الفصل 6
رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء
الفصل السادس
جدانسك – بولندا
قبل سفره الى مدينة جدانسك بليلة إجتمع طارقٌ مرّةً أجرى بكولين في نفس الحانة مؤكّدا ً له أن كلّ ترتيبات السّفر في محلّها و معرباً عن تطلّعه الى الرّحلة الى مدينة جدانسك في بولندا ثم الى صنعاء بعد التفتيش. وعندما انتهى من إلغاء مواعيد المرضى الكثيرة تساءل إلى متى سيستمر في ذلك العمل المضني إذ لم يكن بحجة إلى تكديس المال خاصّة وهو عازب وتمنى عندئذٍ لو كانت لديه مواهب تساعده على قضاء فترة التقاعد في سعادة, عدا قراءة الشعر ولعب الجولف بذلك المستوى الرّدئ.
بدأ كولين قائلاً "أعتقد أن التّفتيش سيستغرق يوماً أو يومين على الأكثر بعدها تعود هنا و تنتظر إشعاراً بوصول المعدّات إلى صنعاء. عندئذٍ ستسافر إلى هناك بصحبة صاحب الأعمال البولندي – وستسافر بدرجة رجال الأعمال على طول!"
"ستكون هذه أوّلَ مرّة أسافر بدرجة رجال الأعمال."
"إبق قريباً مني يا صديقي لترى العجب!"
"دعني أشتر لك كأساً من الشراب إحتفالاً بذلك!"
عندها إتّجه طارق إلى سمانثا الّتي قابلته بابتسامة عريضة كالعاده ولو أنّها بدتْ له أجمل من ذي قبل!
"فهمت من كولين أنّك ستغيب عنّا قليلاً. هل تتطلّع إلى الّسفَر؟"
"نعم ستكون هذه أوّل مرّة في بولندا. عليك أن تراعي زميلي أثناء غيابي."
"هو ليس بحاجة إلى ذلك."
"من قال لك ذلك؟"
"لأنني حاولت من قبل ولمدة طويلة. هذا رجل يفضّل الوحدة."
"لا أبداً لايفضلها ولكنّه وحيد لأنّ كرامته لا تسمح له أن يُرفض من قِبَلِ إمرأة إن هو حاول التقرّب اليها."
"متأكد؟"
"نعم وعندما أعود سوف أحاول إن أغيّرَ الوضع. ولكن يمكنك أن تحاولي أنتِ أثناء سَفَري."
هبطت طائرة طارق هبوطاً هادئاً في مطار جدانسك وهي من أجمل مدن بولندا القابعة على ساحل بحر البلطيق ولها تاريخ حافل بالحوادث المهمة كبداية الحرب العالميّة الثّانية وبداية حركة التضامن البولنديّة في الثمانينات الّتي فجّرت الثورات علي الأنظمة الشيوعيّة في شرق أوربّا. ووجد طارق المدينة القديمة رائعة حقّاً كما وجد الترحاب من أهل المدينة. وما أن استقرّ في حجرة الفندق الجميل حتى اتّصل برقم بوريس مينسكي صاحب شركة المعدّات الطّبّيّة لكي يقابله في بهو الفندق.
كان بوريس ضخم البنية مع كرشٍ كبيرٍ وعنق سميكة وكان أنفه كبيراً ومحمرّا مما ذكّر طارقاً باللذين يدمنون على شرب الخمر. وأثناء الغداء لاحظ طارقٌ أنّ تنفّسه صعب ومصحوب بصوت مسموع مما جعله يخمّن أن الّرجلَ مصابٌ بضيق التنفّس أثناء النّوم. ولكنه كان يجيد اللغة الإنجليزيّة وكان قد درس دراسة فنيّة في علوم الأشعّة. ولكنّه تسلّق سلّم العمل الحُرّ حتى كوّنَ شركةً خاصّة وناجحة لبيع المعدّات الطبّيّة بالرّغم من المنافسة القويّة وأسماها "سكانز".
