسونات العريضة والتحيات والمصافحات الّني فاجأت بوريس.
"أما قلت لك عن هذه المصافحات؟"
"نعم شكراً لك أنّك حذّرتني. الحقيقه هي أنّها شيء جميل وأعجبني في النهاية."
"لو بقيت هنا لفترة أطول لأصبحتَ يمنيّا بسرعة! بعد قليل سوف تتعلّم كيف تقبّل كلّ من تقابل من الرّجال ثلاث مرات في الخدود."
"إلاّ هذا! أرفض أن أقبّل الرجال ولكني على أتمّ استعداد لتقبيل كلّ النّساء في الخدود وفي غير الخدود!"
"إذا فعلت ذلك هنا لن تعود الى بولندا سوى في تابوت مغلق!"
وريثما بدأ الإثنان في تناول طعام الإفطار اللذيذ قال طارق "على ذِكر القبل دعني أقصّ عليك حكاية صديقي عُمَرْ عبدالجبّار. ففي زيارة سابقة لصنعاء أخذني هذا الصديق لزيارة أحد الشيوخ المهمّين في هذه المدينة لأنّه والد صديق له في سنّه وكنت أنا أعرف هذا الصّديق لأنّه طبيب مثلي. دخل عمر غرفة الإستقبال الكبيرة في منزل الشيخ وكنت أنا خلفه بخطوة. كان الشيخ يلبس قميصاً ناصع البياض وعمامة مذهّبةً وكان قد صبغ لحيته بالحنّاء وبدا في حلّة من الوقار جالساً بقرب المدخل. وكان عشرات الزّوّار يجلسون في مربّعٍ كبير قرب حيطان القاعة الأربعة. ووقف الشيخ احتراماً لعمر وتبادلا القُبَلَ الثلاث التي ذكرتها لَكَ. وكان ولد الشيخ، صديق عمر الشخص الثاني في الصّفّ فدخل عمر في نفس القبل ثلاث مرّات مع صديقه فعندما وصل إلى الشخص الثالث الّذي لم يكن يعرفه مطلقاً اضطُرّ أن يعيد الكرّة و هكذا مع بقيّة الحاضرين. وكنت أنا خلف عمر ولكنّي إكتفيت بمصافحة الشيخ ثم أبنه الدكتور وكررت المصافحة مع كل الأخرين. وأخيراً وصلنا نهاية الطابور فقعدنا في مقعدين قريبين من الباب.
فقلت له "والله انا معجب بما لديك من أصدقاء قريبين!"
فردّ عمر "هل تصَدّقُني إذا قلت لكَ إن الشيخ وابنه هما الوحيدان اللذان قابلتهما من قبل، أما الآخرون فلأوّل مرة الآن!"
"وعندما تتجمع أعداد كبيرة بهذا الشكل عمّ يكون الحديث؟"
"هذه هي المشكلة لأنّه لا يمكن الحديث الجاد او النقاش المثمر لعدم معرفة الناس ببعض وعدم وجود الثقة ولذلك لا يزيد الحديث عن التحية والسؤال عن الحال وترديد هذه العبارات الجوفاء"
"إذن أرجوك أن لا تأخذني الى هذه الأماكن."
"ولكن هذا النوع من الإجتماعات لا يقتصر على اليمن بل هو شائع في المجتمعات العربية كلّها. فمثلاً كنت في زيارة لمدينة في الإمارات فأخذني إبن عمّي الى مجلس أحد أعيان ألمجتمع هناك بمناسبة العيد وكان في المجلس ما يقارب خمسين رجُلاً إذ كان صاحب المنزل قريباً من الأسرة الحاكمة. وكان الحديث تافها كما شرحت عن صنعاء مع فارقٍ في أداء التحيّة ألا وهو أنّ الضيوف المحلّيين كان عليهم إضافة أن يقبّلوا أنف هذا الشيخ المهم – كلٌّ بدوره!"
"على الأنف؟ أنتَ تمزح طبعًاً؟"
"كلاّ بل هي الحقيقة. هذا نوع من المبالغة في التحية لسيّد القوم. وكان المنظر كوميدياًّ أحياناً عندما يكون فرق الطول شاسعاً بين الرّجُلين."
