أحلام شهرزاد - الفصل 6 - بقلم طه حسين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أحلام شهرزاد
المؤلف / الكاتب: طه حسين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 6

الفصل 6

رواية احلام شهرزاد الفصل السادس على أن غناء عذبًا يبلغ سمعه كأنه ترتيل الملائكة — لو أن للناس أن يسمعوا ترتيل الملائكة — فلا يكاد يمس سمعه حتى ينتهي إلى نفسه الشاعرة فيوقظها في أناة ويستلها من النوم في لطف، كما كان أبو نواس يستلُّ من الدنِّ روحه في لطف، وإذا الملك يفيق من نومه، ولكنه يمسك نفسه في هذا السكون الذي كان فيه قبل أن يخرج من النوم، كأنه كان يريد أن يستبقي حلاوة هذا الغناء. وكان يظن، كما يظن الحالم حين يستيقظ، أنه يغالط نفسه ويغالط النوم، وأن اليقظة ذاهبة بلذة أحلامه لا محالة، ولكنه مع ذلك يسمع هذا الغناء العذب، ويحس موقعه من قلبه، ويتبين الأصوات التي تحمله والألفاظ التي تحويه، وكأن هذه الأصوات كانت تصدر عن هذه الأمواج الصغيرة التي كانت تصطفق من حوله وتداعب زورقه هذا الغريب، وكأن هذه الأمواج كانت تدعوه بصوتها ذلك العذب قائلة في لغة فارسية رقيقة حلوة: «أفق أيها الإنسان السعيد لتستمتع باليقظة كما استمتعت بالنوم، ولتنعم بالشعور كما نعمت باللاشعور. أفق أيها الإنسان السعيد؛ فما أقل الذين تتاح لهم السعادة في حياتهم هذه القصيرة! خذ حظك منها حريصًا عليه كلفًا به؛ فإنك لا تدري متى تفارقك أو متى تفارقها؛ كما أنك لم تدر كيف لقيتها أو كيف لقيتك. أفق أيها الإنسان السعيد؛ فإن أخص ما تمتاز به السعادة أن الذين ينعمون بها لا يدرون أأيقاظ هم أم نيام.» ثم يبعد الصوت، ويتضاءل الغناء، ويتسمع الملك؛ فلا يسمع إلا اصطفاق الأمواج هادئًا ناعمًا رفيقًا، كأنه صوت الحرير يمس الحرير، ثم ينظر الملك فيرى شهرزاد في سريرها غير بعيد وعلى وجهها ابتسامة حلوة وإشراق رائق وغبطة لا سبيل إلى وصفها، وهي تمد إليه عينيها كما يمد إليها عينيه، تريد أن تقول له صامتة ما كان يريد أن يقول لها صامتًا: ما أعذب هذا الصوت وما أجمل هذا الغناء! ولكنها لا تقول شيئًا، كما أنه هو لم يقل شيئًا، وإنما تركت عينيها ممدودتين إليه كما ترك هو عينيه ممدودتين إليها. ثم نمضي لحظات طوال أو قصار، وإذا الملك يستوي جالسًا في نفس الوقت الذي تستوي فيه شهرزاد جالسة، وإذا الملك ينهض قائمًا في نفس الوقت الذي تنهض فيه شهرزاد قائمة، وإذا الملك يسعى خطوات قصارًا كما تسعى شهرزاد خطوات قصارًا، وإذا العاشقان يلتقيان فيتعانقان، فيغيبان في قبلة عرفا أولها ولم يعرفا آخرها، ثم يفيقان، وإذا الزورق ينساب بهما في نهر ضيق هادئ كأن مياهه قد ثبتت في مجراها، وقد كُسيَ شاطئاه عن يمين وشمال عشبًا أخضر كثيفًا كأنه السندس. وينظران فإذا جماعات من الفتيات ينحدرن مسرعات عن يمين وشمال إلى النهر يحيين بالزهر النضر والأغصان الخضر ويدعون العاشقين أن هَلُمَّ فقد بلغتما جزيرة النعيم. ويرسو الزورق في مرسى قد هيئ له، ويصعد منه العاشقان صامتين، ولكن البهجة تغمر وجهيهما وتنطق عن قلبيهما بما لا تستطيع أن تنطق به الألسنة أو يصوره البيان المبين، وقل ما شئت والتمس عند القائلين ما أحببت من وصف الجنات الرائعة والرياض البارعة والحدائق الملتفة والغابات المتكاثفة والأزهار المنسقة والغدران المصفقة، فلن تبلغ مهما يكن حظك من ذلك وصف هذه الجزيرة التي ارتقى إليها العاشقان حين صعدا من زورقهما ذاك صامتين لا يقولان شيئًا. وكيف تريدني على أن أصف لك ما لا يوصف، أو أن أصوِّر لك ما لا سبيل إلى تصويره. لقد انعقد لسان شهريار لأنه أحس وعجز عن تصوير حسه، وانعقد لسان شهرزاد لأنها شعرت وعجزت عن تصوير شعورها، ومع ذلك فما أكثر ما قال الملك بعينيه لشهرزاد! وما أكثر ما قالت شهرزاد بعينيها للملك! ويخيل إليَّ أن لو أتيح لكاتب أن يترجم بعض ما كانت تقوله هذه الأعين، لزعم أن شهرزاد كانت تقول للملك: أترى إلى هذا النعيم! لقد وعدتك به، وكنت أظن أني سأكون أقدر منك على احتماله، وأني سأكون منك مكان الترجمان يدلك عليه ويمتعك به ويصف لك دقائقه، ولكني مع ذلك لم أستطع أن أثبت لقوته ولا لرقته ولا لسحره، فانتهيت إلى مثل ما انتهيت أنت إليه من العجز والاستسلام. وكأن شهريار يقول لشهرزاد: نعم! لقد قهر هذا النعيم قوتك الثائرة ونفسك الجامحة، كما قهر قوتي المتهالكة ونفسي المستسلمة، ولقد سوَّى بيننا في هذا الضعف الحلو وهذه الراحة الممتعة أو هذا المتاع المريح: لقد أنزلك إلى حيث أنا، أو رفعني إلى حيث أنت، فأنا أراك الآن رأي العين، وأنا أعرفك الآن حق المعرفة، وأنا لا أدري بأي الأمرين أنا أسعد حظًّا: أبهذا النعيم الذي يغمرك ويغمرني، أم بهذه المعرفة التي جلت لي نفسك الغامضة وكشفت لي سرك المكنون. وكانت شهرزاد ترسل إلى الملك من عينيها وشفتيها ابتسامات ساحرة لم تخل من سخرية، ولكنها كانت سخرية واضحة