الرحله الاخيره من صنعاء - الفصل 2 - بقلم قيس غانم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الرحله الاخيره من صنعاء
المؤلف / الكاتب: قيس غانم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

رواية الرحلة الأخيرة من صنعاء الفصل الثاني التوبيخ صباح اليوم التالي أستقل الدكتور حكيم قطار السابعة المتجه من أوتاوا إلى مدينة تورنتو للمثول أمام جلسة تأديبية في جمعية الأطباء والجراحين بمقاطعة أونتاريو الكندية. كانت الجلسة مقررة في الثانية بعد الظهر ولذا حجز على قطار الخامسة مساء للعودة إلى أوتاوا. نظراً لحالة القلق والاحباط التي يشعر بها قرر استثنائياً الحجز على الدرجة الأولى. تنعقد الجلسة التأديبية في الجمعية بعد أن تقدمت إحدى مريضاته بشكوى مدّعية أنه أثناء إحدى جلسات العلاج من الألم قام بلمس صدرها دون داع. كانت المريضة تعاني من أعراض ألم في العضل الليفي، فلجأت إليه أكثر من مرة لأن لديه خبرة متخصصة في السيطرة على الألم عبر تقنيات نشر الرذاذ والتدليك. كان الألم يمتد من عضلات الرقبة الخلفية والجانبية إلى العضلة الصدرية الواقعة خلف الصدر. كان الدكتور حكيم يقوم بتطبيق تقنيات العلاج في مكتبه الذي لا تفصله عن حجرة موظفة الإستقبال سوى جدار واهن وحيد لا يفصل عنه الإزعاج الذي تحدثه الموظفة أثناء حديثها بالتلفون مع بعض المرضى. في كل مرة، أثناء تطبيق تقنية "هافل"، يقوم برش العضلات بسائل شبيه بالإيثر من قارورة ذات فوهة ضيقة جداً حتى تتخدر العضلة من شدة البرودة، وبعدها يقوم بالتدليك بشكل طولي في اتجاه ألياف العضلة. يكرر العملية مع كل العضلات المثيرة للألم. كان لزاما عليه أن يلمس العضلة الصدرية أثناء العلاج. أخبرته المرأة بشعورها بتحسن كلما سألها عن حالها، وعاودت العلاج أكثر من مرة دون أن تبدي أي شكوى. ولكن في أحد الأيام وبعد مرور عدة أسابيع، وصلت رسالة من الجمعية الطبية تتضمن اتهام الطبيب بممارسة العلاج بشكل غير مناسب، وتطالب بتوضيح وافٍ عن سبب استخدامه لهذه التقنيات في العلاج وماهي أسس اعتماده. أصابت الرسالة وقتها الدكتور حكيم بالذهول. لقد كانت الشكوى الأولى بحقه بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الممارسة الطبية، ومع ذلك أدرك بأن عليه الإمتثال وأرسال تقرير مفصل ومدعم بصور بيانية لتقنية رش العضلات الصدرية أستخلصها من كتاب هافل الشهير وموضحاً ضرورة لمس الصدر أثناء أداء ذلك. وتبعت ذلك بعض الإتصالات مع الجمعية الطبية أوضح فيها مكرراً سبب استخدامه لهذه التقنيات على المرأة، وبعد ذلك غلبت فترة صمت على الموضوع. ومع ذلك لم تدم فترة الصمت هذه طويلاً. وصلت رسالة أخرى تأمره بالحضور إلى تورنتو لاستلام توبيخ "شخصي" من أحد أعضاء الجمعية الطبية، لأن الأمر لم يكن كافياً أن يتم كتابة. كان طارق مدركاً بأن الأمر يعني إذلاله شخصياً. عندما دلف الجمعية أصابته حالة من الدوخان والغثيان. أنها مشكلته التي لا يستطيع إشراك أحدٍ فيها، وحينها أنتابه شعور عميق بالوحدة. في الاستقبال كانت هناك إمرأة في منتصف العمر صارمة الوجه تجلس خلف منضدة داكنة كبيرة بعرض أربعة أقدام مغطاه بكل أنواع الملفات والأوراق ترتدي سترة زرقاء فوق بلوزتها البيج الحريرية وتنورة رمادية. حملقت في شاشة الكمبيوتر أمامها لبضعة ثوان قبل أن ترفع راسها وتسأل الدكتور حكيم عما يريد. بعد عدة دقائق قادته لغرفة صغيرة حقيرة تتوسطها منضدة. زينت جدرانها بصور قديمة الأطر