حجز بوريس سيارة أخذت طارقاً في اليوم التّالي إلى مصنع الأجهزة الطبّيّة بأنواعها المختلفة حيث قضى معظم اليوم في التّفتيش والتّسجيل الدّقيق في أستمارات عديدة كان قد حضّرها له بوريس, وفي نهاية اليوم وقبل غروب الشّمس بقليل قرّر طارق أن يعود إلى الفندقِ مشياً على الأقدام لكي يتعرّف أكثر على معالم المدينة قبل أن يعود إلى وحدته في الفندق. ولذا فقد استعان بخريطةٍ للمدينة فهو ككلّ الرّجال يكره أن يسأل أحَدًا كي يدلّه على ألإتجاهات!
عندما دخل طارق بهو الفندق وجده مزدحماً قليلاً ببعض الناس يتحدّثون مع بعض في مجموعات من إثنين أو ثلاثة أو أكثر ولاحظ كالعادة أن أكثر المجموعات الثنائيّة كانت من رجل وامرأة منهمكين في حديث متّسم بالألفة وعندها شعر بالوحدة الشديدة في تلك المدينة الجديدة قرّر عندها أن يخفّف عن وحدته بكاسٍ من النبيذ.
كان االبهو يؤدّي إلى مطعم الفندق من جهة وإلى الحانة عن طريق باب مقارب دخله طارقّ وهو يتطلّع إلى ذوق نبيذ محلّيّ لذيذ. وعندما وصل الى البار نفسه أمام الساقي لاحظ ثلاثة مقاعد شاغرة بين أمرأة شقراء على يساره ورجل آسيويّ على اليمين منهمك في الحديث مع رحلٍ آخر. لذا أختار أن يجلس على المقعد الأوسط من بين الثلاثة. طلب طارقٌ كأسا من النبيذ الأبيض المحلّي لكي يتعرّف عليه وبدأ يرشفه و ينظر يمنةً ويسرى. وبينما كان جاره الأسيوي مشغولاً بالكلام كانت الشقراء تلتفت هنا وهناك حتّى التقت عيونهما للحظة قصيرة ولكن كافية ليبدأ الحديث معها.
"لا بأس به هذا النبيذ المحلّي. أظنّه من نوع ريسلنج. لاحظت أنّك تشربين الأبيض أيضاُ. كيف تجدينه؟"
"هذا ريسلنج أيضاً ولكنّه من ألمانيا وهو نبيذي المفضّل."
"ولكنْ هل أنتِ من ألمانيا؟"
"قاربتَ. ولكنّي من الدانمرك."
"كان عليّ أن أخَمّنَ ذلك من لهجتك، فقد قضيت ثلاثة أشهر هناك."
"تريد أن تقول أن لديّ لهجة أجْنَبيّة؟"
"لديك لهجة خفيفه ولكنّها لطيفه."
"أحاول أن أقلّد اللهجة البرطانيّة ولكن دون جدوى."
"لكلّ إنسان لهجته مهما كان إلاّ إذا كان مولوداً هناك. لهجة الإيرلندي تختلف عن لهجة الاسكتلندي وهناك فروق حتى بين سكان إدنبره و جلاسجو. وماذا عن البرطاني عندما يحاول أن يتكلّم اللغة الدانمركية؟"
"أنت على حق ولكن ماذا كنت تفعل خلال ثلاثة أشهر في بلادي؟"
"قضيت فترة تدريب في قياس سرعة الأعصاب في مستشفى ريجس تحت إشراف واحد من أشهر العلماء في هذا الإختصاص."
"متى كنت هناك؟"
"أظن منذ خمس وعشرين سنة."
"عجيب! كنتُ يومها في الجامعة – في المرحلة الأخيرة."
"صحيح؟ كنت دائماً أتمشّى في الحديقة المحيطة بالمستشفى فأمرّ بعشرات البنات العاريات تماماً وهنّ يتشمّسن فوق العشب فأتظاهر أنني أتمعّن في العشب وليس في البنات! لا شكّ أنني رأيتُكِ هناك." قالها بينما توالت تلك الصّور في مخيّلته.
"نعم كنت أذهب هناك بانتظام وكنت أخلع كلّ شيء تماماً لأنّه كان شيئا طبيعيّاً في ذلك العمر في تلك الفترة ولو لم أفعل كنت سأكون شاذّة ً بين البنات."