يملؤها الحب والحنان، وليس لها حظ من قسوة أو مرارة، وكانت هذه السخرية تلقي في روع الملك أن استمتع بهذا النعيم الذي يغمرك ويغمرني، واستمتع بهذا النعيم الذي تجده من جلاء نفسي الغامضة وانكشاف سري المكنون، وخذ من هذين النعيمين أكثر ما تستطيع أن تأخذ؛ فإنك لا تدري متى ينحسران عنك، كما أنك لا تدري متى يُسِّرا لك ولا كيف يُسِّرا لك. والشيء الذي ليس فيه شك، هو أنك ستعود ملكًا تدبر أمور الناس وتصرفها كما تريد، وأنك ستعود رعية تدبر أمورك شهرزاد وتصرفها كما تحب، ولكن أرجو ألا يشق عليك تدبير الملك، وألا يثقل عليك غموض شهرزاد. وبعد وقت لا أدري أطال أم قصر أحس الملك لسانه ينطلق وصوته يبلغ أذنيه، وإذا هو يقول: «أين نحن؟ وماذا نرى؟ وماذا نسمع؟ ألا تنبئيني آخر الأمر من أنت؟ وماذا تريدين؟!» قالت شهرزاد متضاحكة: «ماذا؟! ألم تقل عيناك منذ حين إنك قد عرفتني حق معرفتي، وإنك تنعم بهذه المعرفة؟! فما سؤالك عما تعرف؟ أين نحن؟ لقد سمعنا أننا في جزيرة النعيم. ماذا نرى؟ إنما نرى أشجارًا وأزهارًا ورياضًا وأنهارًا، بذلك تسميها اللغة؛ لأنها تشبه من قريب أو بعيد ما تعودنا أن نرى في مملكتك تلك التي تركناها أمس، والتي لو أردنا أن نرجع إليها دون أن يعيننا قصص شهرزاد لما بلغناها قبل أن ينتهي ما قدر لنا من عمر. ماذا نسمع؟ نسمع غناء تحمله إلينا أصوات هؤلاء الفتيات اللاتي نراهن ولا يريننا. أتعرف من هؤلاء الفتيات؟!» قال الملك: «ومن أين لي أن أعرفهن …؟! وهل عرفت شيئًا، أو هل عرفت أحدًا مما رأيت وممن رأيت منذ أمس؟!» قالت شهرزاد: «قد عرفتهن، فأما هؤلاء الفتيات فإني أعرفك بهن إن شئت، ولكن أمسك عليك نفسك وأمسك عليك راحتك وأمسك عليك ما يملأ قلبك من غبطة وبهجة ونعيم. هؤلاء الفتيات هن اللاتي لم ترسلهن إلى الموت؛ لأن شهرزاد شغلتك عنهن بما قصت عليك من أنباء الماضي، وبما تقص عليك الآن من أنباء المستقبل، وستشغلك عنهن بما تعرف فيها وما تنكر منها من وضوح وغموض، فهن فرحات مرحات، تراهن الآن يصورن النعيم كل النعيم، ومنهن الراضية كل الرضا، ومنهن الساخطة كل السخط، ومنهن المترددة بين ذلك، ولكنهن على هذا فرحات مرحات فيما ترى؛ لأن حياتهن لم تقتضب في غير إبانها، ولأن شبابهن لم يُرَدَّ عنهن ردًّا عنيفًا.» وكانت هذه الألفاظ التي كانت شهرزاد تنطق بها متقطعة متفرقة تبلغ أذن الملك لاذعة، وتنتهي إلى قلبه موجعة، ولم تتمها شهرزاد حتى كان الملك قد ثاب إلى نفسه واستجمع شعوره كله، وأخذ يعرض ما رأى يقظًا ونائمًا، ولكنه ينظر فيرى نفسه في زورقه ذاك، ويرى الزورق ينحدر به في النهر متجهًا صوب البحيرة التي جاء منها، وعن يمينه وشماله تلك الجماعات من الفتيات يحيين بالأزهار والغصون والغناء، ولكن في تحيتهن حزنًا أشبه بهذا الحزن الذي تصوره تحية الوداع. وينظر الملك إلى شهرزاد فيراها جالسة منه غير بعيد معرضة عنه وعن الزورق وعن شاطئ النهر الجميلين وعن جماعات الفتيات وما يحيين به أزهار وغصون وغناء، وقد أطرقت تنظر في كتاب. قال الملك دهشًا: «تقرئين! يا عجبًا! أنى لك هذا الكتاب؟!» قالت شهرزاد في لهجة التي لا تكترث بما تسمع ولا تهتم لما تقول: «يا عجبًا! أنى لنا هذا الزورق، وأنى لنا هذا النهر الذي ننحدر فيه، وأنى لنا هذه البحيرة التي نقبل عليها؟! انظر أيها الملك السعيد»، قالت ذلك وأشارت أمامها بيدها، ونظر الملك فلم تبتهج نفسه لما رأى، وإن امتلأت إعجابًا به وعجبًا له. فقد رأى النهر يتسع من ضيق، وينفرج من تقارب، ويشتد البعد بين شاطئيه حتى يمتزج بالبحيرة امتزاجًا، ورأى وجه النهار قد امتقع وأسبغ عليه شحوب عجيب يشيع في النفس ألمًا هادئًا وحزنًا فاترًا، ولكنهما على ذلك يؤذيان النفوس، وأحس كأن كل شيء من حوله قد أدركه شيء من ذبول؛ فالنسيم فاتر فيه شيء من حرارة مؤذية، والأمواج متضائلة تصطفق اصطفاقًا خفيفًا كأنما تحاول أن تشكو آلامًا خفية، فلا تستطيع الجهر بما تجد إلا في مشقة شاقة وعسر عسير، والطير تحاول أن تتغنَّى صافَّات في السماء أو راقصات على الغصون، ولكنها تتغنى فاترة حتى كأن غناءها أشبه شيء بالأنين أو الشكاة، وأشعة الشمس هادئة ذابلة تمس ما حولها في فتور كأنها تصدر عن جذوة أوشكت أن تنطفئ، وهي من ذلك تحمل حرًّا رطبًا ثقيلًا تندى له الجباه ويتصبب له العرق أحيانًا. كل شيء هامد خامد، وكل شيء جامد راكد، وفي الجو فتور لا يحتمل وثقل لا يطاق، وإذا نفس الملك تمتزج بهذا كله، وإذا قلبه يخفق في صدره خفقًا ضئيلًا ثقيلًا، وإذا نفسه تصطبغ بحزن شاحب مُمِضٍّ، وإذا هو يصبح كله حزنًا وركودًا كما أن ما حوله حزن وركود، وشهرزاد أمامه مطرقة مغرقة في القراءة كأنها لا ترى شيئًا ولا تحس شيئًا، وهي مع ذلك تختلس النظرة إلى الملك بين حين وحين تمد إليه طرفها لترده عنه، كأنما تراقبه حريصة على ألا يشعر أنها تراقبه. وقد أخذ ضوء الشمس يضعف شيئًا فشيئًا، وكأن