لرجال كهول مشيبي الرؤوس ذوي حواجب كثيفة، أفترض الدكتور حكيم أنهم الرؤساء السابقون للجمعية. خلف المنضدة جلس طبيب شاب في نصف عمر الدكتور حكيم. كان يبدو أنه يقرأ شيئا في أحد الملفات. لم يقف مرحباً ولم يمد يده مصافحاً ولكنه بادره قائلاً "آه، دكتور حكيم تفضل بالجلوس". وباشر بعدها في نقاش الشكوى وإعادة كل الأسئلة التي سبق وان تمت الإجابة عليها كتابةً. كان الدكتور حكيم متفاجئاً، ولأنها تجربة ما كانت لتحدث إلا لمرة واحدة في العمر، فقد أجاب عن كل سؤال بكل اخلاص موضحاً أنه لم يخترع هذه التقنية وانما يطبقها بحذافيرها، وكما توضح الرسوم البيانية في المراجع ضرورة لمس ذلك الجزء من الصدر حتى يتمكن من تبريد ألياف العضلات تحته ليستطيع تمديدها عملياً دون ألم. أوضح مسؤول الجمعية الذي يبدو أنه متخصص في طب الأطفال للدكتور حكيم بأنه سيطبق إجراءات التوبيخ التي بدأها بالفعل. وبعد الإنتهاء من ذلك أنتاب الدكتور حكيم شعور بأن عبئاً ثقيلا قد أنزاح عن كاهله. أخذ حقيبة يده ونهض متجها للخروج شاكراً مسؤول الجمعية الذي رمقه بنظرة مباشرة في عينيه وقال "ما زلت لا أفهم لماذا كان عليك أن تلمس صدر تلك المرأة." المسير من شارع الجمعية حتى محطة القطارات كان بطيئاً وبدون هدف. إستمرّ الدكتور يتعجب من سؤال مسؤول الجمعية الأخير، وبالذات بعد تطبيقه للتوبيخ. وزاد من تعجبه أن يحكم في القضية طبيب أطفال ليس لديه اية خبرة في معالجة الألم. عندها بدأ بصياغة رسالة في مخيلته سيوجهها للجمعية محتجاً على سلوك طبيب الأطفال. يود أن يسأل مسجل عام الجمعية ولجنة التحقيق – إن وجدت- عن عدم اقتناعهم بتوضيحه ودفوعه المشفوعة بصور لرسوم بيانية تشريحية مستخلصة من أمهات المراجع الخاصة بعلاج أعراض الألم الليفي العضلي. هل قاموا فعلاً بمراجعة خبير في هذه الأعراض؟ وبماذا أفادهم الخبير؟ ألم يكن له الحق في مراجعة هذا الخبير، إن كان بالفعل هناك خبير تمت استشارته؟ ألا يفهم طبيب الأطفال هذا بأنه لا يمكن تبريد عضلات الصدر من فوق حمالة الصدر أو منشفة؟ هل كان عليه – أي طارق- أن يكون كبش فداء لاسترضاء غضب الجمهور من قصص سوء السلوك المهني المنتشرة هذه الايام؟ طغى جوعه على غضبه، لأنه بسبب قلقه لم يتمكن من تناول غدائه قبل جلسة التوبيخ. يكفيه الآن فنجان من القهوة مع كعكة محلاة وسينعم بوجبة خاصة مع الكثير من نبيذ شيراز في مقصورة الدرجة الأولى في قطار الخامسة المتجة إلى أوتاوا. في طريقه إلى محطة القطار تعمد أن يبطئ من مشيته بين المباني الشاهقة في مدينة تورنتو ليقتل مزيداً من الوقت الذي لم يتمكن منه من خلال مراقبته لعشرات البشر من مختلف الاعمار مسرعي الخطى يحملون في اليد الواحدة فناجين قهوة ورقية في اليد الأخرى حقائب يد، أو ظهر أو حقائب سفر. أدرك أنه في كندا، وأنه الوحيد الذي يستمتع بذلك المنظر. عادة تكون مقصورة الدرجة الأولى بالقرب من مقدمة القطار، وكان عليه أن يسير بضع دقائق إضافية حتى يصلها. لكن الراحة والتدليل اللذين حضي بهما أثناء الرحلة عوضاه عن كل ذلك. أستقر طارق في مقعده. وظل المقعد في جواره فارغاً خلال الرحلة. لكن أمامه جلست ثلاث نساء يبدو أنهن على معرفة ببعض وترتفع أصوات محادثتهن كما هي عادة النساء. كن جميعا في الخمسينات من العمر، أثنتان منهن شقراوات، ولكنه يعتقد أنه لمح جذور شعر سوداء في إحداهن. الثالثة كان واضحاً أنها شرق أوسطية ذات شعر أسود وعيون سوداء وبشرة زيتونية داكنة بعض الشئ مع أحمر شفاة ثقيل، وتعتبر الأجمل بين الثلاث. حضر الجرسون ليأخذ طلبيات العشاء. أختار طارق شريحة رقيقة وهي المفضلة لديه في حال لم تتوفر شريحة الأضلاع التي يحبها. كما طلب الصنف الوحيد من النبيذ وهو نبيذ ميرلو الأحمر. يفضل نبيذ شيراز ولكن ميرلو سيفي بالغرض. ترك له الجرسون كيسا من شرائح البطاطا المالحة الذي شرع على الفور محاولاً فتحه. ياله من صراع! تعجب لماذا عليهم أن يصنعوا مثل هذه الأكياس منيعة الفتح، أو أن العيب فيه هو؟ عادت له ثقته بنفسه عندما رأى النساء أمامه يعانين من نفس المعضلة. كانت النساء يستمتعن بمقارنة نكهات البطاطا المختلفة بينهن. لماذا لا يستمتع الرجال ايضاً بمثل هذه الأمور البسيطة، تساءل متعجباً. لماذا يعد الرجال من المريخ وليس من الزهرة؟. كان العشاء رائعاً. شرب ثلاثة كؤوس من ميرلو عوضاُ عن أثنين في العادة، وبعدها شعر باسترخاء ينتشر في جسده. محنة الجمعية الطبية أصبحت في طي النسيان. بعد العشاء أخرجت السيدات الثلاث حزمة من أوراق اللعب وبدأن بتوزيعها على أربع مجموعات. أدرك أنها تعني لعبة البريدج التي كان يحبها قبل عدة سنوات عندما كان طالباً في كلية الطب. غادر طارق مقعده متجها للحمام، وعلى كرسي الحمام جاهد بأن يصيب بوله الهدف مكافحاً اهتزازات القطار المتكررة. غادر الحمام عائداً لمقعده وماراً بالنساء الثلاث. أمّا الآن أو أبداً قالها في سريرته. "عادة يتهمني الناس بأني غبي! هل أنتن سيداتي بحاجة لواحد منهم؟". علت ابتسامة واسعة على وجوههن. قالت الشقراء بإثارة: "نحن في أمس الحاجة لأي رجل في هذه اللحظة!" سارت لعبة البريدج بشكل جيد. لم تكن النساء منافسات أو جادات في اللعبة، وأثار طارق اعجابهن بحظه وبراعته. قبل حوالي عشرين دقيقة من الوصول إلى أوتاوا أدرك جميعهم بأن يومهم كان جيدا وموفقا. حرص طارق أن يستجوب كل واحدة منهن. هناك دائما أمل، اقنع نفسه بذلك. المرأة الشرق أوسطية كانت خليجية وتتحدث العربية. كان أبوها خليجياً وأمها تركمانية. "ما الذي رمى بك هنا؟" سالها طارق " نفس الذي رمى بك أنت!" جاءه الرد اللاذع. "حسناً، لقد جئت قبل ثلاثين عاماً." " كنت حينها لازلت أرضع." ردت ماجدة بضحكة مكتومة. أدرك طارق فارق السن بينهما، وفكر لعلها خمسة عشر عاماً معطياً لنفسه الفائدة من التشكيك. "هل يوجد تركمان كثر في الخليج؟" " لا، بالكاد تجد أحدهم، ولكن أبي كان رجل أعمال ذا ثروة لاباس بها، وقام بزيارات لإيران وباكستان وحتى تركمنستان. وفي إحدى رحلاته هذه عرّفه أحد شركائه على إبنة عمه الجميلة، أمي، ذات الشعر الأشقر تقريبا والبشرة الفاتحة جدا، والعيون الخضراء. عرب الجزيرة لايستطيعون مقاومة هذه التوليفة في الصفات، ولذا تزوجها أبي والبقية تاريخ كما تقول أنت." "هل لديك إخوة أو أخوات هنا؟" " لا أنا وحيدة أهلي. لم يعش المواليد الثاني والثالث من بعدي." في مدرستها الراقية للبنات في الخليج كانت تلقب بـ "التركمانية"، لم يكن ذلك تقليلا من شأنها، خصوصاً وأنها مثل أمها فاتحة البشرة وجميلة جداً، وهذان المؤهلان المطلوبان لجعل الفتاة العربية مرغوبة. كان ابوها يريد ولداً، وبسبب ضغط الأهل والإخوة عليه تزوج بأخرى خليجية، وحظي منها بإنجاب صبيين. ولأكثر من سبب لم تكن ماجدة قريبة جدا من أخويها غير الشقيقين أو زوجة أبوها. ولكنها كان يسمح لها بالسفر إلى تركمانستان لرؤية أخوالها وخالاتها، وبالذات بعد وفاة والدتها بسرطان الرحم. كانت جيدة في مدرستها وكانت