"يسعدني أن أعرف ذلك لأنّك بتعَرّيك جلبتِ السعادة للكثير من الرّجال والنساء."
"أفهمك بالنّسبة للرجال ولكن كيف يكون ذلك ممتعاً للنساء .هل تقصد المساحقات؟"
"لا، أقصد المرأة العادية التي يهملها رجُلها."
"وكيف يمكن ذلك؟"
"دعيني أقصّ عليكِ حكاية المرأة الأيرلنديّة الّتي كنت أعالجها من الصّداع والقلق عندما كنت طبيباً في صنعاء. كان عمرها حوالي خمس وأربعين أي مثل عمركِ الآن!"
"شكراً لك على هذا الإطراء ولكن لا بدّ أن تضيف عشرَ سنوات أخرى!"
"صحيح؟ على كل حال، بعد كشفٍ دقيق لم أجد سبباً عضويّاً واقتنعت بان حالتها النّفسيّة كانت مسؤولة عن صداعها. وبعد استعمال المهدّئات تحسّنت حالتها قليلاً. وبعد حديثٍ أطول فتحت لي قلبها فعرفت منها أنها كرهت البقاء في صنعاء لأنها كانت منعزلة عن المجتمع فقد كانت لا تستسيغ البريطانيين بسبب برودهم المعروف ولا الأمريكيين السطحيين في رأيها. فكانت تقضي معظم الوقت وحيدة في منزلها بينما كان زوجها يعمل ساعات طويلة في المعهد البريطاني ثمّ يعود منهكاً الى البيت فيكثر من التدخين وشرب الخمور ولايبدي أيّ اهتمام أورغبة جنسيّة فيها بالرغم من صغر سنّه، إذ كان يكبرها بخمس سنوات فقط وكان قبل الإنتقال إلى صنعاء شديد الولع بالجنس. وكانت واثقة أن عدم اكتراثه بها كأنثى لم يكن بسبب خيانة زوجيّة فقد كانت الجالية الأوربيّة صغيرة وكانوا يعرفون بعض ولو أن إشاعات نادرة ظهرت عن تبادل الزوجات فيما بينهم.... بالمناسبه هل هذه ظاهرة شائعة في محيطك؟"
"كيف تسألني هذا السّؤال الشّخصي وأنت لا تعرفني؟!"
"معذرةً، ليس من حقّي أن أسألك ذلك. مع الأسف أنا معتاد كطبيب على الأسئلة الشخصيّة. ولكن ما إسمكِ؟"
"جيتا" ومدّت ذراعها نحو طارق.
"و أنا طارق. أتشرّف بمعرفتك ويسعدني حديثي معكِ."
"والآن بعد أن تعرّفنا على بعض يمكنني أن أجيب على سؤالك لأننا نحن في بلادنا لا نجد إحراجاً في الحديث عن الأمور الجنسيّة. ولذلك أقول لك نعم."
"نعم فقد لاحظت منذ كنتُ طالباً في الجامعة أن شعوب سكاندنافيا وهولندا اكثر انفتاحاً و صراحةً في الأمور الجنسيّة من أهل بريطانيا مثلاً. وعندما زرت أمستردام أيام الجامعة زرت المنطقة الحمراء فيها وحضرت مسرحاً كانت تمثّلُ فيه عمليّات جنسيّة حيّه .., طبعاً من باب العلم بالشّي ليسَ إلّا!" قالها مع ابتسامة ماكرة. "وكنت أعرف زميل دراسة كان قد هاجر إلى هناك و أقنعته بأن يأخذني إلى تلك الأماكن. واضطرّ المسكين أن يفعل ذلك."
"ولا شكّ أنّك ذهبت هناك لدراسة علم التشريح! ولكنّكَ لم تكمل قصّة الإيرلنديّة."
