الفصل 5
رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء
الفصل الخامس
ألتاجر اللّيبي
في مساء اليوم التّالي ذهب طارق إلى الحانة متطلّعاً إلى لقائه بكولين ولو أن اللقاء لا يقارن بالأمسيّة الّتي قضاها مع معشوقته الجديدة. ولو أنّه كان متحفّزاً لأن يبوح بظفره بماجدة، إلّا أن كولين وصل الى الحانة متأخّراً وكان طارق قد طلبَ طبقاّ من اللازانيا واثقاَ أنّها ستكون رائعة ما دام صاحب الحانة إيطاليّاً. ولكنّه اكتشف أنها كانت عاديّة جدّاً وماذا كان ينتظر من مطبخ في حانة؟. ولكنّه تمتّع بكأس النبيذ الأحمر على الأقل. وكان قد قرّر أن يصطحب ماجدة الى المطعم مرّة أخرى لكي يأكل اللازانيا الأيطاليّة الحقيقيَة ولكي يعيد الذكريات.
أكّد كولين الموعد مع التاجر الليبي ثمّ سأل طارقاً عمّا جدّ في حياته.
"لاشيء يذكر ولكنّي أتساءل عن التاجر الليبي؟"
"سوف تقابله قريباً فلا تقلقْ ولكني المس تغييراً عجيبا على وجهك يشبه الزّهو فما السبب؟"
"عجيب! كنت أظن تشخيص الحالة النفسيّة من اختصاص الأطبّاء وليس المحامين!"
"ولكن الأمر واضح جدّاً. ألا توافقينني يا سمانثا؟"
"بلا! في رأيي أنه يشبه المراهق الّذي نام مع فتاة لأوّل مرّة. ولذلك أنت تحسده!" قالت سمانثا وهي تضحك.
"كفانا من هذا الكلام! أنا ذاهب لأشتري كاساً."
كان بودّه أن يتفاخر بصديقته الجديدة لكي يبرهن للعالم أنّه لم يعد وحيداً أو منبوذاً من قِبَلِ النساء ولكنه لم يعد في الثلاثين من العمر بل في الستّينات، ولذا قررَ أن ينتظر إلى اليوم الّذي يصطحب فيه ماجدة الى الحانة حيث يتباهى بجمالها أمام الآخرين شابكاّ يده في يدها.
في يوم الأربعاء وفي الوقت المحدّد وصل طارق مع كولين إلى منزل طاهر البعداني في شارع جاندارك حيث فتح لهما الباب إبن طاهر وأدخلهما إلى غرفة الضّيوف المفرشة بأجمل السّجاد والتي حوت عددا من الأواني النحاسيّة الثمينة بالإضافة الى صورة كبيرة لطاهر في برواز مذهّب. بعدها عاد الصّبي بكأسين طافحين من شراب البرتقال في صينيّةٍ فضّيّة. إستغرب طارق وجود الصبي في المنزل بدلاً من المدرسة ولكنّه فضّل أن لا يسأل. أنتظر الضّيفان لمدّة عشر دقائق طويلة قبل أن يظهر طاهرٌ لابساً قميصاً عربيّاً طويلاً يحمل بقعاُ كثيرةً وكبيرةً من البلل وراح يحيي الضّيفين بابتسامة عريضة مردّداً "أهلآً و سهلاً" عدّة مرّات. كان رجلاً قصير القامة سمين البدن بكرشٍ كبيرٍ ولحية وكأنّما له ذقنين بدلاً من واحد وعينين جاحظتين.
"أنا آسف جدّاً ولكني كنتُ أصلّي الظهر. أهلآً و سهلاً" وتقدّم مصافحاً ضيفيه.
كان طارق، من خبرة سابقة، قد أدرك ذلك من علامات البلل الناتج عن الوضوء ولكنّه افترض أنّ كولين لم يدركْ ذلك.
"ألأخ من أين؟" بدأ طاهر وهو السؤال ألأوّل بين العرب والّذي يحدّد الكثير عن الشخص العربي ويسهّل الإستمرار في الحديث. وبقدر ما تردّد طارقٌ في الإجابة على ذلك السّؤال البسيط إلاّ أنّه أضطُرّ أن يجيب عليه.