موهوبة في الرسم وكتابة الشعر، وحاولت الكتابة بالإنجليزية في العشرينات من عمرها بعد تخصصها في الأدب الإنجليزي في الجامعة. كانت تتلقى التشجيع الدائم من أستاذها، رود هامفري، الاستاذ الأمريكي المتخصص في أدب شكسبير. ومنذ البداية كانت تنتابها نزوة الفتاة المراهقة تجاه استاذها، ولكن بعد سنتين من تلقي الدروس على يديه، تأكدت بأنها واقعة في غرامه وتريد أن تثير إعجابه بنظم الشعر بالإنجليزية. وفي المقابل كان هو لايجيد من العربية سوى بضع كلمات للتحية. أصبح لديها عدد لا يستهان به من القصائد المنشورة في الصحف المحلية، وبالنسبة لإمرأة كان يعد ذلك إنجازاً في حينه. أخبروها بأن النساء لايجوز لهن وضع أسمائهن الحقيقية على أشعارهن، ولا أن يصفن مشاعر الحب في قصائدهن. ولكن ماجدة المتمردة تحدت هذه القواعد وكانت حريصة على أن يقرأ رود شعرها وأن تثير إعجابه. كانت أغلب تلك الأشعار تعبر حقيقة عن حبها السري له، وكم تعاني في الحفاظ على هذا السر. في ذلك الوقت كانت هناك صحيفتان تصدران بالإنجليزية، واحدة متخصصة بالأخبار ومواضيع عن الهند لتخدم مئات الآلاف من العمال القادمين من شبه القارة الهندية، والأخرى كانت المفضلة للأمريكان والبريطانيين. رئيس تحريرها البريطاني كان شابا متحرراً وجريئا فكان يسعد بنشر قصائدها على صحيفته. عند تخرجها بدرجة البكالوريوس في ذلك التخصص تقدمت بطلب التوظيف في المدرسة الثانوية الواقعة في نهاية شارع جامعتها كمُدَرّسة للغة الإنجليزية، وهي من الوظائف القليلة والتي يرحب بتوظيف النساء فيها. بعكس المجتمعات الأخرى، فإن النساء العرب لسبب أو لآخر لا يجدن مكاناً في مهن كالتمريض أو التجارة أو المطاعم أو البنوك. لم يكن عليها الانتظار طويلاً لإجراء مقابلة التوظيف وتوقيع العقد. رود قدّم لها توصية رائعة للجنة القبول وهذا ما أثار سعادتها الغامرة. كما سعدت أيضاً بأن هذه الوظيفة توفر لها شقة صغيرة وأنيقة ضمن سلسلة من ثلاث بنايات سكنية شاهقة تقع بين المدرسة والجامعة. وبالرغم من أنها كانت تتمتع بقدر يسير من الإستقلالية في منزل والدها، إلا أنها كانت تجد عيون العائلة المراقبة لتصرفاتها أكثر مما تحتمله. كانت دائما تجد حريتها عندما تزور تركمانستان، أو في بعض الأحيان عندما تقضي الليل في منزل إحدى الزميلات خارج المنزل، ولم يكن هناك أي وجود للصبيان عدا الأخوة المدللين لزميلاتها. "كنت آمل أن يكون لدينا متسع من الوقت لاستكمال سماع قصتك الساحرة." قالها طارق عندما بدأ القطار يبطئ من سرعته على الجسر الممتد على طريق الريفرسايد مقترباً من محطة القطارات بالمدينة. "ولكن يمكننا اللقاء على كوب من القهوة في أي وقت قريباً؟ هل يمكنك الوثوق بي بإعطائي رقم هاتفك؟" أدارت ماجدة الفكرة في ذهنها برهةً قبل أن تكتب الرقم على طرف الصحيفة التي كانت تقرأ فيها من قبل. "أنا قد لا أكون متواجدة ولكن يمكنك ترك رسالة." أضافت بالقول. في اليوم التالي، لم يكن طارق قد أرتبط بأي مواعيد في العيادة، وكان ممتناً لأنه لم يفعل كذلك. كان ذهنه يتجول بين موقف الإذلال في الجمعية والوجه الصبوح لتلك المرأة من الخليج. في نهاية اليوم نسيَ حادثة الجمعية وركّز على ماجدة وحكايتها وأنه قريباً يمكنه اللقاء بها. قرر أن يترك الأمر لأسبوع من الزمان وأن لا يكشف عن مدى اشتياقه. من ناحية كان عليه أن يلعبها بهدوء، أما من الناحية الأخرى فكان يعلم أن ليس أمامه متسعاً من الوقت ليستمتع بحياته بعد الطلاق. * * *