"أرجو أن لا تنتقل المكروبات والفيروسات بهذا الشكل!"
"يالله دعنا نذهب لكي ننهي عمليّة التفتيش فأمامنا مهمّة شاقّة وطويلة."
أخذ سائق السّيّارة الإثنين الى ساحة واسعة تابعةٍ لوزارة الصّحّة بعد إجتيار عددٍ كبير من نقاط التفتيش حيث تمركز عدد كبير من الجنود المدجّجين بالسّلاح والّذين كانوا يصوّبون بنادقهم عمداً الى وجه السّائق ريثما يستجوبون كل الركّاب حسب مزاجهم مكشّرين عن أنيابهم دون أيّ سبب.
عند الوصول قال بوريس "لاحظت أن هؤلاء العساكر رغم شراسة سلوكهم يعاملونني بلطف كبير. كنت أنتظر العكس خاصّةً وأنت الطبيب المشهور بيننا؟"
"ملاحظتك في محلّها فهذا هو شأنُ العرب في كلّ مكان وفي كلّ زمان، يعبدون الأجنبي - طبعاً الأجنبي الأبيض - ويحتقرون يضطهدون العربي والأسود!"
"ولكنّي لا أفهم لماذا؟"
"لو عشتَ هنا فترةً لعرفت السّبب. هم يرون أبناء بلادهم الأقوياء يضطهدونهم ويحتقرونهم ويستغلّونهم بينما تأتي المجموعات الغربيّة من منظّمة حقوق الإنسان والأمم المتّحدة وأطبّاء بلا حدود لكي تدافع عن الشعب فلا غرابة! ولكنّهم ينسون ما صنعت بهم بريطانيا وفرنسا في القرن العشرين وحتى الآن. ألم يقل الشّاعر المصري ’أمّةٌ قد فتّ في ساعِدِها بُغْضُها الأهلَ وحُبّ الغربا؟’"
"انتَ تذكر الشعر كثيراً أثناء الحديث. هل تقولُ الشّعر أيضاً؟"
"نعم ,لكنّي شاعرٌ مُقِلٌّ. على أيّ حال يجب أن تعلمَ أنّ كُلّ العرب يتخيّلون أنفسهم شعراء." قالها ساخِراً.
في داخل ساحة وزارة الصحّة وجد الإثنان مستودع المعدّات الطّبّيّة تحت حراسة مشدّدة ومرّة أخرى تعرّض الإثنان لأسئلة العساكر الّذين لم يسمحوا للأجانب بالدخول حتّى تدخّل موظفٌ كبيرٌ ونجح في إقناعهم بذلك. كان عددُ صناديق الشّحن كبيراً ولذا إختار بوريس وطارق عدداً منها عشوائيّا على إفتراض أن أي نقص أو خلل يمكن أن يعوّض عندما تكون كلّ الأجهزة في أماكنها في المستشفيات والعيادات الحكوميّة. بعدها يتمّ تركيب الأجهزة وتجربتها عمَليّاّ على بعض المرضى وعندئذ قرر وزير الصّحّة أن يعلن عن تاريخ ووقت حفل الإفتتاح الّذي كان ينوي أن يستغلّه ليشيدَ بإنجازات حكومة الرئيس اليماني فيكسب رضاه بذلك.
فرح طارق بأن أنجز دوره في تلك المهمّة المعقّدة وبدأ يتطلّع الى عودته المبكّرة ألى أتاوا وأصدقائه القلائل هناك إذ لم يبق له من الأهل أحدٌ سوى بنت خالٍ له لم يكن يستسيغها أو يعرفها بل أنّها كانت قد أساءت إلى أسرته عندما استولت على بعض ممتلكاتهم الضئيلة بعدما أحسنوا إليها وإلى أسرَتها بالسّماح لها باستعمال منزلهم أثناء غيابهم خارج البلاد.
ولكن ّ وزير الصحّة أصرّ على طارق بأن يؤجّل سفَرَه قليلاً لكي يحضر حفلة أفتتاح قسم الأشعة الجديد المزوّد باللأجهزة الحديثة وقبل طارق الدّعوة على مضض عندما أقنعه بوريس أنّ رضا الوزير مهمٌّ بالنّسبة لصفقات مستقبليّةِ من نفس النّوع. وكانت دعوة الوزير قد وصلت عن طريق زميل دراسته فاروق المَدّي الّذي حمل إليه زجاجتين من نبيذ الوزير المفضّل.
