أحلام شهرزاد - الفصل 7 - بقلم طه حسين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أحلام شهرزاد
المؤلف / الكاتب: طه حسين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

رواية احلام شهرزاد الفصل السابع والاخير وأوى الملك إلى مضجعه من ليلته تلك، وأحب شيء إليه أن يعود إلى ليل الناس، فينام كما ينامون، لا يعتاده الأرق ولا يوقظه الطيف ولا يسليه القصص النائم أو القصص المستيقظ، فنفس الإنسان سئوم، وقدرتها على احتمال الأعاجيب محدودة، وقد احتملت نفس شهريار من الأعاجيب أكثر مما كانت تطيق، فليعد رجلًا من الناس، وليحيَ بغرائزه الجامحة وعقله المتواضع الضئيل كما يحيون، من له بذلك؟! وما سبيله على النوم؟! وما سلطانه على الأطياف؟! إنه لمغرق في نومه، قد فقد فسه وفقدته نفسه، ولكن هذا صوت الطائف يبلغ أذنيه، وهذا شيء كأنه يد الطائف يمس كتفه، وهذه الكلمة تلقى في روعه: ما أسرع ما سئمت قصص شهرزاد! أسرع فإنها توشك أن تتحدث إلى نفسها، وينهض الملك مسرعًا لا يُلَوِّي على شيء، فيسعى من غرفته إلى غرفة الملكة، ويمر بأحراسه وبأحراس الملكة غير ملتفت إليهم ولا حافل بهم، وينسلُّ إلى غرفة الملكة رفيقًا رشيقًا حتى يأخذ مجلسه ذاك الذي تعود أن يأخذه كأن العهد به لم ينقطع، وإذا هو مصغ قد جمع نفسه كلها وضم بعض أجزائها إلى بعض، كما تنضم أوراق الزهرة التي تنتظر لتتفتح أن تمسها قطرة الندى. وهذه قطرة الندى تمس نفس شهريار؛ فهذا الصوت المعروف المألوف يقول: «فلما كانت الليلة الرابعة عشرة بعد الألف قالت شهرزاد.» ثم ينقطع الصوت وتستأنف شهرزاد حديثها قائلة: «بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة فاتنة ردت على ملوك الجن سفراءهم، وأبت أن تسمع طلب السلم إلا من الذين شبوا نار الحرب، وقد عاد السفراء إلى سادتهم مخذولين مدحورين، ولكن وزراء الملكة ورجال حاشيتها أنكروا في أنفسهم صنيع مولاتهم بالسفراء ومن أرسلوهم، ولم يستطيعوا مع ذلك أن يجهروا بما أضمروا أو أن يعلنوا ما أسروا، وعرفت الملكة ذلك، فلم تسألهم عنه ولم تبادلهم بشيء منه. على أن أباها طهمان بن زهمان هو الذي اجترأ عليها هذه المرة كما اجترأ عليها حين تحدَّتْ ملوك الجن ودعتهم إلى الحرب.» قال طهمان بن زهمان: «لم يبق لي من الأمر شيء يا ابنتي يبيح لي أن أتحدث إليك فيما تبرمين أو تنقضين، بل لم يكن لي من الأمر شيء قبل أن أنزل لك عن هذا الملك الذي أنت أحق به مني، وأقدر بشبابك وحكمتك وفطنتك على تدبيره وتصريف أموره من هذا الشيخ الفاني الضعيف، فلست أتحدث إليك الآن؛ لأن لي في الحديث حقًّا يبيحه لي القانون أو تخولني إياه مراسم الملك، وإنما أنا أب يتحدث إلى ابنته، ومن حق الآباء يا ابنتي، بل من الحق عليهم، أن ينصحوا لأبنائهم، وإن كان من العسير على الشباب الذين يستقبلون الحياة واثقين بأنفسهم وبالحياة أن يسمعوا لنصح الشيوخ الذين يستدبرون العيش شاكِّين في أنفسهم وفي العيش، فهبيني أريد أن أريح نفسي حين أراجعك فيما أصدرت من أمر، إنك ملكة يا ابنتي، وللملوك حرمة وقدس، وما أرى إلا أنك حريصة على أن تُرعى حرمتك ويوقَّر لك ما أنت جديرة به من الإكبار، وأحسب أن أول ما يجب عليك في ذلك هو أن تؤدي إلى الغير ما تحبين أن يؤديه غيرك إليك، وقد كانت بينك وبين هؤلاء الملوك حرب أعلنها السفراء، ويراد أن يكون بينك وبين هؤلاء الملوك سلم يطلبها السفراء ويقررونها. فما عدولك عن هذه الطريق المألوفة؟ وما ابتداعك سنة لم يعرفها ملوك الجن فيما توارثوا من السنن والتقاليد؟! وسيقول بعض شعراء الناس في يوم قريب أو بعيد: فيوم علينا ويوم لناويوم نُساء ويوم نُسرُّ وهذا اليوم لك يا ابنتي، فلا تَبْطَري ولا تأشري، ولا تسرفي على عدوك المنهزمين، وخصمك المقهورين؛ فقد يكون يوم آخر عليك فيأشر عدوك كما أشرت، ويبطر خصمك كما بطرت، ويسرفون عليك كما أسرفت عليهم، ويردون سفراءك مهينين كما رددت سفراءهم مهينين. وشيء آخر يا ابنتي وددت لو قدَّرتِهِ وفكرتِ فيه؛ فقد كان هؤلاء الملوك يستطيعون أن يرجعوا عن حربك كما أقدموا عليها دون أن يسفروا إليك أو يعرضوا عليك صلحًا، ينتظرون أن تدور الأيام لهم بعد أن دارت عليهم؛ ولكنهم قبلوا الأمر الواقع ومضوا على سنة الملوك من قبلهم، فاعترفوا لك بالغلب وألقوا إليك السلم وطلبوا منك الصلح، فاحذري وقد لقيتهم هذا اللقاء ورددت مجاملتهم هذا الرد، أن يعودوا أدراجهم، وأن يطاولوا ويماطلوا وينتظروا معاودة الحظ لهم، وأن يبقى الأمر بينك وبينهم مختلطًا مضطربًا، لا هو بالسلم التي تُستأنف فيها الصلات بين الأمم والشعوب، ولا هو بالحرب التي يكون فيها الغالب والمغلوب، وما أظن يا ابنتي أنك تريدين أن تغيري على هؤلاء الملوك في ممالكهم، ولا أن تغزو جيوشك كل واحد منهم في عقر داره؛ فقوتك لا تبلغ هذا، وحبك للرعية يأبى عليك أن تعرضيها لحرب الهجوم بعد أن عصمتها من حرب الدفاع. وإذًا فسيبقى الأمر معلقًا بينك وبين أعدائك حتى يستأنفوا الحرب أو تزهدي أنت هذه الحال المعلقة فتطلبي إليهم السلم، ويوشك كل واحد منهم أن يرد عليك سفراءك كما رددت عليه سفراءه. وبعد؛ فإن الملوك لا يعاملون أنفسهم هذه المعاملة، ولا يطلب أحدهم إلى الآخر أن يذل ويستكين ويسعى طالبًا للصلح ومعطيًا بيده. كان ذلك يجري في الزمن القديم قبل أن تتحضر الجن وتقرر القواعد التي تنظم العلاقات بين الأمم والشعوب وبين الدول والملوك، فأما الآن فإن نظام السفراء لم يخترع عبثًا، وإنما أنشئ لمثل هذا الأمر الذي أنتم فيه.» قالت الملكة باسمة: «أحببْ إليَّ بكل ما تأمرني به يا أبت وبكل ما تشير به علي؛ فأنت الملك وستظل الملك دائمًا، وإنما أنا رعية لك، وإذا نهضت بالأمر فإنما أنهض به؛ لأن طاعتك عليَّ واجبة، ولأن شبابي وقاء لشيخوختك، وكل ما قلته لي حق لا غموض فيه ولا غبار عليه لولا أني ضامنة أن هؤلاء الملوك الذين أثاروا حربهم ظالمين لن يستطيعوا أن يعودوا إلى ممالكهم حتى آذن لهم بهذه العودة؛ فإن السر الذي أتاح لي أن أحول بينهم وبين الفوز يتيح لي أن أحول بينهم وبين الإياب إلى أوطانهم، فهم معلقون بأمري بين النصر والهزيمة: لن يُنْصروا لأني لا أريد لهم أن ينصروا، ولن يرجعوا لأني آبى عليهم أن يرجعوا.» قال