"أها، أنت من بلاد الرئيس الّذي حكم لأطولِ مدّة؟"
"كنت أظُنّ أن ذاك رئيسكم أنتم في ليبيا!"
"أعتقد أنّهما متساويان وكذا في مصر أيضاً! وعلى كل حال بعد تخطّي الثلاثين عاماً ليس هناك فرق يذكر"
"صحيح ولكن أولادَهم في الإنتظار وقريباً نكون مثل العائلة الملكيّة في بريطانيا."
"هل تعلم أنّ أختي متزوّجة من وزير التجارة في اليمن الدكتورعبدالله علي؟"
"عبدالله علي؟"
"أظنّ عبدالله علي سيف"
"لا أعرف هذا الأسم. والإسم الكامل؟"
"عبدالله علي سيف الخامري"
"آه – تقصد عبدالله الخامري! نعم لقد سمعت به. وهل تعرفه؟"
"طبعاً فقد دعاني الى صنعاء حيث أكرمني كثيراً وقد قابل أختي في جامعة القاهرة أثناء الدّراسة هناك وسرعان ما ميّز المرأة المناسبة." قالها مقهقهاً
وكانت ضحكات طاهر المتكررة قد ذكّرت طارقاً بصديق فلسطينيّ سمين كان يضحك كتيراً بعد كلّ نكتة يقولها هو نفسه. ولكنه أدرك العلاقة بين اليمن والتاجر اللّيبي بعد ذلك الحديث.
بدأ الجوع يدبّ في أحشاء الضيفين ولكن الصّبي عاد إلى الغرفة معلناً أنّ الطعام على مائدة الأكل وعندئذٍ وقف طاهر واومأ للضيوف أن الغداء جاهزٌ مردداّ عبارة اهلآً وسهلاً عدّة مرّات. وكانت المائدة محمّلةً بشتّى المأكولات المتنوّعة من الجنبري والخروف المحشي والدجاج المحمّر واللحم المفروم ناهيك عن الرّز والكسكس والخبز الذي لا يمكن أن يكتمل الطّعام بدونه. جلس الثلاثة في طرف طاولة صنعت لثمانية أشخاص وأصبح واضحاً لكولين أنّ غرام زوجة طاهر لن تجلس وسط الرّجال ولكنّ صوتها كان مسموعاً من المطبخ خلف الحائط. ولكنّها دخلت الى غرفة الطعام حاملةً طبقاً من الحلوى قرب نهاية الغداء وحينها هبّ كولين واقفاً لكي يصافحها ولكنّه عدل عن ذلك بعد إشارة خفيّة من طارق فقد كانت تلبس الحجاب الأسود حول رأسها.
عندما عادت غرام إلى المطبخ قال كولين لطاهر "أرجو أن تبلّغ شكري لزوجتك فهي طبّاخة ماهرة."
"نعم هذه هي كل مهارة المرأة." أجاب طاهرٌ ساخراً.
بعد الغداء عاد الرّجال إلى غرفة الجلوس لكي يناقشوا مهمّة طارق القادمة في اليمن. وفي أثناء الحديث الطّويل كان طاهرٌ مشغولاً باستمرار بإقحامِ أصبعه الصغرى في فتحات أنفه وإخراج قطعٍ مخاطيّة منها يفركها ثم يقذف بها إلى الأرض بصورةٍ مقزّزة لضيوفه.
بدأ طاهر يشرح للرجُلين أن شركته كانسرج حازت على مناقصة مهمة لتزويد وزارة الصحّة في اليمن باجهزة طبيّة أكثرها في الأشعّة كجهاز إم آر آي و سكان وجهاز تخطيط الدماغ وأن الدّفعة الأولى تكلّفُ مئة مليون دولار ثم أعرب عن ارتياحه لقبول مهمّة التفتيش من قِبَلِ طارق لاسيّما وأنّهُ طبيب وله الحق في استشارة خبراء إضافيين إذا لزم الأمر. كم أن خبرته الكاملة باللغة والتقاليد أضافت كثيرا إلى تلك الثقة. وكان طارقٌ متخوّفا في البداية من العودة إلى اليمن بسبب الفساد المنتشر في كلّ أوصالها ولكنّه أقنع نفسه بأنّ تلك المهمة لن تستغرق أكثر من أسبوعين كما أن طمعه في المكافأة الماليّة رجّح الكفّة أيضاً فقبل المهمّة.