فرِح َ طارق بلقائه بزميل دراسة قديم وعرفه فوراَ بالرغم من التغييرات الواضحة الّتي تركتها الأعوام الأربعين على وجهِ زميله، ناسياً أو متناسياً أنّ فاروقاً بدوره لاحظ تغييرات مماثلة على سحنته هوَ. تبادلا الذكريات الغابرة والجميلة عن الزملاء الآخرين وعن المدَرّسين وضحكا كثيراً. وسمع طارق كيف أنّ فاروقاً بدأ حياته العمليّة كبائع أدوية وخاصّةً مضادّات البكتيريا والإلتهاب وهي الأمراض الشائعة في اليمن وبقيّة العالم الثّالث وتقدّم بعد ذلك في وظيفته حتّى أصبح مسؤولاً عن سلامة الأدوية وعن شرائها للمستشفيات والعيادات الحكوميّة ثم أصبح مقَرّباً من وزير الصّحّة. وخمّنَ طارقٌ عندما سمع ذلك من خبرته بالمجتمع اليمني أنّ زميله أصبح خادماً مطيعاً للوزير وربّما عوناً للوزير في التّخلّصِ من أعدائه وفي التجسّس على بقيّة الموظفين.
ثمّ أنّه أصَرّ أن يعزم َ طارقاً على الغداء في مطعم يمنيّ يعرف هناك بالمخبازه ويختصّ في تحضير السّمك المشوي والخبز المجمّر الطّازج. ولو أنّ طارقاً كان قد وصل إلى قناعة تامّةٍ أن سمعة المخبازة أكبر بكثير مما تستحقّ إلاّ أنّه كان يتطلّع إلى فرصةِ أعادة النظر في تلك المطاعم المشهورة. لذا قبِلَ دعوة فاروق الى وجبة أخيرة في المخبازة الشّهيرة حيث يمكنه أن يعيد ذكريات الصّبا والطّفولة فيتذوّق الخبز مع السمك أو مع التّمر أو مع الموز أو حتّى مع العسل اللذيذ الّذي كان يستورد من مدينة دوعن في حضرموت.
جلس فاروق وطارق متقابلين حول طاولة صغيرة مغطّاة بغطاء من البلاستيك الملوّن وعلى الطاولة بعض الأطباق الصّغيرة عليها أنواع المشهّيات كالبصل المنقّع في مزيج من الخلّ و الفلفل الأحمر الحار جدّاً. وبدأ الذباب في زيارة الفلفل بالرغم من حدّته مما جعل طارقاً يهش الذباب محاولآً إبعاده عن الأكل ولكن دون جدوى. وأخيراً وصلَ أحد موظّفي المطعم حاملاً طبقاُ كبيراً من الألومنيوم عليه عدد كبير من الأطباق المختلفة الحجم بانواع كثيرة من الطعام.
"يا أخي هذا أكل كثير!"
"ليسَ كثيراً على دكتورنا العزيز."
"شكراً ولكن لا يمكنني أن آكلَ كلّ هذا."
"كُلْ ما تريد واتركْ الباقي."
"أرجو أنّ الجرسون سيلفّ الباقي للأكل في البيت؟"
"يظهر أنّك تغَرّبت أطول من اللازم! نحن هنا لا نستعمل نظام "كيس الكلب!" الّذي يستعمل في أمريكا كما سمعتُ ولكن إطمئن لأننا دائما نجد من ياكل البقايا."
مضى الوقت بسرعة أثناء الغداء وفي نهاية الوجبة أحضر الجرسون الشاي المركّز المغلي مع الحليب والسّكّر والهيل كما كان يشربه طارقٌ في طفولته وشبابه في مدينته وبين أسرته. وفجأة نظر فاروق الى السّاعة على معصمه وقال:
"دكتور طارق معذرةً ولكنّي أُريد منك استشارة طبّيّةً لو أذنتَ لي..."
وفكّر طارق في قرارة نفسه "إذن هذا هو سبب الحفاوة والدعوة إلى الغداء!"