طهمان بن زهمان: «ويحك يا ابنتي! أتستطيعين ذلك؟» قالت: «كما استطعت أن أقفهم موقفهم هذا لا يتقدمون خطوة.» قال طهمان بن زهمان: «إن كل أمرك غير مفهوم يا ابنتي، ويظهر أنك لا تريدين أن أفهم منه شيئًا.» قالت الملكة باسمة: «من يدري؟! لعلك تفهم منه كل شيء في وقت قريب أقرب جدًّا مما تظن، ولكنك تنكر عليَّ ردِّي للسفراء ومعاملتي للملوك بغير ما جرى به العرف، وحملي إياهم على ما لا ينبغي لهم من الذلة والهوان، وقد كان هذا حقًّا لو أني أثرت عليهم حربًا ظالمة، وقد كان هذا حقًّا لو أنهم أثاروا عليَّ حربًا دعا إليها اختلاف مصالح الشعوب وتباين منافعهم وتقديرهم لهذه المصالح والمنافع، سواء أكان هذا التقدير خطأ أم صوابًا، ولكنهم أثاروا حربًا ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم؛ إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة. وقد كنت تذكِّرني يا أبت بأن هذه الحرب إنما أثيرت لأن هؤلاء الملوك يحبونني ويخطبونني، وأنا لا أحب منهم أحدًا ولا أرضى لنفسي من بينهم زوجًا، وكنت تذكِّرني بأن هذا الأمر لا يعني رعيتنا ولا رعايانا من قريب أو بعيد، فهذا الظلم الصارخ، وهذا العدوان المنكر، وهذا الإهدار لحقوق الشعوب، وهذه التضحية الآثمة بالنفوس التي أمر الله أن تُعْصَمَ والدماء التي أمر الله أن تُحْقَنَ والحرمات التي أمر الله أن تُرْعَى، في سبيل شهوة فردية لا تعتمد على ما يشبه الحق أو العدل؛ كل هذا خليق أن يهدر حق مقترفيه في طاعة الشعوب، وكل هذا خليق أن يلغي حق مقترفيه في النهوض بأمر السلطان. فهؤلاء المعتدون عندي ليسوا ملوكًا ولا أشباه ملوك، وإنما هم عندي طغاة ظالمون، فإن للملك حقوقه، ما في ذلك شك؛ ولكن هذه الحقوق رهينة بواجبات ينبغي أن تؤدى؛ فإذا ضيعت الواجبات أهدرت الحقوق. فالسفراء الذين أقبلوا عليَّ ثم ردُّوا مخذولين على سادتهم، لم يكونوا سفراء ملوك يأخذون الملك بحقه، وإنما كانوا سفراء طغاة قد فقدوا حقوقهم على رعيتهم كما فقدوا حقوقهم على نظائرهم، وما أكره أن تدور الأيام عليَّ بمثل ما دارت به عليهم إن اقترفت من الإثم مثل ما اقترفوا، واجترحت من الذنب مثل ما اجترحوا، وجنيت من السيئات ما يجعلني لذلك أهلًا. وقد تعلمت منك يا أبت أكثر مما تظن أني تعلمت، وأول ما تعلمت منك أن آخذ ملكي بحقه، وأن أنهض بما عليَّ من واجب قبل أن أطلب ما لي من حق، وأن أبيح للشعب معصيتي والخروج عليَّ وإهدار سلطاني عليه، إذا لم أعرف له حقه، ولم أؤد إليه ما ينتظر أن أؤدي إليه، فلا بأس عليك، ولا بأس علي، ولا بأس على رعيتنا من هذه الخطة التي اتخذتها، وانظر! فهذا وزيرنا قد أقبل ينبئنا بأن عدونا قد قبلوا ما فرضنا عليهم من شرط، وهم يريدون أن ننظم وفودهم علينا واستقبالنا لهم.» وكان الوزير قد دخل أثناء حديث الملكة، فلما سمع آخر هذا الحديث حيًّا وقال: «إن الأمر كما ترين يا مولاتي، وإن عدوك يطلبون كيف يكون وفودهم عليك وكيف يكون استقبالك لهم؟» قالت الملكة: «فكيف ترى أن يكون ذلك أيها الوزير؟» قال الوزير: «ملوك يا مولاتي، فيجب أن يُستقبلوا كما يُستقبل