أحلام شهرزاد - الفصل 5 - بقلم طه حسين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أحلام شهرزاد
المؤلف / الكاتب: طه حسين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

رواية احلام شهرزاد الفصل الخامس وملوك الجن يا مولاي لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه ملوك الناس حين يكتب بعضهم إلى بعض من قطع الآماد البعيدة في الأوقات الطويلة؛ ليظهر بعضهم على رسائل بعض، ولكن لهم فنونًا من الحيلة يقطعون بها أبعد الآماد في أقصر الأوقات، يكون أحدهم في أقصى الشرق فيبلغ ما يريد لصاحبه في أقصى الغرب قبل أن يرتد إليه طرفه، لا تعوقه مسافة، ولا تصده أمواج البحر ولا عقاب البر ولا عواصف الجو، كأن لهم أرواحًا تسعى بينهم بالرسائل؛ فكلهم بعيد من صاحبه إلى أقصى غايات البعد، وكلهم قريب من صاحبه إلى أدنى آماد القرب. وما أكثر ما يأخذ الناس عن الجن! ولكن ذلك لا يتأتَّى لهم إلا بعد الجهد والمشقة، وحين يخطر لروح من أرواح الجن أن يتألف فردًا من أفراد الناس، ومن يدري يا مولاي! لعل الناس فيما يستقبل من الأيام أن يتعلموا من الجن وسائلهم هذه في استخدام الأرواح، يتواصلون بها على بعد الشقة وتنائي الآماد. ومهما يكن من شيء يا مولاي، فقد أقبل وزير الملك طهمان بن زهمان قبل أن يفرغ الملك من حديثه إلى ابنته، وجِلًا يُخفي وجله في كثير من الجهد، ومذعورًا يُسِرُّ ذعره في كثير من العناء. فلما مثل بين يدي الملك والأميرة قال في صوت متهدج مضطرب: «لقد أبلغت تحدي مولاتنا إلى ملوك الجن جميعًا في البر والبحر والجو؛ فكلهم قبل التحدي، وكلهم أنذرنا بحرب تبدأ الآن، ولكنها لن تنتهي فيما يقولون إلا حين تُسْتَأْسَرَ مولاتنا للمنتصر.» ثم وقف واجمًا ذاهلًا لا يكاد يعقل شيئًا، بل لا يكاد يأتي حركة. فنظرت إليه الأميرة باسمة ساخرة، وقالت في صوت المتضاحكة: «ثم ماذا أيها الوزير؟» قال مضطربًا متلعثمًا: «ثم إني أقبلت يا مولاتي أرفع الأمر إلى مولانا وإليك وأتلقى أمركما.» قالت: «فأي أمر تريد أن تتلقى؟» فوجم الوزير، ونظر أمامه والتفت عن يمين وشمال، كأنه يتلمس من يلهمه الرد على الأميرة. فلما لم يرَ أحدًا قال في صوته المتهدج: «فهل يأذن مولانا في أن نجمع مجلس الحرب؟» قال الملك: «هو ذاك.» قالت الأميرة: «وما عسى أن يصنع مجلس الحرب؟» قال الملك: «يصنع يا ابنتي ما تصنع مجالس الحرب في مثل الحال التي اضطررنا إليها، فهناك أوامر يجب أن تصدر، وجنود يجب أن تُعبأ، وأمور يجب أن تُهَيَّأ.» قالت فاتنة: «فأرح نفسك يا أبت من مجلس الحرب، فلسنا في حاجة إليه. لن تصدر الأوامر، ولن تُعبَّأ الجنود، ولن يُهيأ لهذه الحرب شيء. اذهب أيها الوزير فأذِّنْ في الجن ألا يُراعوا؛ فليس عليهم من بأس، وإن هذه الحرب التي بدأت منذ الآن ستنتهي دون أن يصيبهم منها مكروه، بل أنا أرجو أن يصيبهم منها خير كثير.» هنالك وثب الملك وقد ثاب إليه حزمه وعزمه وعاد إليه حدُّه وجِده، كأنما هب من نوم عميق طويل فاستقبل يقظة حافلة بجلائل الأعمال وعظائم الخطوب، فقال: «اعبثي يا ابنتي