"... ابنتي منى أصيبت منذ ثلاثة أشهر بنوبات صَرَعيّةٍ متكررة وقد عرضناها على جميع الأطباء هنا بما في ذلك طبيب الأعصاب المتخرّج من جامعة روسيّة فقال لنا إنّها بسبب الأعصاب."
"طبعاّ الصرَع نوع من الأمراض العصبية!"
"وماذا يمكننا أن نفعل الآن؟ هل تنصح بالسّفر الى الخارج؟ هل يمكنك أن تأخدها معك إلى كندا؟ طبعا سندفع كلّ الخسائر."
"هل هذه أوّلُ مرّة؟"
"نعم ... لا عفواً عندما كانت طفلة .. في سن الثالثه أُصيبت بحمّى وسعال ثم بنوبة صرعية واحدة ولكنّها لم تتكررْ."
"نعم هذه حالة صرع خاصّة بالأطفال في حالة السخونة وهي شائعة ولا تضر عادةً. ولكن هناك جهاز تخطيط المخ بين الأجهزة الّتي جلبناها هذا الأسبوع من بولندا ونستطيع أن نعمل له تسجيلآً للمخ لنعرف التشخيص الصحيح بدلاً من ارسالها إلى المانيا. وهناك أيضا جهاز الرنين المغناطيسي لتصوير المخ احضرناه معنا."
"ولكننا قد عملنا التصوير المغناطيسي في عيادة خصوصيّة وقيل لنا إنه سليم ودفعت عشرات الألوف من الرّيالات لذلك بدون نتيجة."
بعد تردّد طويل لم يجد طارقٌ مناصاً من أن يوافق على مساعدة زميله القديم ووعد بفحص ابنته منى في اليوم التّالي بعد تخزين فاروق للقات.
بعد غداء المخبازة ذهب طارقٌ بصحبة بوريس إلى منزل وزير الصّحّة بدعوة منه ليشارك في مجلس القات هناك. وصل التاكسي أمام الباب الحديدي المدهون بالأسود حيث قبع خارج الباب جنديّان مدججان بالسّلاح قد انتفخ خدّ كلٍّ منهما بكُرَةٍ ضخمة من القات بينما وقفت أمام كلٍّ منهما زجاجة الكولا ناهيك عن كؤوس الماء. وقف أحدهما وأدخل رأسه من نافذة التاكسي متفحّصاً وجوه الزّوّار ببطء متعمّدٍ كي يبرهن على مقدرته في مهمة حماية الوزير ثمّ ابتسمَ أخيراً أبتسامة غير متوازية بسبب القات وسمح لهما بالدّخول مع عبارة أهلاً وسهلاّ.
عقد وزير الصّحّة مجلسه في صالة مربّعة كبيرة مفروشة بالرخام المستورد من إيطاليا مصممة من قِبَل مهندس بناء جاء خصّيصا من إيطاليا لذلك الغرض، إذ كانت هناك منافسةٌ حامية الوطيس بين الوزراء وبقيّة أعيان المدينة حول جمال منازلهم ومجالسهم على الأخص. وكانت الأفرشة الثمينة والمتّكآت التي امتلأت بماضغي القات تحيط بالمجلس من كلّ الجهات في محاذاة الجدران الأربعة. كانت هناك نوافذُ كثيرة مزخرفة بالزجاج الملوّن ولكنّها كانت مغلقة لكي تمنع الريح أو حتّى النسيم الخفيف من دخول الصّالة لأنّ ماضغي القات يفضّلون الدّفء. وفي مدخل الصّالة رأى الإثنان مئات الأحذية في صفوف طويلة فأدركا أنّ الأحذية ممنوعة داخل الصالة فخلعا أحذيتهما أيضا. ولكن حذاء بوريس تدحرجت وانقلبت بحيث صار أسفل الحذاء متّجها نحو سقف الصالة ولم يأبه بوريس بذلك ولكنّه لاحظ أحد الخدم يهرع نحو حذائه ويعدّل وضعها كبقية الأحذية.
"طارق، هل رأيت كيف هرع ذلك الرّجل ليرتّب حذائي؟ أنا معجبٌ بهذا النظام وبالمكان كلّه."