"نعم تطرّقنا إلى أمور أخرى ولكنّها مهمّة. نعم في النّهاية إعترفت الأيرلنديّة بأنها لم تجد حاجتها من الممارسة الجنسيّة مع زوجها وطلبت مني بعد تردّدٍ أن أفحصه لعلّه مصاب بمرض قلّلَ من شهوته خاصّة بعد أن باح لها بأنّه يشعر بالإرهاق من وطأة العمل لساعاة طويلة, فوجدت نفسي مضطرّاً أن أتدخّل. ففي ذات يوم أثناء ما كنت أنظّف الرّمل والشمع المتراكم داخل أذنيه سألته بعدما تحسّن سمعه. والحقيقة هي أنه كان صريحاَ معي. قال إنّه منذ انتقل إلى صنعاء لم يرَ من البشر الآّ الرجال ثم الرّجال ثمّ الرّجال وربما رأى إمرأة واحدة مقابل مئة رجل ثمّ سألني ببرود كيف يمكن لرجل في الخمسينات أن يحتفظ بشهوته الجنسيّة وهو لا يجد أي فرصة للإثارة والتخيّلات الشبقيّة. حتى المجلّات المليئة بصور البنات كانت معدومة في صنعاء. وقد سردت هذه القصّة الطويلة لكي أبرهن أن الرجل الّذي متّع ناظريه بجسمك العاري في حديقة كوبنهاجن ربما عاد إلى منزله وضاجع زوجته وهو يتخيل جسمك الجميل ولولا ذالك المنظر لما أراد أن يضاجعها تلك اللّيلة. فما رأيكِ؟"
"أعترف بأنّ لديك الكثير من القصص المثيرة. ولذا أقترح أن تؤلّف كتاباً بهذه القصص."
"الساعة قد إقتربت من السابعة والنصف وقد بدأ الجوع يداعب أحشائي وكنت أفكّر في العشاء في مطعم الفندق فهل سيكون لي شرف صحبتك للعشاء؟"
"بكلّ سرور وقد كنت أفكّر في نفس المطعم وهو يتمتع بسمعة جيّدة."
وقّع طارق على فاتورة النبيذ ثم قاد جيتا نحو طاولة أنيقة في أحد أركان المطعم الّذي بدأ يمتلئ بالزبائن. وما أن استقرّا على مقعديهما حتى وصل الجرسون بالماء وقائمة المأكولات الطويلة.
"جيتا، هل لكِ أن تختاري النّبيذ؟"
"يمكنك أنت أن تختار. أليس الرجل هو الّذي يختارللمرأة ويختارالمرأة نفسها؟"
"الّا إذا كانت هيَ أحسنَ منه في الإختيار."
"ولكن هذه زيارتنا الأولى لبولندا."
"ماذا تقصدين بزيارتنا؟ ظننت أنّكِ هنا لوحدِك؟"
"لا، جئت مع زوجي إريك من باب المرافقة فهو رئيس جمعيّة المهندسين الكهربائيّين وكان عليه أن يحضر إجتماع الهيئة الإداريّة هنا في جدانسك. بالمناسبة فهمت منه إن الإجتماع القادم سيكون في أتاوا في كندا وهي مدينتك؟"
"واو! هذه مفاجأة سارّة جد ّاً. هل تنوين المجيء؟"
"سآتي إذا أعجبْتَني!"
"وستعجبينني إذا أتيتِ!"
ولكن الجرسون قطع سياق الحديث عندما وصل إلى الطاولة لكي يتحرّى طلبات الزبونين من المشروبات.
"هل تريدين أن تستمرّي على النبيذ الأبيض يا جيتا؟" سأل طارق.
"لا! أنوي أن آكل قطعة من لحم الثور المشوي ومعه لا بد من نبيذٍ أحمرٍ فاخر."
"و أنا أيضاً."
"يظهر لي أننا نشترك في ذوقنا في الأكل أيضاً. بدأت أستلطفك أكثر وأكثر."
قال طارق مخاطباً الجرسون "أفكّرُ في طلب هذا المرلو الأيطالي من بين النبيذ الأحمر، فما رأيك فيه."
"هذا النوع من النبيذ المحبوب والمفضّل لدينا. وهل أخترتما الأكل أيضاً؟" ثم شرع في وصف الأكلات الرئيسية والخاصة في تلك الليلة، ولكن الأثنين أصرّا على اللّحم المشوي ولم يغيّرا الرّأي.