ما شئت أن تعبثي، وجرِّبي ما أحببت أن تجرِّبي، وتهيئي لهذه الحرب الغريبة التي دفعتنا إليها كما تريدين؛ ولكن دعينا نُعِدُّ للحرب عُدَّتها ونستقبلها كما تعوَّدنا استقبالها؛ فإنْ تنجح وسائلك لم يكن في استعدادنا شر ولا في احتياطنا ضرر، وإن تخفق تجاربك لا تؤخذ الرعية والمملكة من تقصير الساسة وإهمال القادة.» ثم التفت إلى وزيره قائلًا: «ادع لنا مجلس الحرب، وما أرى إلا أنك قد فعلت.» قال الوزير: «فإن قادة الجند وساسة الملك بباب مولانا ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول.» قال الملك: «فأدخلهم إذًا.» وأقبل القواد والحكام والمشيرون، فحيا كل منهم وأخذ مجلسه حيث ينبغي له أن يجلس، ثم أخذوا يتدبرون ويفكرون ويتشاورون، ولم تكن عنايتهم بحماية الأمن الخارجي أشد من عنايتهم بحماية الأمن الداخلي؛ فقد تسامع أفراد الرعية وجماعاتها بهذه الحرب في أقل من طرفة عين، فبعضهم أشفق منها فأخذ يحتاط للمستقبل، وبعضهم أدركه الذعر فأخرجه عن صوابه وتجاوز به القصد فيما ينبغي أن يُعمل أو يقال، وبعضهم انتهز فرصة كان ينتظرها فإذا هو يكيد ويمكر ويتربص الدوائر بالدولة القائمة أو بالحكومة العاملة لهذه الدولة، وبعضهم كان أقرب من هذا همة وأقصر نظرًا وأشد إيثارًا لنفسه بالخير وأحرص على تحقيق منافعه العاجلة، فأخذ يقامر ويغامر ويجمع المال ويكنز الذهب والفضة ويدخر المؤن، غير حافل بما سيكون لذلك من أثر في حياة من حوله من الأفراد والجماعات، وإنما ركب شهوته واتبع هواه لم يفكر إلا في إرضاء مطامعه وتحقيق منافعه. ولم يكن بدٌّ من الاحتياط لهذا كله والضرب على أيدي هؤلاء جميعًا، ولم يكن بد من أن يأمن الخائف، ويطمئن المذعور، ويُحمى من لا حامي له إلا النظام والقانون، ولم يكن بد لتحقيق هذا كله من أن تصدر الأوامر وتتخذ الأهبة، ولكن ملوك الجن يا مولاي ليسوا كملوك الناس؛ لا يتعرضون للإهمال ولا يوصمون بالتقصير ولا ينتظرون أن تُلمَّ بهم الكوارث وتفاجئهم الحوادث، ولكنهم يستعدون لكل حادثة، ويتأهبون لكل كارثة، ويسبقون الخطوب بالاستعداد لدرئها، تنفذ بصائرهم إلى ما وراء الحاضر كما تنفذ أبصارهم إلى ما وراء الجو الذي يعيشون فيه، وهم من أجل ذلك لا تدهمهم داهمة، ولا تلم بهم ملمة إلا استخرجوا قوانين قد هيئت، وأوامر قد أعدت، وكلفوا تنفيذ القوانين وإجراء الأوامر جماعات من أعوانهم قد أعدوا لهذا كله من قبل، ولم يعرف أحد أنهم أعدوا له أو كلفوا القيام عليه. ومن يدري يا مولاي! لعل ملوك الناس يعرفون من هذا بعض ما يجهلون، ويتهيئون منه لمثل ما يتهيأ له ملوك الجن، فلا تؤخذ دولهم على غرة، ولا تفجؤها الحوادث على غير تهيُّؤ ولا استعداد. ومن أجل هذا كله يا مولاي لم يحتج طهمان بن زهمان ووزراؤه وأعوانه إلى وقت طويل ليحزموا أمرهم ويفرغوا من تدبير الأمن الداخلي؛ وإنما مروا بذلك مرًّا سريعًا، واستقامت لهم أمورهم في ذلك على خير ما أحبوا. وكانت فاتنة تسمع وترى وتبتسم غير حافلة بما تسمع ولا آبهة لما ترى، ولكنها مع ذلك كانت تجد شيئًا من الرضا والغبطة؛ لأنها