ضحك طارق ثمّ شرح السّبب لبوريس قائلاً "لم يكن ذلك من باب النّظام ولكنّ التقاليد عندنا تقول إنه لا يمكن لأحد أن يصوّبَ اسفل الحذاء نحو السّماء، لذلك عدّل الرّجُلُ وضع حذائك."
"ولكنْ لماذا؟"
"والله أنا لا أفهم هذا المجتمع في بعض الأحيان ولكن ما فهمته عندما كنت طفلآً هوأنّ أسفل الحذاء يكون قذراً عادةً وبما أن الله في السماء كما لقّنونا ولقّنوك فلا يجوز توجيه القاذورات والنجاسات نحو السّماء!"
"ولكنكم تقولون – ونحن المسيحيين أيضا – إن الله في كلّ مكان وليس في السماء فقط. أليسَ كذلك؟"
"بوريس، أرجوك! لقد أرهقتني بهذه الأسئلة. كلّ الشعوب لديها عقائد غريبة لا تخضع للمنطق أو قوانين الفيزياء. وأنا آخر من يفهمها. اسمع: دعنا ندخل ونحيي الوزير فهو في انتظارنا."
دخل الإثنان فوجدا اكثر الأماكن قد احتلّت من قِبَلِ ماضغي القات ولكن الوزير لاحظ الضيفين فوقف لكي يحيّيهما وخصّصّ بقعتين متجاورتين لهما بالقرب من بقعته وبدأ يعرّف الآخرين بهما. وبين الأراجيل وفوق أعشاب القات ووسط دخان السجائر الخانق تمكّن الإثنان من الوصول الى المكانين المخصّصين لهما محيّين جيرانهما من الرجال إذ لم تكن هناك سوى إمرأة واحدة بريطانيّة الأصل حضرت تجمّع القات مع زوجها البريطاني الذي انضم بحماس الى ماضغي القات من اليمنيّين. وكان الوزير قد أشار إليهما كي يشجّع ضيفه البولندي أن يجرّب مضغ القات هو الآخر.
وجد كلّ من طارق وبوريس صعوبة في الجلوس الطّويل على الأرض بالرغم من الفراش الصغير تحتهما وبالرغم من الوسائد المربّعة الّتي تستعمل للإتّكاء عليها وذلك لأنهما كانا يلبسان البنطلون الغربي بدلاً من القميص اليمني الطّويل وأيضاً لأنّها كانت التجربة الأولى من نوعها. وسرعان ما جاء أحد المساعدين بزجاجتين من الكولا ثمّ أنّ الوزير قدّم لهما أعشاب القات للتجربة الأولى ولكن الآثنين رفضاها بأدب.
قال بوريس "أنا أحمّلُكَ مسؤوليّة المجيء إلى هذا المكان يا طارق. أكاد أختنق بسبب دخان السجائر."
"ما كنت أريدك أن تترك اليمن قبل أن تمر بهذه التجربة الفريدة تجربة القات الّذي يستحوذ على إهتمام اليمنيين والّذي يحطّم اقتصاد البلاد باسْرها ويستحوذ على مياه الشرب والرّي في كلّ البلاد."
"إذن لماذا يمضغونه؟"
"المقتنعون بالقات يدّعون أنّه يمنحهم نشاطا عجيباً وعلميّا هوفعلاً منشّط ويمكّن الشّخص أن يقاوم النّعاس."
"ولماذا يريدون أن يقاوموا النعاس؟ لماذا لا ينامون ساعة بعد طعام الغداء كما يفعل السعوديّون واليونانيون وغيرهم؟"
"سؤال وجيه. ولكن هناك أيضا الجانب الإجتماعي والتواصل والمقابلة بين الناس وتكوين الشُلل التي تنفع في الصفقات التجاريّة."
"ولكنهم يستطيعون أن يجتمعوا في مقهى أو مطعم أو مكتب!"
"ولكن في مجالس القات الأعداد كبيره. والبعض يدّعون أنّ القات يرفع مستوى القدرة الجنسيّة! وعلى فكره عندما سمعت ذلك أوّل مرّة صدّقته وقلت في نفسي ولمَ لا! كل الرجال يحلمون بذلك. ولكن مع الأسف الشديد كلّ ما حصل لي كان احتقانَ الخصيتين لساعات طويلة لقّنتني درساً لا أنساه!"