الملوك، ومراسم ذلك معروفة مقررة.» قالت الملكة وهي تضحك: «بل طغاة بغاة يا سيدي، فيجب أن يستقبلوا كما يستقبل الطغاة البغاة. تلقَّهم أنت إن شئت. أما أنا فلن ألقاهم، ولك أن توكل بلقائهم من أحببت، فإذا مثلوا بين يديك، أو بين يدي وكلائك؛ فخيرهم بين الموت وبين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرعه كأسه، وأيهم اختار الحياة — وكلهم سيختارها — وأشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه، فليخلَع نفسه من الملك ولْيُلْقِ إلينا بيده، ونحن نسلمه بعد ذلك إلى وطنه يصنع به ما يشاء، ثم لا تراجعني في أمرهم بشيء قبل أن تنفِّذ ما قدمت إليك.» وتم كل شيء يا مولاي كما أرادت الملكة، ورُدت إلى شعوب الجن حقوقها المغصوبة، وحرياتها المسلوبة، وتأذَّنت فاتنة في شعبها وفي الشعوب الأخرى بأن أمور الأمم إليها؛ تُشرك فيها من الملوك والرؤساء من تشاء وكيف تشاء، وتقيد ملوكها ورؤساءها من القوانين بما تحب، وتشرف على إنفاذ ملوكها ورؤسائها لإنفاذ هذه القوانين، وتتخفف من الملوك والرؤساء إن خالفوا عن هذه القوانين. وأقامت شعوب الجن يا مولاي لهذا الحدث أعيادًا رائعة، وأرَّخت به منذ كان وما زالت تؤرخ به إلى الآن، وجعل الجن يتنزلون ببعضه إلى الإنس بين حين وحين، فيفهم الناس عنهم ذلك حينًا ويخطئون الفهم في أكثر الأحيان، وهذا مصدر ما نرى عن الناس من الاختلاف في نظم الحكم ومن اضطراب العلاقات بين الرعية ورؤسائها وبين الأمم والدول. ومن يدري يا مولاي؟! لعل عالم الجن أن يصل إلى الناس ذات يوم أو ذات قرن واضحًا جليًّا لا لَبْس فيه ولا غموض. أو لعل عقول الناس أن ترتقي ذات يوم أو ذات قرن إلى حيث تفهم عن الجن في غير مشقة ولا جهد. يومئذ أو قرنئذ تصلح أمور الإنسان كما صلحت أمور الجان. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. ولم يأوِ الملك في مضجعه حين عاد إلى غرفته كما كان يقدِّر أنه سيفعل، ولم يذهب إلى نافذة من نوافذ الغرفة ولا إلى طُنف من أطناف القصر؛ ليشرف على الحديقة ويستنشق الهواء الطلق كما تعود أن يفعل من قبل، وإنما عكف على نفسه يتدبر ما سمع ويستحضر ما شهد ويتذكر ما رأى، وكأنه أُنسي نفسه في هذا العكوف، حتى أقبلت شهرزاد وقد ارتفع النهار، فلما أحس مقدمها رفع رأسه إليها دهشًا وهم أن يتكلم، ولكنه رأى في وجهها الجد، وسمعها تقول في صوت حازم باسم معًا: «لشدَّ ما هانت عليك أمور الملك يا مولاي! ها أنت ذا تخلو إلى نفسك في زاوية من زوايا غرفتك، كأنك فرد من أفراد الناس قد فرغ للفلسفة والتفكير. ألم تحاسب نفسك على هذا الوقت الطويل الذي أنفقته في غير شئون الملك؟ ألم يخطر لك أن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه، وأن أوقات الملوك ليست خالصة لهم من دون الرعية؟!» قال الملك دهِشًا في صوت كأنه يأتي من بعيد: «يا عجبًا! كأنما أسمع حديث فاتنة.» قالت شهرزاد ذاهلة: «فاتنة! فاتنة! ليس هذا الاسم عليَّ غريبًا، وأحسب أن لي به عهدًا قريبًا.» القدس سبتمبر سنة ١٩٤٢ الإسكندرية يناير سنة ١٩٤٣ الرواية من تأليف ( طه حسين )