كانت ترى أباها حازمًا عازمًا يدبر الأمر وينفذ القضاء كعهده حين كان قويًّا جلدًا نفاذًا غير متهالك ولا مستيئس. فلما فرغ القوم من تدبير أمور الرعية، أخذوا يعرضون أمور الحرب ويهيئون لاستقبال العدو المغير، ولم يكن الأمر هينًا ولا ميسورًا؛ فهم قد كانوا تعودوا أن يحاربوا هذا الملك أو ذاك من ملوك الجن، ولم يكونوا ينتظرون أن يحاربوا ملوك الجن جميعًا، وهم كانوا قد ألفوا أن يستعدوا للشر يأتيهم من الجو أو يأتيهم من البر أو يخرج لهم من البحر أو ينجم لهم من الأرض، ولكنهم لم يألفوا أن يأتيهم الشر من هذه الوجوه كلها في وقت واحد؛ فلم يكن أمرهم سهلًا ولا تشاورهم رفيقًا. وكانت فاتنة مع ذلك تنظر إليهم وتسمع منهم غير حافلة ولا مكترثة. على أن شيئًا من الرثاء بلغ نفسها القاسية آخر الأمر فقالت لأبيها: «ارفق بنفسك وبهؤلاء القادة والساسة يا أبت، فلستم في حاجة إلى كل هذه الخطط التي تدبرونها وتقدرونها وتديرون فيها الحوار. إن مملكتنا معرضة لشر لا قبل لها به، فإما أن تنجح خطتي التي رسمتها والتي لا تعلمون منها شيئًا، وإما أن نهلك جميعًا دون أن تبقى لنا باقية.» قال الملك وعلى ثغره ابتسامة مُرَّة خير منها العبوس: «هو ذاك يا ابنتي؛ فإنك لا تنبئينني بشيء أجهله، ولكني لا أحب أن أوخذ على غرة أو أن أوتى من تقصير، فلأجاهد ما استطعت إلى الجهاد سبيلًا، ولأعذر ما وجدت إلى الإعذار طريقًا، وليجر القضاء بعد ذلك بما شاء!» وما كاد الملك يفرغ من كلامه هذا حتى تغير من حوله كل شيء، فإذا الأرض تميد، وإذا الجو يكفهر، وإذا ظلمة قاتمة تريد أن تأخذ المدينة من جميع أقطارها، وإذا سحب متراكمة متراكبة تظهر في السماء مرسلة في الجو بروقًا خاطفة ورعودًا قاصفة، وإذا الوزراء والساسة يذهلون عما حولهم، وإذا القادة ينصرفون كلٌّ إلى موضعه من قيادة الجيش، لعله يعمل عملًا أو يُبلي بلاء. والملك ثابت مكانه لا يريم، ناظر أمامه لا يحول طرفه إلى يمين وشمال، وقد جمدت على ثغره ابتسامة كانت حائرة فاستقرت في مكانها، كأن نفس الملك لم تجد قوة ولا وقتًا للتفكير أو التقدير فضلًا عن الابتسام أو العبوس. وفاتنة باسمة كأن شيئًا لم يتغير من حولها، وكأن حدثًا لم يحدث، وإنما هي قائمة كعهدها آنفًا حين كانت تنظر إلى مجلس الحرب في كثير من السخرية وفي كثير من الرثاء، وحين كانت تنظر إلى أبيها في كثير من الرحمة والحب وفي كثير من الإكبار والإجلال. على أن صوتًا هائلًا يملأ ما بين الأرض والسماء فجأة، فتهتز له جنبات القصر، ويثب له الملك ومن معه من أصحابه كأنما دفعتهم اللوالب في الفضاء، وإذا هم يسرعون إلى الأطناف يشرفون منها لا يدرون كيف أسرعوا ولا كيف دفعوا، وإنما يرون أنفسهم مشرفين ينظرون وكأنهم لا يرون، ويصغون وكأنهم لا يسمعون لكثرة هذه الجماهير التي أقبلت إلى القصر فزعة جزعة تجأر بالاستغاثة وتمعن في الضراعة، وقد استيقنت مخطئة أو مصيبة أنها ستجد عند الملك أمنًا من هذا الخوف وَوَزَرًا من هذا الفزع. والملك قائم مكانه ينظر ويصغى، ولا يزيد على النظر والإصغاء، وماذا يستطيع