النهار أحس برد الموت يتمشى فيه، فجعل يرتدي من الظلمة معطفًا فاحمًا قاتمًا ثقيلًا؛ ثم يجمد كل شيء ويخمد كل شيء، ويقف الزورق في مكانه كأنما شد إلى قاع البحيرة بسلاسل غلاظ ثقال. وتنهض شهرزاد فاترة متثاقلة، وتقول في صوت هادئ متكسر: «انظر أيها الملك السعيد فإن النعيم والبؤس دولة بين الناس، ينعم بعضهم ويشقى بعضهم الآخر، وينعم الرجال منهم أيامًا أو ليالي من الدهر، ثم يشقى أيامًا وليالي أخرى، وينعم الرجل منهم ساعة من نهار أو ساعة من ليل، ثم يشقى سائر ساعات النهار أو سائر ساعات الليل، وقد أخذتَ بحظك من النعيم، وأخذتُ بحظي منه؛ فلنأخذ الآن بحظنا من البؤس، ولنستقبل الآن نصيبنا من الحزن، ولنحتمل الآن عبأنا من الشقاء.» وينظر الملك فيرى — ويا هول ما يرى! — يرى على شاطئ البحيرة من يمين وشمال شيئًا يشبه الرياض والجنات وما هو من الرياض والجنات في شيء، شيئًا يشبه أن يكون أشجارًا باسقة في السماء وما هي من الأشجار في شيء، إنما هي أشياء يخيل إلى الملك مرة أنها الشجرة ومرة أنها العُمُد قد ثُبتت في الأرض وطالت في السماء وامتدت لها فروع تشبه أن تكون الغصون، ونبتت في هذه الفروع زوائد تشبه أن تكون الورق، وقامت على هذه الغصون وفي أثناء هذه الزوائد كائنات تشبه أن تكون الطير، وأسبغ على هذا كله ضوء ذابل فاتر شاحب يشبه أن يكون الظلمة لولا أن العين تنفذ منه إلى ما وراءه في كثير من المشقة والجهد والإعياء، وخرجت من أفواه هذه الكائنات التي تشبه الطير أصوات تريد أن تكون غناء؛ ولكنها لا تبلغ الجو حتى يكون بعضها بكاء وبعضها أنينًا وبعضها حشرجة كحشرجة الصريع المحتضر. هنالك يذعر الملك أشد الذعر، ولكنه لا يستطيع أن يترجم عما يجد، وإنما هي الرعدة تتمشى في جسمه كله فيضطرب اضطرابًا عنيفًا، ثم تستقر لتأخذ الملك بين حين وحين، وقد انعقد لسانه واحتبس صوته وجعلت قطرات من الدمع تساقط على وجهه بين حين وحين، وهو مقبل على شهرزاد يريد أن يسألها أين هو؟ وماذا يرى؟ وماذا يسمع؟ وماذا يجد؟ ولكنه ليس في حاجة إلى هذا السؤال، فقد خلصت نفسه لشهرزاد، وخلصت له نفس شهرزاد منذ وقفا معًا على شاطئ تلك البحيرة في ذلك الجو الموسيقي الرائع وأمام تلك الأسراب من الزوارق البديعة. لقد فهمت عنه شهرزاد، وهي تجيبه بلسان لم ينعقد، وصوت لم يحتبس، ووجه يستطيع أن يُبِين عما يجده قلبها من حزن لاذع وغيظ يملؤه الحنق ورحمة مع ذلك يملؤها الحنان: «انظر يا مولاي! هؤلاء ضحاياك! هذه الكائنات التي تشبه الطير وما هي بالطير، أتعرفها؟! إنها نفوس أولئك الفتيات اللاتي أرسلتهن إلى الموت منذ ثرت ثورتك المنكرة بالنساء فاتخذتهن أداة للهوك ووسيلة إلى إرضاء ما أفسد قلبك من غضب وما أفسد نفسك من انتقام.» تستطيع أن تحصي هذه الكائنات فسترى عددها مطابقًا لعدد أولئك الفتيات اللاتي أهدرت كرامتهن في غير حب، ثم أزهقت نفوسهن في غير إشفاق، فهذه النفوس قائمة في هذه الجنة التي تشبه الجحيم، أو في هذا الجحيم الذي يريد أن يكون جنة فلا يستطيع. إنها بائسة، إنها يائسة، إنها شاكية، إنها باكية، إن هذه الأصوات التي تسمعها تنطلق بالبؤس واليأس والبكاء والشكاة منذ أرسلتها إلى هذا المكان حتى تؤدي عنها حسابًا يوميًّا ما، فاذرف ما تستطيع أن تذرف من دموع، واحمل ما تستطيع أن تحمل من حزن، واعمل ما تستطيع أن تعمل من خير، وتجرع ما تستطيع أن تتجرع من ندم، وأقم على هذا كله عمرك وأعمارًا كثيرة تعدله طولًا، فلن تغسل قطرة من تلك الدماء التي سفكتها، ولن تُرضي نفسًا من هذه النفوس التي أزهقتها، ولن تمحو سيئة من هذه السيئات التي اقترفتها إلا أن يمسك جناح من رحمة الله، وينالك فضل من عفوه؛ فإن لله في الناس حكمة هو بالغها، وأمرًا هو منفذه. ثم يرق صوت شهرزاد ويلين حتى كأنه رحمة كله، وإذا هي تقول: «ومع ذلك — بل من أجل ذلك — قد أحببتك أيها الملك، وتحديت عندك الحب والملك والموت جميعًا، وما أدري كيف أعلل هذا الحب أو كيف أفهمه؟ فقد كنت أظن أني أبغضك أشد البغض، ولو لم أزف إليك لقتلت نفسي جزعًا ويأسًا، وقد كنت أظن أني أستطيع أن أردَّك عن ذلك الإثم المنكر الذي كنت غارقًا فيه، وما كان أحب إليَّ مع ذلك أن أنعم بحبك ليلة ثم أذوق الموت بيدك وآتي إلى حيث أشارك هذه الطير فيما تعلن من بؤس ويأس وبكاء وشكاة، وقد كنت أقدِّر بعد أن ذقت حبك ونعمت بقربك أني سأردُّ الموت عن نفسي وعن أمثالي من فتيات الدولة بما ألهيك به من قصص، وقلبي يشهد ونفسي تعلم أني ما ألهيتك بالقصص إلا لأستأنف النعيم بحبك وأطيل السعادة بقربك؛ فقد كنتُ أَثِرَةً أُظْهِرُ الإيثار، وكنت محبة لنفسي أزعم فداء غيري من النساء، وكنت كلفة بإثمك البشع أريد أن أشرب كأسه من يدك وأؤخر شرب هذه الكأس ما وجدت إلى تأخيره سبيلًا. وقد ظفرت منك بما أردت، وبلغت من حبك ما أحببت، فشاركتك في سعادتك، وشاركتك في شقائك، وقاسمتك ما أتيح لك من