ولكنّه سألَ طاهراً "أنا مستغرب. كيف استطعت الظّفر بهذه المناقصة من بين كل الشركات الأخرى؟"
"لأن عرضنا كان الأفضل طبعاً. لقد قدّمنا عرضاً لا يمكن أن يُرفَض. اترك هذه الأمور لي يا دكتور فأنا أدبر كلّ شيء. ما عليك أنت سوى أن تقوم بالتفتيش حسبَ المواصفات المطبوعة." ثمّ قهقه مرة أخرى.
وفجأةً بدأ طاهرٌ في الصراخ في أتّجاه المطبخ "غرام غرام! الشاي أحضري الشاي فوراً."
ويظهرُ أن غراماً كانت قد توقّعت الأمر لأنّها هرعتْ تحمل صينيّةُ مثقلة بالفناجين وبإبريق الشّاي فوضعتها على طاولة القهوة وانصرفت دون كلمة ودون أن تنظر الى الرجال، حقّاً حسبما ينتظر من أيّ امرأة مسلمة. وعندها بدأ طاهر يشرح لكولين كيف يحضّر الشاي في منزله.
"ما رأيكَ في صاحبنا طاهر؟" سأل كولين صديقه طارق في السيّارة.
"لا أدري ... ولكنّي شعرت بالغثيان عندما كان مشغولاً بأنفه! كان منظراً مقزّزاً وأحمد الله انني لمْ أضطز أن أصافحه عند الخروج من بيته."
"لاحظت ذلك لأنّك تركت مسؤولية الوداع لي فلم أجد مفرًّاً من مصافحته."
"أنصحك أن تغسل يدك في أقرب فرصة!" قال طارق مع ابتسامة خبيثة.
خلال الأيّام القليلة التّالية حضّر كولين عقداً كاملاً بين طاهر و طارق من جهة وبين الملحق التجاري خالد في سفارة اليمن في كندا من جهة أخرى وتم التوقيع عليها. واستلم الدكتور نصف أجرته عربوناً للمهمّة الطّبّيّة. ولم يبق عليه سوى أن يسافر إلى بولندا عند استلام إشعارٍ بأنّ المعدّات الطبّيّة صارت جاهزةً للتفتيش وبعدها تشحن الى اليمن.
وبدأت الأفكار تراود طارقاً الّذي بدأ يتوق الى زيارة المنطقة الّتي كان قد هجرها طوعاً بعد أن أدرك عجزه عن العيش في محيط الفوضى والفساد. ولكن فرصة السفر وربما لقاء امرأة تسدّ ذاك الفراغ العاطفي في حياته بدأت تغازل أفكاره و عواطفه. وها هو قد جاوز الستّين وبدأ شبح الشيخوخة والعجز والمرض يلعب بأفكاره.
عندها تذكّر ماجدة وليلة الأنس الّتي قضاها معها. فرفعَ السّمّاعة.
"ألو يا حلوه!"
وعندما لم يسمع ردّاً أضاف "ألو يا رائعه! لماذا لا تردين؟"
"لأنني لا أريدك أن تفكّر فيّ كهدف ٍ جنسي. أنأ أكثر من ذلك بكثير."
"طبعاً إنت امرأةٌ خارقة الذّكاء ولكن هل تفضلين أن أسميكِ الذّكيّة القبيحة؟"
"هكذا الرّجال، كلّ همهم هو ما يخص الجنس."
"عجيب هذا الأحتجاج بعد ما صار بيننا. كان شيئا ممتعاً حقّاً لا يمكن أن أنساه."