الملك أن يفعل وقد زلزلت الأرض زلزالها، ولبست السماء أبشع ثوب رآه سكان الأرض والجو، فالظلام يتكاثف، والسحاب يتراكم ويتدافع، والبرق يغمر المدينة بضوء مخيف لا يكاد ينصبُّ عليها حتى ينقشع عنها، والرعد يتجاوب في الجو بأصوات متهدجة كأنها أصوات الجبال، والبحر من بعيد هائج مائج تصطخب أمواجه اصطخابًا لا عهد لأحد به، وترتفع إلى السحاب فتتصل به لا يُدرى أبلغته لأنها ارتفعت حتى انتهت إليه، أم بلغها لأنه انخفض حتى انتهى إليها، أم صعدت هي في السماء ما وسعها الصعود وهبط هو إلى الماء ما وسعه الهبوط حتى التقت السماء والماء شر لقاء. وفاتنة قائمة باسمة لا تقول شيئًا، ولا تأتي حركة، ولا يظهر على وجهها الروع أو ما يصور الروع من قريب أو بعيد. على أنها تسعى رفيقة رشيقة محتفظة بابتسامتها الحلوة حتى تبلغ أباها الملك، فتمس كتفه في خفة وسرعة، وتقول له في صوت هامس عذب: «منظر رائع يا أبت!» ويهم الملك أن يقول شيئًا، ولكنه يُرَدُّ عن القول؛ فهذه المناظر الرائعة المروعة الهائلة ثابتة لا تتحول مرسلة للروع والروعة جميعًا دون أن يصيب المدينة منها شر أو ينال أهل المدينة منها مكروه. هذا البحر قد بلغ من الهياج أقصاه، وانتهى من الثورة إلى غايتها، حتى لا يشك من يراه أنه متجاوز حدوده، فغامر ما وراءها لا يدع شيئًا أتى عليه إلا ازدرده ازدرادًا وعفى على آثاره تعفية كأن لم يغن بالأمس، وهو على ذلك واقف عند حدوده لا يتجاوزها، بل لا يكاد يبلغها، كأن سدودًا خفية قامت بينه وبين هذه الحدود ترده عنها وتمنعه أن يبلغها فضلًا عن أن يجوزها، وهو يثور ويمور ويهيج ويموج ويرسل في الفضاء أصواتًا منكرة، كأنما تتمزق عنها أمواجه تمزقًا، ولكنه على ذلك لا يبلغ شيئًا، ولا يستطيع أن يمس الأرض بأذى. وهذه قطع السحاب تزدحم وتصطدم، وتُحدث ما تُحدث من بروق ورعود، وترسل ما ترسل من الصواعق المهلكة، ولكنها على ذلك لا تصيب أحدًا بما يحب ولا تصيب أحدًا بما يكره، وإنما هي تأتي ما تأتي من الأمر وتُحدث ما تُحدث من الهول كأنها تلعب فيما بينها تريد أن تظهر أهل الأرض على فنون من اللعب ليس لهم بها عهد من قبل. وهذه الرياح تتناوح، منها ما يُقبل ومنها ما يُدْبر، ومنها ما يُيامن ومنها ما يُشائم، ولها أحيانًا هفيف كهفيف الأغصان، وأحيانًا أخرى فحيح كفحيح الحيات، وأحيانًا أخرى صفير مخيف، وأحيانًا أخرى زئير مزعج، ولكنها على ذلك لا تصنع شيئًا ولا تؤذي أحدًا. وهذه قطع من الجبال مختلفة ألوانها متباينة أحجامها، قد أقبلت من بعيد، كأنما قذفتها المجانيق تريد أن تدمر بها المدينة تدميرًا، وهي تمضي في الفضاء مسرعة على ضخامتها كأنها السهام الرقاق حتى لا يشك من يراها في أنها تحمل الموت والدمار، وفي أن قطعة منها يكفي أن تهوي إلى الأرض فتسحقها سحقًا، وتمحق ما عليها ومن عليها محقًا، ولكنها على ذلك لا تكاد تدنو من المدينة حتى تجمد في مكانها من الجو كأنها قد شُدَّت إلى السماء بأمراس الكتان كما يقول الشاعر القديم؛ فهي لا تقبل ولا تدبر ولا ترتفع ولا تنخفض، وإنما تظل معلقة مكانها كأن كل قطعة