نعيم، وشاطرتك ما قُضي عليك من بؤس، وعصمت منك نساء الدولة على غير إرادة مني، ومن يدري؟! لعلِّي آثرتُ نفسي من دونهن بخيرٍ كُنَّ يطمعن فيه ويطمحن إليه، ففي نفوس الناس — وفي نفوس النساء خاصة — فساد كثير وشر عظيم تخفيه صروف الحياة وخطوبها، وتظهره محن الحياة وتجاربها، ومن يدري؟! لعل إثمك ذلك المنكر قد جعلك فتنة للعذارى كما جعلك فتنة لي، ومن يدري؟! لعل اللاتي رددت عنهن الموت قد كن يحسدنني على هذا الموت، ولعلهن أن يحسدنني الآن على الحياة! بل من يدري؟! لعل هذه الأصوات المهيبة الرهيبة التي تسمعها الآن لا تشكو منك، وإنما تشكو البعد عنك والشوق إليك، ومن يدري؟! لعل هذه الشكاة الملحة المؤذية أن تكون عفوًا عنك واستغفارًا لك، فنفوس الناس عامة — ونفوس النساء خاصة — ألغاز مشكلة معضلة قد عجزت عن حلها حتى فطنة شهرزاد. إن هذه النفس الغامضة التي نغَّصت أيامك وأرَّقت لياليك لا تمتاز بشيء، وإنما هي نفس امرأة لا أكثر ولا أقل. املأ نفسك إذًا أيها الملك من هذا الشقاء الذي تشهده الآن، كما ملأتها آنفًا من تلك السعادة التي شهدتها في جزيرة النعيم، واستقبل ليلك وقد ملأت نفسك من البؤس والنعيم جميعًا! فإنك لا تدري أين يجدك الغد، ولا عمَّ يبتسم لك الصبح، ولا ماذا تضمر لك الأحداث.» ويحس الملك كأن يد شهرزاد تمضي رفيقة في شعر رأسه فتبعث في جسمه طمأنينة وهدوءًا، وفي نفسه أمنًا وراحة ورَوْحًا، ثم ينسى الملك نفسه أو تنساه نفسه، ولكنه يفيق وقد تقدم الليل وأطبقت الظلمة من حوله على كل شيء إلا ذُبالة ضئيلة في ناحية من نواحي الزورق تنشر ضوءًا هادئًا غريبًا، وصوت يعرفه ويألفه يقول: «فلما كانت الليلة الثالثة عشرة بعد الألف قالت شهرزاد.» ثم ينقطع هذا الصوت المعروف المألوف ويصل إلى الملك صوت شهرزاد فاترًا أول الأمر، نشيطًا بعد ذلك قليلًا قليلًا وهو يقول: بلغني أيها الملك السعيد أن قادة الملك طهمان بن زهمان أقبلوا عليه حائرين ثائرين يقولون: «إنه السحر أيها الملك! إنه السحر الذي لا عهد به من قبل لأحد من الإنس أو من الجن!» قال الملك: «نعم، إن السحر الذي لا أعرف له مبدأ ولا منتهى.» ثم التفت إلى ابنته فاتنة كأنه ينتظر منها أن تجيب على ما قال هو وما قال القواد، ولكن فاتنة ظلت قائمة باسمة، في وجهها إشراق يصور نفسًا فرحة مستريحة، ويصور شيئًا من الإعجاب والرضا، ويصور كثيرًا من الأمل والثقة والفوز. فلما سمعت مقال أبيها ورأت التفاته إليها، قالت في طمأنينة وهدوء: «إنه السحر لأنه غير مفهوم، وسيظل سحرًا ما دام سرًّا مكتومًا، فإذا أزيلت عنه الأستار وفُهمت مخبآته أصبح علمًا شائعًا يشارك فيه القادرون على فهمه والنهوض بأعبائه.» قال الملك: «ومتى يمكن أن يُفهم، وأن يُكشف عن مخبآته؟!» قالت فاتنة: «بينا وبين ذلك آماد يا أبت، فيجب قبل كل شيء أن تنجلي الغمرة، وتكشف الغمة، ويُرد المغيرون إلى أوطانهم مقهورين. ماذا أقول؟! بل يجب أن يستسلم المغيرون، وأن ينزلوا من هذا القصر نفس المنزلة التي كان كل واحد منهم يريد أن أنزلها من قصره.» قال الملك: «فأنت تريدين إذًا أن يُستأسَروا.» قالت فاتنة: «ما من ذلك بُدُّ. يجب أن يستأسروا، ثم يجب أن يذعنوا ويؤمنوا ويتلقوا ما يُملى عليهم من أصول الصلح التي يقوم عليها نظام الحكم عندهم وعندنا، فليست المسألة أن تثار الحرب ثم تخمد نارها، وإنما المسألة أن تُمنع الحرب من أن تثار أو أن تُمنع الحرب إذا أثيرت من أن تصيب الأبرياء بما لا ذنب لهم فيه ولا حق لأحد أن يصبَّه عليهم من الموت والدمار.» قال الملك وقد أخذ الرضا يعود إلى قلبه، وجعل البشر يفيض من وجهه: «هذا كثير يا ابنتي! هذا أكثر مما كنت أرجو! هذا أكثر مما كنت أنتظر! هذا أكثر مما كنت أظن! إنك لتكلفيننا أعظم مما نستطيع أن نحتمل، وتتنقلين بنا بين اليأس والأمل وبين الخوف والأمن في سرعة ولباقة لا قِبَل لنا بهما، ولكن أبيني يا ابنتي كيف السبيل إلى أن تبلغي من خصومك ما تريدين، وهؤلاء قوادنا يريدون أن يقدموا فلا يتاح لهم الإقدام؟ لقد وقف خَصمك عن الهجوم ومنعتهم أن ينالوا منا ما يحبون، فأبلغينا منهم ما نحب، وخلي بين جيوشنا وبين الهجوم، فلما أظن أنك تريدين أن تتواقف الجيوش على هذا النحو دون أن يستطيع فريق أن يبلغ من عدوه شيئًا.» قالت: «بل أنا لا أريد غير هذا يا أبت.» ثم ابتسمت له ابتسامة ملؤها الحنان والبر وقالت: «ألم تكن تذكِّرني منذ حين يما يجب أن يستشعر قلبي من الرحمة والرفق، لا برعيتنا وحدها ولكن برعية هؤلاء المعتدين أيضًا؟! فإن هذه الحرب، كما كنت تقول، لا تعني رعيتنا ولا رعاياهم من قريب أو بعيد؛ وإنما هي شهوة جامحة دفعتهم إلى الشر والكيد، فأردت أن ألقي شرهم بمثله، وأن أدبر لكيدهم كيدًا مثله؛ فما ينبغي أن نغامر نحن ويشقى الأبرياء، وما ينبغي أن يمس رعيتنا أو رعية أعدائنا سوء، وإنما الحرب بيننا وبينهم تنافس في قوة الإرادة، وتسابق