"طارق، أنظر إلى الأمام! الى المرأة البريطانيّة الّتي تجد صعوبة في الجلوس باحتشام بسبب قِصَرِ فستانها. سروالها الدّاخلي وردي اللون! تُرى هل هيَ تدرك أنّها مكشوفة للرجال الذين يجلسون أمامها؟"
"النساء اليمنيّات لا يسمح لهُنّ أن يحضرن هذه المجالس مع الرّجال ولكن بدأن في عقد مجالس قات خاصّة بهِنّ وفي بعض الأحوال يقوم الرجل بدعوة أصدقائه بينما تعقد زوجته مجلس قات للنساء في نفس اليوم ولكن في صالة مختلفة."
وفي تلك الأثناء بدأ شاب كان يجلس قريباً من الوزيرفي العزف على أوتار العود. بدأ بطيئا ريثما استجلب اهتمام الضيوف ثم أسرع ورفع مستوى الصوت حتى اكتملت الأغنية الجميلة الّتي أختارها ليبدأ عزفاً رائعاً استمرّ اكثر من نصف ساعة قبل أن يتوقّف لاستراحة قصيرة. وبينما وجد بوريس الأغاني مملّة و تتصف بالترديد ككل الأغاني العربية، فقد إستمتع طارق بالأغاني الّتي أثارت ذكريات الطفولة والشباب. وبالرّغم من ذلك فقد لاحظ طارقٌ تجاوباً موسيقيّاً مثيراً للدهشة من الرّجل البريطاني وزوجته. وكان أغرب ما لاحظه طارق هو أنّ الموسيقار كان يغنّي بينما كان القات يملأ خدّه بدون أن يسبب له أيّ سعال.
بعد ذلك الغناء بقليل سمع طارقٌ إسمه من الجهة المقابلة في المجلس إذ كان أحدٌ يناديه بالإسم من هناك. لكنّه لم يميّز الشخص في البداية بسبب دخان السجائر الكثيف ولكن بعد تبادل التحيّات تذكّر ذلك المحامي الشهير رغم علامات الشيخوخة الّتي غيّرت ملامحه الّتي عرفها أيام الشّباب.
قال المحامي:"يا دكتور عندي ألم في ساعدي اليسرى فما رأيكَ؟" وكان عندها متّكئاً عليها. وتفاجأ طارق بهذا السؤال ولم يدر كيف يتصرّف ولكنّه أقترح على الرّجل أن يكملا الحديث الخاص خارج الغرفة. ولكن صديق المحامي الّذي جلس على يساره مباشرةً تبرّع بالتشخيص قائلاً "وماذا تنتظر وأنت تتكئ بوزنك الثقيل على الوسادة بساعدك الأيسر. لا بدّ لك أن تخفف من وزنك."
بعد ذلك عاد المغنّي الى غزف العود والغناء لفترة وجيزة أصرّ بوريس بعدها على العودة الى الفندق. فوقف الإثنان وشكرا الوزير على حسن ضيافته وتركا المجلس في أتّجاه طوابير الأحذية. ولكن في تلك الحظة نادى احَد الموظفين لدى الوزير الدكتور طارق ليسعف رجلاً ممتدّا على الأرض خارج الصالة الكبيرة وإذا به المحامي نفسه مصاباً بنوبة قلبيّة. وسمع طارق أصواتاً تحث الناس الّذين تجمهروا حول المحامي أن يفسحوا الطريق للدكتور، ولكنه عرف حالاً من خبرة طويلة أن الرجل قد انتقل إلى رحمة الله، ولكنه بالرّغم من ذلك حاول أن يعيد التنفّس وضربات القلب الى جسمه دون جدوى. وكانت اوراق القات الممضوغة قد ساهمت في إختناق تنفّس الرّجل وسال جزء منها على خدّه. وبعد محاولاته اليائسة أومأ للحاضرين الّذين تجمّعوا حوله وحول جثّة المحامي أن الأمر ميؤوس منه وحينها بدأ الوزير في التكبير وقراءة الفاتحة.