منها ظلة هائلة قد علقت في الجو لترد عن أهل الأرض حر الشمس. وهذه الأرض تنشق عما أضمرت، وتنفجر فيها ينابيع من اللهب هنا ومن الماء هناك، وترتفع هذه الينابيع المحرقة وتلك الينابيع السائلة في السماء إلى حيث لا يستطيع البصر أن يتابعها في الارتفاع، وإنما يرتد عنها خاسئًا وهو حسير، ولكنها على ذلك لا تحرق شيئًا ولا تغرق شيئًا؛ وإنما تمضي وتمضي في ارتفاعها، وتمضي وتمضي في اتساعها، ثم تتضاءل قليلًا قليلًا، وإذا هي تهبط ثم تهبط، وتضيق ثم تضيق حتى تعود هزيلة نحيلة إلى فوهتها التي خرجت منها، ثم تنضم عليها الأرض كأن لم تكن شيئًا لتنشق عن مثلها في مكان آخر. وعلى هذا النحو يضطرب الجو والبر والبحر أروع اضطراب وأشده هولًا، دون أن يحدث عن ذلك ما يؤذي أو يسوء. وهذه جماعات الرعية من الجن كان يملؤها الروع منذ حين فجعلت تملؤها الروعة الآن. كانت تجأر بالاستغاثة والضراعة آنفًا، فهي تجأر بالرضا والإعجاب والافتتان الآن. وهذا الملك ينظر إلى ابنته نظرات إن صورت شيئًا فإنما تصور ذهول الحائر الواجم الذي عجزت نفسه عن التفكير وانعقد لسانه عن القول؛ فهو قائم مبهوت في مكانه ومن حوله وزراؤه في مثل حاله كأنهم التماثيل. وهؤلاء قادة الجيش قد أقبلوا لا يدرون أيرضون أم يسخطون، فهم يرون ما يرون من الهول، ويحسون أنهم لا يلقون منه كيدًا، وفيهم مع ذلك حماسة الجند المستبسلين؛ فكلهم كان يود لو يبلي بلاء ويسجل لنفسه بالانتصار أو الموت فخرًا يتحدث به أعقابه بعد آلاف السنين، ولكنهم مع ذلك قد وجدوا أنفسهم وجنودهم عاجزين كل العجز عن أن يقدموا حين كان يجب الإقدام؛ يريدون أن يتقدموا إلى أمام فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا كأنهم قد ثُبِّتُوا في الأرض تثبيتًا، فإذا أرادوا أن يتراجعوا إلى وراء وجدوا ذلك هينًا ميسورًا. وهم قد أقبلوا حائرين ثائرين يقولون بصوت واحد ولسان واحد: «هذا هو السحر أيها الملك! هذا هو السحر الذي لم يعرفه قبل اليوم أحد من الجن ولم يعرفه قبل اليوم أحد من الناس.» وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. وهمَّ شهريار أن يفكر فيما سمع من هذا القصص الغريب، ولكنه لم يصل إلى ما أراد من ذلك؛ فقد أحس نفسه ثقيلة عليه لا يستطيع تحريكها إلى التفكير، وأحس جسمه ثقيلًا عليه لا يستطيع دفعه إلى النشاط، وأحس كأن نفسه قد ثبتت في مكان بعينه لا تستطيع أن تجوزه، وكأن جسمه قد ثبت في مضجعه فهو لا يستطيع أن يأتي فيه حراكًا، وأحس مع ذلك زورقه ذاك يضطرب به اضطرابًا خفيفًا هينًا على الماء، كأنه أرجوحة الطفل تضطرب به اضطرابًا خفيفًا لتدفعه إلى النوم. وأحس مع هذا كله ذلك الجو الموسيقي الغريب هادئًا حلوًا رفيقًا يدنو منه هونًا ما، وينأى عنه هونًا ما، كأنه النسيم الهادئ يداعب صفحة البحيرة في تأنق وترفق وظرف، ثم ينأى الملك من نفسه أو تنأى عن الملك نفسه، ويخيل إليه على هذا كله كأنه يرى فيما يرى النائم أنه في زورق جميل خفيف يسبح به وبشهرزاد النائمة منه غير بعيد في الماء والضوء والموسيقى والغناء جميعًا. ***