إلى الصبر على المكروه، فأينا ثبت حتى يستسلم خصمه فهو المنتصر، وأينا سئم قبل أن يسأم عدوه فهو المهزوم، وما على الرعية إلا أن تشهد هذا الصراع الذي تجري أحداثه بين سادتها وقادتها، لِتُعجب بهم إن شاءت، فقد يكون من بينهم من هو خليق بالإعجاب، ولتسخر منهم إن أحبت، فقد يكون من بينهم من هو جدير بالسخرية، ولكن لتأمن على أنفسها ودمائها وأموالها ومرافقها على كل حال.» قال الملك: «مرحى يا ابنتي! ما أحسن وقْع ما تقولين في نفسي! وما أحبه إلى قلبي! وما أدناه إلى المثل الأعلى الذي طالما أمَّلتُه وسموتُ إليه دون أن أبلغه! أيمكن يا ابنتي أن تبلغيه؟! أيمكن أن تبلغيه وأنا حاضر أشهد فوز الخير على الشر وانتصار الرحمة على القسوة؟» قالت فاتنة: «فإنك تشهد هذا كله يا أبت. لن ينالنا أعداؤنا بما نكره، ولن ننال أعداءنا بما يكرهون، ولكنهم سيفنون قوتهم في غير طائل، وسيكسرون حدتهم في غير غناء، وسيضيعون ما ادخروا من عُدة وما هيئوا للحرب من أداة دون أن يحصِّلوا من وراء ذلك شيئًا، وسيفقدون سمعتهم فيما بينهم، وسيفقدون سلطانهم على رعاياهم، وسينقلب بعضهم لبعض عدوًّا، وسيصبح بأسهم بينهم شديدًا.» قال أحد القواد: «ونحن أيتها الأميرة ماذا نصنع؟ وما حاجة الدولة إلينا منذ اليوم؟ وما قيمة جيوش لا تخوض غمار الحرب ولا ترد عدوان المعتدي ولا تدفع غارة المغير؟» قالت فاتنة: «فإن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه. أفإن جنَبْتُكم الحرب وضمنتُ لكم السلم والعافية تضجُّون وتعجُّون؟! من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده. أفضمنتم أن يُقبل جنودكم على الحرب محبين لها راغبين فيها! ألستم تعلمون فيما بينكم وبين أنفسكم أن كل واحد منهم يُؤثر أن يفرغ لحياته وعمله وأهله، وأن يأخذ نصيبه من الدنيا دون أن يُعْجِله عنه هذا الموت الذي تقضونه عليه لا لشيء إلا لهذه المغامرة التي تجري مع دمائكم وتدفعكم إلى هذه الأهوال التي تحبونها لأنكم بمأمن من آثارها؟!» قال القواد: «فهل نفهم من ذلك أن الأميرة تعفينا من أعبائنا، وتردنا إلى حياتنا الخاصة، وتُسرِّح الجيوش، وتُفرِّق الجند؟» قالت فاتنة: «لا تفهموا من هذا شيئًا، فلا أملك أن أعفي منكم أحدًا، ولا أشير على الملك بأن يعفي منكم أحدًا، ولا بأن يسر الجيش ولا بأن يفرق الجند؛ فالحرب محتملة دائمًا، والشر متوقَّع أبدًا، وخير أن نحتاط للكوارث قبل أن تقع، فلعل ذلك أن يمنع وقوعها، فعودوا إلى مواضعكم من قيادة الجيش واثبتوا، فمن يدري؟! لعل الملك يحتاج إليكم.» وانصرف القواد وهم إلى السخط أقرب منهم إلى الرضا، وإلى المعصية أدنى منهم إلى الطاعة. فلما تفرقوا قالت فاتنة لأبيها: «لقد انصرفوا، وإن قلوبهم لمطوية على غير الوفاء والولاء. ولكن التي عرفت كيف ترد عدوان المغير الخارجي تعرف كيف تكبح ثورة الثائرين في داخل الوطن.» قال الملك: «ألم يأْنِ لك يا ابنتي أن تكاشفي أباك بشيء من هذه الأسرار التي عُمِّيتْ عليه وعلى أهل المملكة جميعًا؟! وما أرى إلا أنها مُعمَّاة على أعدائنا، فانظري إليهم حائرين ينفقون جهودًا لا تحصى، ويحتملون أثقالًا لا تُستقصى، ويرون مع ذلك أنهم ثابتون في أمكانهم التي كانوا يريدون أن يُغِيروا علينا منها.» ولم يكن الملك يقول إلا حقًّا! فقد كانت تلك المناظر التي وصفناها آنفًا قائمة كما هي لم تتبدل: بحر مضطرب مصطخب تكاد أمواجه تبلغ السماء، ولكنها لا تكاد تبلغ الساحل، ورياح متناوحة متصايحة، وسحاب متراكم متراكب، وقطع من الجبال تدور في الجو تلتقي لتفرق وتفترق لتلتقي، ورعية الملك طهمان بن زهمان قد ثاب إليها الأمن وعادت إليها الطمأنينة، وجعلت تشهد هذه المناظر الرائعة معجبَة بها راضية عنها، متسلية بما تشهد منها، كأنها في ملعب من ملاعب التمثيل، أو في ميدان من هذه الميادين التي تعرض فيها الأعاجيب. وقد أخذ أفراد الرعية يتحدث بعضهم إلى بعض عن بدائع هذا السر وروائعه، ويسأل بعضهم بعضًا عن مصدره ومدبره، وقد سرى فيهم سريان البرق أن الأميرة هي مصدر هذا السحر وهي التي دبرته وقدرته، وردت ملوك الجن مدحورين في البر والبحر والجو جميعًا. وكان أفراد الرعية يسمعون عن الأميرة أحاديث مختلطة مضطربة، يعرفون جمالها الرائع وحسنها البارع، ويعرفون فتنتها وفطنتها، ويعرفون ذكاءها ونفاذ بصيرتها إلى ما لم تنفذ إليه قط بصائر الملوك والملكات، ولكن هذا كله كان يُلقى إليهم إلقاء، فيُصدَّق حينًا ويرفض حينًا آخر، ويُسمع في غير اكتراث أكثر الأحيان، فأما الآن وقد رأت الرعية ما رأت وشهدت ما شهدت، فأما الآن وقد كان الهول منها قيد إصبع ثم رُدَّ عنها ردًّا عنيفًا، فأما الآن وهي ترى الهول قريبًا منها بعيدًا عنها، محدقًا بها عاجزًا عن أن يصيبها؛ فقد أصبح إيمانها بالأميرة فتنة لا تشبهها فتنة، وأصبح اسم الأميرة في كل فرد من أفراد الرعية لفظًا يدل على حقيقة واقعة لا على لون