بدأت الصالة تزدحم بالزّبائن ولفت طارقٌ الأسمر اللون إنتباه البعض وهو غارق في حديث ودّيّ جدّا ومداعبة كلامية واضحة مع السيدة الأوربّيّة الشّقراء ولكنّ معظمهم أبتسم لهما فردّا الإبتسام بالمثل.
"ماذا يقولون عنّا يا تُرى؟" تساءلت جيتا.
"لا شك أنهم يحسدونني على الفاتنة الّتي معي!"
"تعرفُ كيف تغازل المرأة. هل أنت دائماً هكذا؟"
"أنا دائماً أقول الحق ولكن البعض يتّهمني بمحاولة إغراء الجميلات."
"هناك تشابه بين عيونك وعيون عمر الشريف. هو أيضاً من أصلٍ عربي، اليسَ كذلك؟"
"هو من مصر وأنا واثقٌ أنّه سيعتبر هذه المقارنة شتيمةً كبرى! على كل حال أين زوجكِ الآن ولماذا هو ليس هنا معكِ؟"
"لأنّ لديه إجتماعت الهيئة الإداريّة لمدّة يومين والليلة يعقد أوّل ُ وأطول الإجتماعت مع العشاء. ولا أخاله يعود قبل العاشرة."
"أرجو ألاّ يكون معروفاً بالغيرة أو العنف؟"
"بالعكس فهو رجلٌ رقيق وأحياناً يكون رقيقاً أكثر ممّا ينبغي."
"وكيف يكون الرجلُ أكثرَ رقّةً ممّا ينبغي؟"
"عندما ينغمس في عمله و يتقنه ولكنه بطبيعته يحنّ على المظلومين ويحاول جهده أن يساعد الناس. وفي نفس الوقت يحبّني ويريدني أن أتمتّع بحياتي بكلّ الوسائل ..."
"حتّى الخروج للعشاء مع رجل أسمرٍ من كندا؟"
"إذا كان هذا الرجلُ جذّاباً فلمَ لا؟"
"عرفت عمل إريك، وأنتِ ماذا تعملين. عندي شعورٌ أنك في مركزٍ قياديّ؟"
"تخرّجت من الجامعة في العلوم السّياسيّة والآن أدير مكتب منظّمة العفو الدولية فرع الدانمرك."
" منظّمة العفو الدولية؟ لا شك أن وظيفتك ممتعة ولو أنّ الحاجة اليها بسيطة عندكم."
"قد تستغرب كمّيّة العمل، ولكنّنا نساعد الفروع العالميّة الأخرى ونتبادل المعلومات."
"صحّتك!" قال طارق رافعاً كأس النبيذ نحوها.
مرّت فترة العشاء في جوٍّ من المزاح والمغازلة المفضوحة وكانت ذاكرة طارق تعود به إلى أمسيّته مع ماجده فبدأ كبقيّة الرّجال يقارنُ بينهما ويخطّط لما بعد العشاء وبدأ يتهيّج لفرصة إغراء إمرأة متزوّجة ويتهيّب مصارعة زوجها إن هو باغتهما أثناء العمليّة الجنسيّة في ذلك البلد الأجنبي. ثمّ تخيّل نفسه في موقف أريك وكيف يمكن له بأي حال من الأحوال، وهو الرّجل العربي الغيور الّذي سيقاتل لكي يحمي شرف زوجته، أن يصل إلى ذلك المستوى من الإنحلال والإنتهازيّة. وفي تلك اللحظة رنّ تلفون جيتا التي ردّت عليه بلغتها ثم دخلت في محادثة حيويّة قصيرة.
"هل كان هذا زوجك الّذي يحاول أن يطمئنّ على سلامتك؟"
"قلت له إنني بين أيادٍ أمينة."
وصلت أطباق العشاء تتقدّمها رائحة الشّواء الّتي تسيّل اللعاب والّتي امتزجت بروائح السّمك والفواكه والنبيذ والقهوة كلّها في آنٍ واحد. وبعد ذرّ قليل من الفلفل الأسود إنقضّ الإثنان على اللحم بنهمِ المحروم من الأكل ولم يقاطعْ ذلك سوى رشفات من النبيذ والنظرات المتبادلة. لم يطلبا طبق الحلو ولكن طارقاً دفع الفتورة ثم سأل حيتا "هل تشربين القهوة في غرفتي؟"
"ولكن جهاز القهوة الّذي في غرفتي أنا أحسن!"