"كانت غلطةً لا يمكن أن تتكرر. أنا لا أتصرف هكذا ولكنّكَ أسكرتني بكلّ ذاك النّبيذ ثمّ انتهزت فرصتك بعد أن وعدتني أنّكَ لن تفعل ما فعلت بي."
"إسمعي يا ماجدة! بل أنت الّتي علّمتِني طريقة ... جديدة لا أنساها. فلماذا هذا الكلام الآن؟ هل الذنب ذنبي أنا؟"
"لقد قرّرت أن أقطع هذه العلاقة. على أي حال أنا مريضة بآلام في كلّ جسمي. لابدّ لي أن أترك كندا."
"آسف جداً أن أسمع ذلك. هل تسمحين لي بأن أعطيك مساج خاص؟" قالها ضاحكاً.
"جرّبت كلّ شيء وحتى الرياضة المنتظمة ولم أتحسّن."
"ما باليد حيلة أنا مضطرٌّ أن أحترم قراركِ. ولو أنّه من الصّعب أن أنساكِ فقد وقعتُ في غرامك."
"أنا لم أطلب ذلك منكَ."
"أعرف ذلك جيّداً ولكن اليس الحب بين الرجل والمرأة سنّة الحياة؟ وهل لم أعجبك أثناء ال .. أل..؟"
"هذا غير صحيح وأنت تدرك ذلك . . . ولكنك تستدرّ الإعجاب بقولك هذا."
"ما زلت اتذكّر ليلتنا معاً بكلّ التّفاصيل خاصّةً عندما كنتِ في قمّة ال ..."
"قٌف! أرجوك! لا تتحدث عمّا صار بيننا!"
"طبعاً لا.."
"إسمعني يا طارق! انا جادّةٌ فيما أقول فلا تخرّب سُمعتي بين الناس ولدى أصدقائي."
"لا تخافي! ولكن حتى لو فعلت فلن يصدّقَني أحد! الكل يعلم أنك شريفة ومحافظة."
"مسألة الشرف مختلفة تماماً فيما يخص النّساء."
"ولكن هنّ النّساء اللّواتي وافقن على هذه التفرقة في الذنب بين الجنسين. بقية النساء في هذه البلاد يمارسن الجنس دون الشعور بالذنب و بدون فضيحة ويصلن إلى ذروة المتعة بانتظام. ولا يتعرّضن لاحتقار المجتمع أو لكلام الناس."
"بالضبط! هذا هو الفرق بين هذا المجتمع والمجتمع العربي. مرة أخيرة أرجوك أن لا تحطّم سمعتي!"
"أوكّد لك ذلك. هل تتصلين بي من الكويت ليطمئنّ قلبي عليكِ؟"
"إن شاء الله."
لم يسمع طارق بعد ذلك من المرأة العربية الوحيدة التي أوقعته في الحب. ولكنه سمع عنها من جارتها بالصّدفة النّادرة. فبعد القاء بعض أشعاره في الجامعة قدمت أمراة نحوه وهي تبدي إعجابها بشعره وذكرت في سياق الحديث أن إحدى صديقاتها شاعرة كويتيّة عادت إلى بلادها.
"ولماذا عادت؟" سألها طارق.
"لم تبح لي بكل الأسباب ولكنّها لم تكن موفَقةً في الحب." أجابت المرأة.
"ولكن الشاعر مرهف الإحساس ويجيد الحب والحبُّ بدوره يجلب السّعادة."
"هذا المفترض ولكنها كانت تحبّ رجلاً يكبرها كثيراً كان يزور شقّتها في نفس عمارتي كل أسبوع ثم حصل الفراق بينهما قبل سفرها. قد يكون ذلك القشّة الأخيرة!"
"مع الأسف هذه شيمة الحب والمحبين! عفواً ما اسمك؟"
"حنان، فرصة سعيدة دكتور."
وعندها تتابعت في ذهنه صور الشاطئ الرملي في جزيرة دومينيكان ويرقد عليه شابٌ أسباني يحضن على يمينه ماجده وعلى يساره حنان!
* * *