من ألوان المجاز؛ فكل فرد من أفراد الرعية مفتون بالأميرة مشغوف بحبها هائم بقدرتها على ابتكار الأعاجيب، وربما كان الملك أعظم من أفراد رعيته جميعًا افتتانًا بابنته وإعجابًا ببراعتها وإكبارًا لسحرها هذا الذي ظن به الظنون، ثم تبين أنه لم يوجه إلى الشر كما تعود السحرة من الجن والإنس أن يوجهوا سحرهم، وإنما هو موجه إلى الخير كل الخير، موجه إلى عصمة النفوس وحقن الدماء وإقرار الأمن وحماية الصلات التي تقوم بين الدول على المودة والمعروف. وهو من أجل ذلك يلح على ابنته في عطف مرة وفي استعطاف مرة أخرى أن تكشف له عن أسرار هذا السحر، وأن تبين له دخائل هذه المعجزات، وابنته تطاوله وتماطله، تلطف به حينًا وتعنف عليه حينًا آخر، والعدو من حول المملكة والمدينة ماض في جهاده العنيف السخيف الذي يكلفه كل جهد، ولا يبلغه من وراء هذه الجهود شيئًا. وتمضي على ذلك الأيام تتلوها الأيام، والليالي تتبعها الليالي، حتى انصرفت رعية طهمان بن زهمان عما كانت ترى، وأعرضت عما كانت تشهد، وأهملت ما كانت تخافه كل الخوف، وازدرت ما كانت تُعجب به كل الإعجاب، ومضت تضطرب في حياتها تستأنف منها ما كانت قد تركته حين ألمت بها نذر الحرب، وكان الواحد من الجن من أهل المملكة يغدو على عمله ويروح إلى أهله ويتصرف في أمره كأن وطنه لم يتعرض لمحنة ولم يلم به مكروه، وكأن جند العدو لا يملأ من حوله البر والبحر والجو، وما يعنيه من عدو يُفني قوته دون أن يبلغ منه شيئًا؟ فلما كان ذات يوم جلس الملك يحاور ابنته ويداورها، يريد أن يعرف منها جلية هذا الأمر الغريب، وهي تلقاه بالإباء حينًا وبالدل والدعابة حينًا آخر، ولكن وزيره يدخل سعيدًا متهللًا، فيحيي ثم يؤذن الملك بأن سفراء العدو قد أقبلوا يُلقون بأيديهم ويسألون السلم. قال الملك: «فوجه هذا الحديث إلى التي حاربتهم فَحَرَبَتهم، فأما أنا فلست لكم بملك منذ اليوم؛ لقد أخذت نصيبي من الملك وتركت ما بقي منه لابنتي هذه؛ فهي ملكتكم منذ الآن، وهي التي ستلقى السفراء وستملي عليهم شروط السلم كما تشاؤها هي لا كما أشاؤها أنا.» ثم نهض الشيخ متثاقلًا فضم ابنته إليه ضمًّا طويلًا، ثم أجلسها مكانه وقدَّم إليها تحية الملوك. هنالك تقدم الوزير إلى الملكة فحياها تحية الملك، ثم خرج فأذَّن في القصر والمدينة والمملكة بما كان من ارتقائها إلى العرش ونهوضها بأعباء السلطان، وبأنها هي التي ستلقى السفراء وستملي عليهم شروط السلم كما تشاء. وما أكثر ما وصفت لك يا مولاي ابتهاج المدن والممالك حين ينزل ملك عن العرش ويرقى إليه ملك آخر! فقد ابتهج قصر فاتنة ومدينتها ومملكتها بارتقائها إلى عرش آبائها كما تعودوا أن يبتهجوا كلما تخلى عن عرشهم ملك وارتقى إليه ملك، ولكن ابتهاجهم في هذه المرة كان خالصًا صفوًا لا يخالطه حزن ولا يشوبه أسى. فقد كان طهمان بن زهمان حيًّا بينهم ينتظرون أن يروه لم يفارقهم إلى غير رجعة، وكان حبهم له يزيد في ابتهاجهم بابنته، وكان إعجابهم بفاتنة يخرج بابتهاجهم عن الأطوار المألوفة، ولو أن رعية عبدت ملكًا لعبدت رعية فاتنة ملكتها. وكان طهمان بن زهمان نفسه أسعد الجن بهذا الحدث العظيم؛ فقد كان يحب ابنته ويعجب بها ويفتتن ببراعتها كما قلت، وكان يرى ارتقاءها إلى العرش حقًّا وعدلًا قد ردَّ السلطان إلى أهله ووكل الأمر إلى من ينبغي أن يوكل إليه الأمر، وكان يرى نفسه أسعد من تقدمه من ملوك الجن، فقد ختم ملكُه عصرًا قديمًا مضى بحسناته القليلة وسيئاته الكثيرة، وبدأ ملك ابنته عصرًا جديدًا يظهر أن الحسنات فيه ستكون أكثر جدًّا من السيئات، ومن يدري؟! لعله أن يكون خيرًا كله، وكان طهمان بن زهمان ناعم البال قرير العين مبتهج النفس؛ لأنه يشهد هذه النقلة الخطيرة في حياة الجن، ويشهدها تتم على يد ابنته التي يؤثرها بالحب والعطف والحنان، وكان يقدر أنه قد أنفق ما أنفق من آلاف السنين، وأنه قد أشرف من حياته على آخرها، ولكنه مع ذلك يأنس في نفسه قوة وأيدًا، ويحس أن سيُمد له في العمر حتى يرى ابنته وهي تدبر أمور الملك، ولا يشك في أنه سيرى من تدبيرها العجب العجاب. وانتهت أعياد المملكة، وآن للسفراء أن تستقبلهم الملكة، فاستقبلتهم في حفل ساذج يسير لم يتعوده القصر ولم تتعوده الرعية، فلم تقم زينات ولم يصطف الجند ولم تجلس الملكة للناس في ذلك البهو العظيم من أبهاء القصر، وإنما خلت إلى أبيها في غرفته تلك التي كانت تخلو فيها إليه، وأذنت للوزراء وقادة الجند وساسة الملك، فلما أخذ كل منهم مجلسه أذنت للسفراء؛ فلما أدخلوا عليها وتقدموا بتحية ملوكهم وسادتهم وهموا أن يطلبوا إليها السلم، أشارت بيدها فاستمعوا لها، فألقت إليهم هذه الكلمات في صوت هادئ ملأ قلوبهم رهبًا ورعبًا. قالت: «تعلمون أن هذه الحرب لم تثر بين دولنا وإنما أثارها أشخاص ملوككم على شخصي، فلا سفارة في هذه الحرب ولا سفارة في هذا الصلح؛ فعودوا إلى ملوككم موفورين، وأبلغوهم