"سأكون أقلَّ قلقاً لو ذهبنا إلى غرفتي أنا."
"ولكني ساكون مسترخية أكثر في غرفتي أنا. لا تخفْ! صدّقني!"
كان تطلّع طارق الى مضاجعة جيتا قد وصل مستوىً لا يُحتمل فلم يكن له من خيار الاّ أن يقبل دعوة جيتا الى حجرتها الّتي كانت في نفس الطابق كحجرته. وحالما دخلت جيتا وتبعها طارق فأوصد الباب، إستدارت جيتا تقابله وجهاً لوجه فاقترب الإثنان من بعض والتقت الشفاه ببعض في قبلة عميقة أخذت الأنفاس لطولها. وحالما انتهت بدأ طارقٌ يزيل ملابسها بسرعة حثيثة حتّى عرّى ثدييها الجميلين فوضع كلّ راحة تحت ثديٍ وراح يفرك الحلمة بين أصبعين بينما اسرع تنفّسها بشكلٍ ملحوظٍ وبدأت هي بدورها تشلح ملابسه حتى استطاعت أن تمسّدَ قضيبه الّذي أوشك على الإنتصاب. وراحت وهي ممسكة به تجر طارقاً نحو سريرها الكبيرة تاركين ملابسهم مبعثرة أمام الباب. وفوق السّرير شلح طارقٌ آخر وأصغر قطعة من ملابس جيتا فتعرّت تماماً وفتحت فخذيها له ليمتطيها وليفعلَ بها ما يريد. وبعد ستة دفعات قويّة فقط وصل الإثنان وفي نفس اللحظة إلى تلك القمّة المنشودة وسط أصوات حيوانيّة مرتفعة ومتكرّرة.
عندما دحرج طارقٌ جسمهُ من على صدر جيتا وإلى الفراش، نظرَ في عينيها وقال: "لا تتصوّرين كم أنت جميلة!"
"بل أنتَ الّذي جعلني أصدّق أنني جميلة. ليتني أستطيع أن أكونَ معكَ دائماً."
"هذا ما أتمنّاه. في هذا العمر علينا أن نمتّع أنفسنا قبل فوات الأوان. وأنتِ محظوظة جدّاً لأنّ زوجك يريدك أن تمتّعي نفسكِ هكذا دون خوف."
بعدَ أن ودّع جيتا بقبلةٍ طويلة أخيرة لبس طارق ملابسه ثمّ تسلل من غرفتها إلى الدهليز وهو يخشى أن يراه موظّفو الفندق ولكن ما أن تحرك في اتّجاه غرفته حتّى رأى إريك يتقدم نحوه في اتّجاه باب غرفة جيتا وفجأة أصابته نوبة من الرّعب خوفاً من انتقام الزوج ولكن سرعان ما تبدّدَ الرّعب عندما رأى ابتسامة اريك بدلاً من انتقامه واطمأنَّ تماماً عندما سمعه يقول "تصبح على خير". وهناك في هدوء غرفته بدأ يحللُ الفروق الشاسعة بين الشعوب بثقافاتها وقيمها المتباينة وكيف أن لو كان إريك عربيّا لقَتَلَهُ ثم قتلَ جيتا حفاظاً على شرفه.
عاد طارقٌ إلى اتاوا بعد كلّ تلك المغامرات واستأنف عيادته الروتينيّه ولو أنّه بدأ يفكّر جدّيّاً في التقاعد من الطّب مما جعله يتطلّع أكثر فأكثر إلى سفره ألى صنعاء مؤمّلاً أن يجدّ عملاً تجاريّاً لا يحتاج إلى الإخلاص المنتظر في عالم الطّب ولكن يستغلّ نشاطه الوفير في نفس الوقت. وهكذا بقيَ متطلّعا لرؤية بوريس مرّةً أخرى.
* * *