عاد الإثنان إلى الفندق في حالة حزن ودهشة في نفس الوقت. وفي ذلك المساء تناولا آخر عشاء مشترك قبل سفر بوريس. بدأ بوريس قائلاً "أتمنّى لك التوفيق فيما تبقّى من مهمتكَ هنا يا طارق فقد تعلّمت منك الكثير عن هذه البلاد. يظهر أنّك تعرف البلاد والنّاس وتقاليدهم بالرّغم من سلوكك الغربي وكأنّك لم تنسَ جذورك. ومع ذلك أنصحك أن تترك هذا المكان حالما تنهي مهمّتك."
"لماذا تقول هذا الكلام؟"
"هذه البلاد لا تنفع معك ولن تستطيع أن تتأقلم هنا."
"صحيح. أجد من الصعب أن أعيش هنا في نطاق القيَم الّتي أتشبّث بها."
"بالضبط فهذه بلاد الفوضى والأخطار."
"صحّتك!"
كان إفتتاح قسم الأشعّة الجديد مبرمجا للساعة الحادية عشر من صباح اليوم التّالي في مطعم مستشفى الثورة حيث صُفّت مئات المقاعد وسرعان ما أمتلأت بموظّفي وزارة الصّحّة والمستشفى الّذين أعْطيوا تعليماتٍ واضحة بالحضور فجلسوا في الصفوف الخلفيّة تاركين الصفوف الثلاثة الإولى شاغرةً للأعيان وهناك قعد الدكتور طارق في الصّفّ الثاني لوحده لآنَه حضر في الوقت المحدّد ناسياً أنه في اليمن.
وفي فترة الإنتظار الطّويلة رأى عرضاً مستمرّاً ومردّداً من صور الباور بوينت على الحائط الأمامي تحمل صور وزير الصحة وصورالأجهزة الجديدة مع صور متنوّعة للرئيس يماني في حلّته العسكريّة ثم في بدلة اوربّيّة مدنيّة ثمّ في الزّي اليمني المعروف لابساً نظّاراته الشمسيّة المعروفة. وكانت هناك عصابة من أربعة رجال في ملابس مدنيّة يجلسون في وسط القاعة يبدأون التصفيق الحاد لجميع صور الرئيس فتتبعهم بقيّة الحاضرين ولو أن حماس التصفيق بدأ يفتر في الدّورة الثالثة. بعد حوالي نصف ساعة من موعد الحفلة بداَ الأعيان في الوصول وكان رجال الجيش يقررون في أي صفّ من الثلاثه يجلس الشخص الّذي وصل. ولاحظ طارق مع إبتسامة مكبوتة نظرات البعض تعبّرُ عن أستياء عندما كان البعض يظن أنه يستحق الجلوس في الصّفّ الثاني إن لم يكن الأوّل بدلاً من محلّه في الصّفّ الثالث! ولاحظ ايضاً أن القادم كان دائما يمرّ بالّذين خصًصَ لهم الصّفّ الأوّل ليصافحهم حتّى وإن لم يكن يعرفهم مما سبّبَ تأخيراً إضافيّا في تدشين الإحتفال.
قبل بداية الأحتفال بدقائقَ وصلت مجموعة من ثلاث نساء يلبسن الحجابَ دون نقاب فحصل إرتباك كبير في صفوف رجال الجيش الّذين لم يعرفوا كيف يتصرّفون معهنّ إذ لا يمكن لهنّ أن يجلسن جنباً الى جنبٍ مع الرجال. وبعد أخذ وردّ بين العساكر أخليَتْ عشرة مقاعد في طرف الصّفّ الثّالث من الرجال وجلست النساء في الطّرف تفصل بينهنّ وبين الرّجال سبعة مقاعد كاملة!