أن من أراد منهم صلحًا فليلتمسه بنفسه ساعيًا إليه لا مسفرًا فيه.» وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. وامتنع النوم على شهريار هذه المرة بعد أن انقطع حديث شهرزاد، ولكنَّ أرَقَه لم يكن ثقيلًا عليه ولا بغيضًا إليه في هذه الليلة؛ فلم يحتج إلى أن ينهض من مضجعه، ولم يشعر بالحاجة إلى النشاط الذي يذهله عن نفسه ويشغله عن خواطره، وإنما كان حريصًا أشد الحرص على أن يخلو إلى نفسه ويفرغ لخواطره بعد أن شغل عنها وقتًا طويلًا، بما مر به من الأحداث وما ألقي إليه من الأحاديث، وكان كل همه أن يخطئ النوم طريقه إليه، وأن يبقى هو في مضجعه وادعًا مطمئنًّا يستعرض حياته هذه المعقدة أشد التعقيد الملتوية أشد الالتواء، يستحضر ماضيه البعيد والقريب، ويحاول أن يتصور حياته فيما يستقبل من الأيام، وكذلك أنفق بقية الليل مع نفسه ناظرًا بين حين وحين إلى شهرزاد، وهي مغرقة في نومها الهادئ كأنها لم تقص عليه شيئًا ولم تتحدث إليه بشيء، وكان يذكر أيامه تلك السود حين كانت امرأته تلك تخدعه عن نفسه وعن حبه وعن شرفه وتزدريه فيما بينها وبين نفسها أشد الازدراء، تستعين على ذلك بوصائفها وجواريها، غير حافلة بما أعطت على نفسها من عهد، ولا آبهة لجلال الملك ولا مقدرة لعواقب الخيانة والغدر، وكان يذكر مرارة الانتقام وحلاوته، ونار الغيرة تلك التي كانت تتأجج في صدره فتحرق قلبه تحريقًا، وكانت مع ذلك بردًا وسلامًا على نفسه الجريحة الثائرة. ثم كان يذكر تلك الأيام السود التي أنفقها بعد مصرع نساء القصر نهبًا مقسمًا بين لذة الحب وشهوة الانتقام، يُقبل على اللهو بقلب يظهر الفرح والمرح والابتهاج والغبطة، وفي ضميره الغيظ والحنق والبغض الذي لا يطفئ جذوته إلا الدم المسفوك. أكانت أيامًا يشرق فيها ضوء النهار، أم كانت ليالي مظلمة لا يهتدي الضوء فيها إلى سبيل؟! أكان في تلك الأيام إنسانًا يحس ويشعر ويفكر ويقدر، أم كان قوة مدمرة لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم؟! ثم كان يذكر شهرزاد حين عرضها عليه أبوها الوزير وفي نفسه كثير من خوف وقليل من رجاء، وحين أقبلت إليه مع الليل تظهر حبًّا وثقة وتضمر بغضًا وخوفًا، ومن وراء ما تظهر وما تضمر حيلة واسعة وذكاء عجيب نفاذ. ثم يذكر هذه الليالي المتتابعة التي شغلته فيها شهرزاد بنفسها وقصصها عن الحب والبغض، وعن الغيرة والانتقام، وعن نفسه وملكه؛ حتى إذا انقضى القصص ورُدَّ إلى نفسه ملكًا كما كان في تلك الأيام السود، ردت إلى نفسه خواطرها الحمر وعواطفها الثائرة وشهواتها المضطربة المختلطة، ورُد إليها قبل كل شيء هذا القلق المتصل الذي يفسد الحياة على الأحياء، ونظر فإذا هو بين نفسه هذه المضطربة القلقة الثائرة التي لا يستطيع أن يخلو إليها، وبين شهرزاد هذه المحبة المبغضة الرحيمة القاسية الفاتنة المفتونة الواضحة الغامضة، التي لا يعرف لها كنهًا ولا يطمئن منها إلى حال، وهو مقسَّم بين هذين النوعين من العذاب، يخلو إلى نفسه فيشقيه القلق والخوف، ويخلو إلى زوجه فيشقيه الحب والشوق إلى المعرفة واليأس من إرضاء الحب ومن إرضاء الشوق إلى المعرفة. ثم يذكر تلك الليلة التي آذنه فيها طائفه ذاك بأن شهرزاد ستستأنف الطب لنفسه نائمة بعد أن كانت تطبُّ لها يقظة، وإذا هو يسمع من هذا القصص ما يسمع، فينعم بشهرزاد نائمة ويشقى بها مستيقظة. وتشعر هي بذلك فتريد أن تطب له في الحالين، فتخلط يقظته بنومه وتجعله يحلم نائمًا ويقظان. وإلا فأين هو الآن؟! أين هو من قصره ومدينة ملكه؟! أين هو من جنده وحاشيته؟! أين هو من غرفته وأحراسه؟! ما هذا الزورق؟! وما هذه البحيرة التي يسبح فيها الزورق على غير هدى؟! كيف انتهى إليها! كيف حُمل عليها؟! ماذا رأى فيها؟! ماذا عرف منها وماذا جهل؟! أنائم هو أم يقظان؟ أحالم هو أم عالم؟ أعاقل هو أم مجنون؟ ولكن ماذا؟ هذا صوت حلو يبلغ سمعه، إنه صوت شهرزاد، إنها تتحدث إليه، لقد أفاقت من نومها، إذًا أين هو من الزمن؟ أفي الليل هو أم في النهار؟! إنه يفتح عينيه ويقلبهما في كل وجه فيرى نورًا لا يشبه النور وظلمة لا تشبه الظلمة. أنائم هو أم يقظان؟ أحالم هو أم عالم؟ أعاقل هو أم مجنون؟ ولكن حديث شهرزاد يصل إلى أذنه، ما في ذلك شك، إنها تدعوه وتلح في الدعاء، إن صوتها لا يخلو من دُعابتها الساخرة الساحرة، إنها تنبئه بأنه ليس نائمًا ولا حالمًا ولا مجنونًا، ولكنه يقظان عالم عاقل، يحس نفسه كما هي، ويحس الأشياء من حوله كما هي، ويسمع صوت شهرزاد التي تتحدث إليه ويفهم عنها حديثها حق الفهم، ولكنه لا يكاد يطمئن إلى هذا الحديث. إنه ينكر هذا الطور من أطوار الزمن الذي لا يشبه النهار كما عرفه ولا يشبه الليل كما ألفه؛ لأنه ليس في عالم الليل والنهار، وإنما هو في عالم غريب من عوالم القصص. أفق يا مولاي من نومك إن كنت نائمًا، ومن يقظتك إن كنت مستيقظًا؛ فلست في عالم الليل والنهار، ولست في عالم النوم واليقظة، ولست في عالم الحلم والعلم، وإنما أنت في عالم يختلط فيه هذا كله، ويشتبه فيه هذا كله، ولا تميز فيه إلا نفسك وإلا حبيبتك، شهرزاد. أفق يا مولاي أو لا تفق؛ فإن كلا الأمرين سواء. اسمع مني وتحدث إليَّ أو لا تسمع مني ولا تتحدث إليَّ! فقد خلصت نفسك لي كما خلصت نفسي لك، فليفرغ كل منا لصاحبه، فقد غفل عنا كل شيء لأننا خرجنا من كل شيء وبعدنا عن كل شيء. افهم يا مولاي أو لا تفهم؛ فليس من المهم أن تفهم أو لا تفهم، وإنما المهم أن تتحدث نفسك إلى نفسي، وأن يصل إلى نفسي حديث نفسك سواء أحمله إليَّ الصوت أم انتهت به إليَّ نجوى الضمير. وأنفق الملك ما شاء أن ينفق من الوقت غائبًا عن نفسه وشاهدًا لها، يحس في قوة لذة مؤلمة أو ألمًا لذيذًا، قد فني في شهرزاد وفنيت فيه شهرزاد، فعرف الحب حين يبلغ أشد أطواره عنفًا، وعرف الحب حين يبلغ أعظم أطواره رقة ولينًا ولطفًا. يجد ذلك كله في نفسه، ولكنه لا يحسن تصوره ولا تصويره ولا وصفه ولا التعبير عنه. إنما امتزجت نفسه بنفس حبيبته، فأصبحا حبًّا خالصًا يسبح بهما زورق غريب في بحيرة غريبة وفي عالم ليس إلى تصوره ولا إلى تصويره من سبيل. عالم كان يقرأ عنه في الكتب حين كان المتصوفة يعرضون ما يعرضون من تلك الأطوار الغريبة التي لم يكن يتصورها ولم يكن يصدق أن إنسانًا يستطيع أن يبلغها. أتكون شهرزاد هاديته إلى التصوف ومرشدته إلى الحقائق العليا وإلى عالم المعرفة الذي تطمح إليه نفس الإنسان طموحًا غامضًا وتشقى لأنها لا تبلغ منه ما تريد! ومهما يكن من شيء، فقد أخذ الملك يثوب إلى نفسه قليلًا قليلًا، ويجد في هذا ألمًا ممضًّا، ويحس كأنه يدفع إلى عالم لا عهد له به، وكأن نفسه قد أصبحت غريبة في هذا الجسم الذي تُرَد إليه، وكأنه قد ارتقى في الجو إلى أبعد ما يمكن أن يرتقي، ثم أهبط فجأة إلى الأرض، فكاد يختنق من سرعة الهبوط، وكادت نياط قلبه أن تتقطع من شدة ما حبس عنه الهواء. وأخذ الملك يحس كأن شهرزاد إلى جانبه تجد مثل ما يجد، وتألم مثل ما يألم، ويعاودها الشقاء كما يعاوده الشقاء، ثم ينظر فإذا هو إلى جانب شهرزاد قد وضع يده في يدها ينظر إليها دهشًا وتنظر إليه دهشة، والزورق يسبح بهما دائمًا في الماء والضوء والموسيقى والغناء. هنالك يسمع الملك صوت نفسه وهو يسأل شهرزاد وكأنه يأتي من بعيد: «أين نحن؟! ماذا نسمع؟! وماذا نرى؟! ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟!» ثم يسمع ضحك شهرزاد ساخرًا ساحرًا وصوتها مداعبًا ملاعبًا وهو يقول: «لقد رجعت إليَّ مولاي ورجعت إليك بعد غيبة طويلة.» انظر! هذه شهرزاد تتحدث إلى شهريار في زورق من زوارق القصر على تلك البحيرة التي أشرف عليها القصر يومًا ما، ومدَّ إليها وما زال يمد إليها يدًا كأنه يريد أن يهوي إليها أو أن يأخذ منها شيئًا. «انظر يا مولاي! أترى إلى هذه الأسراب من الزوارق تزينها الغصون الخضر والورق النضر والزهر البهيج! إنها تسبح فيها كما يسبح هذا الزورق، وفيها أزواج من الفتيات والفتيان قد نعموا كما نعمنا وألِمُوا كما ألمنا، وهم يعودون إلى حياتهم الهامدة الجامدة الراكدة كما نعود إليها، وفي نفوسهم مثل ما في نفوسنا من الحزن، وفي قلوبهم مثل ما في قلوبنا من الأسى. انظر يا مولاي! املأ عينيك مما ترى، وأذنك مما تسمع، ونفسك مما تشهد، فلن يبقى لك من هذا كله إلا الذكرى. انظر يا مولاي! بحيرة من ماء يغمرها بحر من ضياء، وبحر من موسيقى، وبحر من غناء، ويقوم عليها إلى حين قصر ملك من الملوك شقي فيه وسعد، ونعم فيه وابتأس، ثم خرج منه فخرج من سعادة الناس وشقائهم، ومن نعيم الناس وبؤسهم حينًا طويلًا أو قصيرًا، ثم هو يعود إليه ليستأنف فيه حظه من سعادة الناس وشقائهم ومن نعيم الناس وبؤسهم.» قال الملك في صوت حزين كأنما يأتي من بعيد: «أليس يمكن أن ننأى عن هذا القصر إلى آخر الدهر؟!» قال شهرزاد: «ليس ذلك في طاقة القصص يا مولاي؛ وإنما القصص فرجة من حياة الناس تطل على عالم المثل العليا، يخرج الناس منها ليعودوا إليها. هلم يا مولاي! ألا ترى أن الزورق قد انتهى بنا إلى حيث دعانا إلى نفسه منذ حين؟! ألا تسمع دعاء القصر؟! إنه يلح علينا في أن نصعد لننعم كما كنا ننعم، ونأسى كما كنا نأسى.» وتنهض شهرزاد وتأخذ بيد الملك، وإذا هما في ذلك البهو الذي تناءت أرجاؤه، وتباعدت أطرافه، وأحاطت به البحيرة من جهاته الثلاث، وغمره ذلك الجو الغريب من الموسيقى والغناء، وإذا شهرزاد قد أجلست الملك في مجلسه ذاك وجلست إلى جانبه رفيقة به عطوفة عليه، تسأله بصوتها الهادئ العذب الذي يمتزج بما حوله من الموسيقى: «أيرى مولاي أن شهرزاد قد وفت بما قدمت له من وعد؟» ثم ينظر الملك فلا يملك أن يدفع صيحة منكرة ملؤها الدهش والحنق والغيظ: «ماذا؟ أين أنا؟» ولكن رئيسة الوصائف تتقدم إليه فتحييه ثم تقول: «أرجو أن يكون مولانا قد أنفق وقتًا سعيدًا.» ***