عندها تذكّر طارقٌ قصّةً طريفةً مشابهة حدثت له، ليس في اليمن أو أي بلاد أسلامية وإنّما في مدينة جامعيّة في كندا نفسها! كان هناك لحضور مؤتمر علميٍّ وفي نهاية الإجتماع عرض عليه صديق من عدن أن يوصّله الى فندقه كما عرض أن يوصّل استاذا جامعيّاً عربيّا وزوجته الى منزلهما في نفس المدينة. عندما وقفت السيارة أمام بناية الجامعة لتلتقط طارقاً كان السائق خلف عجلة السياقة في الأمام في الجهة اليسرى وكانت زوجته بجانبه في الجهة اليمنى بينما كان الأستاذ العربي المُسْلم خلف السّائق وجلست زوجته خلف زوجة السّائق. كان الشّارع مزدحماً بالسّيّارت وعندما وقفت السّيّارة بمحاذاة الرصيف فتح طارقّ الباب الخلفيّ الأيمن وقفز داخل السيًارة مُسَلّماً على الجميع فأقلع السائق الصديق لكي يتجنّب زحام السّيّارات أمام الجامعة. وإذا بالأستاذ يصرخ بأعلى صوته مردّداً "قف قف قف!" واضطر السائق أن يجد ثغرة في الرصيف لكي يصفّ سيّارته. حينها قفز الأستاذ من بابه الأيسر بسرعة مذهلة ثمّ اعطى تعليمات مكررة لزوجته بمغادرة السّيّارة فوراً دون أن يشرح لأحد ما يفعل. وحالما خرجت زوجته قفزَ هو داخل السّيّارة وجلسَ في وَسَطِ المقعد الخلفي ثمّ أمَرَ زوجته بالصعود مرّة أخرى الى السَيَارة مطمئنّا هذه المرّة أنّ أحتكاك ركبتها بركبة طارق بات أمراّ مستحيلاً!
بعد أن أستتب الوضع للنساء بثوانٍ معدوداتٍ سمع هرج ومرج من جهة مدخل القاعة ورأى الحاضرون رجال الجيش يهرعون بحماس كبير نحو من وصل مقدّمين الأيادي للمصافحة وكما توقّع الجميع وصل وزير الصحّة شابكاً أصابعه في أصابع زوج إبنته مدير المستشفى في دخولٍ مسرحيّ كبير فهبّ كُلّ الحاضرين وقوفاً وتصفيقاً بينما وصل الوزير إلى مقعده في الصّفّ الأوّل حيثُ صافح الكثيرين وعانق وقبّل القلائل. وقعد المدير بجانبه ريثما وصل المقرئ الى المكرفون فقرأ أيات عديدة وطويلة من القرآن ولكن بصوت رخيم.
قام المدير بدوره كمدير للإجتماع أيضاً فالقى خطبة طويلة عن إنجازاته في المستشفى بما في ذلك الحصول على المعدات الحديثة الجديدة والّتي وصلت من بولندا. وبعد أن ِاشاد بدور الوزير في كل ذلك قضى دقائق عديدة في الإشادة بدور الرئيس يماني في كل ذلك وهنا سمع تصفيق حاد بدأه نفس فريق الرجال الأربعة!
ثم جاء دور الوزير وعندما دعاه المدير الى المكرفون وقف الحاضرون في غمرة تصفيق حاد مرّة اخرى. كان رجلاّ قبيح الوجه قصير القامة يحمل أمامه كرشاً كبيراً وقد تصبب العرق على جبينه. بدأ باسم الله شاكرا المدير على إقامة الحفلة ومشيداً بإنجازاته الكثيرة ثم ردد أكثر ما قال المدير في كلمته. ولكنّه تبحّر في إطرائه للرئيس يماني الّذي يسهر لياليه يفكّر كيف يخدم الشّعب بشتّى الوسائل. ولم يكتفِ بذلك فوصف الرئيس بأنّه كالفارس المقدام على ظهرجواده يدافع بسيفه عن الشعب ويسفك دم أعداء الشعب. وخَمّنَ طارقٌ أنّه ذكر الرئيس عشر مراتٍ قوبلت بالتصفيق المدوّي.
في نهاية الخطبة الطّويلة كان وقت الغداء قد اقترب وأهمّ من ذلك موعد شراء القات ولكنّ الوزير كعادته لم يهمل الفرصة الإعلاميّة الّتي سنحت له ولرئيسه فطلب من طارق أن ينضم اليه وإلى فريقه لالتقاط عدد كبير من الصّور لوزارة الإعلام. وأحاط عدد كبير جدّاً من الحاضرين بالوزير كلٌّ يطلب منه حسنةً ما أو أملاً في أن يظهروا في تلك الصّور الّتي تنشر في الصحف الحكوميّة. وكانت كاميرات التلفزيون موجودة أيضا وأدلى الوزير بتصريح قصير ولكنّه لم ينسَ أن يشيد بالرّيس أكثر من مرّة.
* * *