الفصل 8
رواية أسلاك شائكة
الفصل الثامن
الفصل الثامن: تدريجيا غزا التلفزيون البيوت . أخذت الصورة تفرض نفسها بقوة و تشكل أذواق الناس و اذهانهم بشكل مختلف ..الجميع يتنافس من أجل اقتناء هذا الجهاز العجيب. في القرية الجزائرية التي كانت تحتضن احميدة ذات يوم، كان بعض البيوت قد استأنست بالتلفزيون. أخبار العالم وصور تتراقص على الشاشات التي، لا زال اللونان الأبيض والأسود طاغيين على ما سواهما.. تحت إلحاح "المهدية" اشترت جدتها هذا الجهاز العجيب. فأضحت تقضي بجانبه أكثر أوقاتها، خاصة الحصة المخصصة للأطفال، التي تقدم أفلاما كرطونية، تسبح بالخيال في عوالم غريبة وعجيبة ، تجعلها تنسى ، إلى حين، قسوة العالم الذي تحيا بين ظهرانيه.. حين يحين وقت تقديم الأخبار، كانت الفتاة الصغيرة تتلقف صور معاناة الفلسطينيين مع الحدود ،التي برع الجيش الإسرائيلي في تحصينها بالأسلاك الشائكة المنيعة. كانت الصور تنقل فلسطينيين يحاولون اقتحام هذه الحواجز. وفي المقابل كان أفراد من الجيش يشهرون أسلحتهم النارية على صدور المتظاهرين. انتقلت الكاميرا بعد ذلك إلى أحد مخيمات الفلسطينيين في لبنان، وقدمت تصريحات لمهجرين فلسطينيين يتوقون للعودة إلىبللداتهم وقراهم التي اقتلعوا منها اقتلاعا. ركزت الكاميرا على طفلة صغيرة، ينحدر دمعها مدرارا. تقول ببراءة إنها اشتاقت لصديقاتها على الجانب الآخر من الحدود. هذه الصور كانت كافية لتذكر "المهدية" الفتاة ،التي تجاوزت التعليم الابتدائي بقليل، بمأساتها الخاصة. غادرت المكان الذي كانت تقبع فيه. توجهت نحو جدتها. جلست بمحاذاتها، ثم قالت لها: - جدتي يجب أن أزور أبي. استغربت الجدة هذا الطلب المفاجئ، فردت عليها: - كيف يا ابنتي. نحن لا نعرف المكان الذي يتواجد به أبوك. إنه ليس في الجزائر. والحدود ما تزال مغلقة. غالبت الفتاة حزنها، ثم أردفت قائلة: - نذهب إلى المكان الذي كانت تقصده أمي، وننتظر هناك ربما يظهر له أثر. لا بد أنه ينتظرني هناك. وعدت الجدة حفيدتها خيرا، ولو أنها لا تدري كيف يمكنها التصرف تجاه الأمر. إنها حائرة وتائهة. لم تكتسب الخبرة للتصرف إزاء هذه الأمور.. قامت من مكانها متثاقلة توجهت نحو جارتها "خضرة" دقت الباب، فتحته المرأة ودعتها للدخول، حين ضمهما البيت، سألتها الجارة عن أحوالها، فأخبرتها بالحالة التي توجد عليها المهدية، بعد أن أصبح حديثها متكررا عن أبيها، استمعت إليها الجارة "خضرة" بكثير من التعاطف والحزن، ثم قالت لها مطمئنة. - لا تحملي هما.. أنا سأرافقها إلى منطقة الحدود في الوقت الذي ترغب فيه. ابتهجت "فطوم" بهذا الاقتراح. عانقت "خضرة"، شكرتها، ثم انصرفت إلى بيتها. حين احتواها البيت أخبرت "المهدية" بأن الجارة "خضرة" سترافقها إلى منطقة الحدود. متلهفة سألتها المهدية - متى؟ أجابت الجدة بثقة: - حينما تشائين.. من الأفضل أن يكون الأمر يوم الجمعة حين تكون المدارس معطلة. في اليوم الموعود استيقظت المهدية باكرا. تناولت افطارها. غيرت ملابسها، عانقت جدتها ثم توجهت نحو بيت الجارة خضرة. استبطأتها هذه الأخيرة قليلا ريثما تجهز نفسها للسفر .. انتظرت المهدية متوترة،و مبتهجة، لكن خوفا خفيا يتسلل إلى قلبها الصغير. خرجت جدتها من البيت نادتها، ثم سلمتها بعض النقود. وطلبت منها أن تجد الطريقة المناسبة لتسلمها لخضرة في الطريق، لأنها تعرف جيدا أنها سترفض أن تتسلمها منها بشكل مباشر. ضمت يدها على الأوراق النقدية، وهي تستشرف الأحداث التي ستعيشها في هذا اليوم المشهود. من يدري ربما تلتقي بأبيها، فيتبادلان النظرات والكلمات. الجارة خضرة، تعرف أباها، وستساعدها في التعرف عليه. قطع السيارة المسافة في وقت لا يبدو طويلا. رغم أن المهدية شعرت بأن زمن السفر طويل جدا. حتى انها شعرت في لحظات معينة بان السيارة لن تصل أبدا إلى وجهتها. وصلا إلى المدينة القريبة من الحدود، فكان يتوجب عليهما أن تغادرا السيارة، لتبحثا عن وسيلة نقل أخرى توصلهما إلى المنطقة الحدودية التي تقصدانها.. تاها قليلا في المدينة. اقتنت خضرة بعض الأطعمة، قدمت جزءا منها إلى المهدية، فشكرتها على فعل ذلك، ثم مدت لها يدها بالنقود، التي سلمتها لها جدتها. غاضبة حدثتها خضرة قائلة: - ماهذا؟ ماذا تفعلين؟ - جدتي اعطتني هذه النقود لأسلمها لك. - عيب، ليست بيننا مثل هذه الأمور. نحن جيران. احتفظي بنقودك عندك. شعرت الفتاة بالخجل والارتباك. لا تدري ماذا تفعل. حينذاك تداركت خضرة الأمر، فوجهت لها الخطاب قائلة: -حسنا. أعطني النقود. حتما ستضيع منك. عندما نعود بالسلامة سأردها إلى جدتك. أخذت خضرة النقود. خبأتها بحرص، ثم انخرطت رفقة الفتاة في البحث عن المحطة التي يمكن أن تستقلا فيها السيارة، التي ستقودهما نحو الحدود. لم يستغرق الأمر زمنا يستحق الذكر. سرعان ما وجدتا بغيتهما. فالأمور تغيرت كثيرا لم يعد السفر نحو الحدود يتطلب الكثير من الدهاء والاختفاء ، و لعب لعبة القط الفأر مع العساكر. ركبتا السيارة، وانتظرتا حتى اكتمل النصاب المطلوب لكي تنطلق نحو وجهتها. بعد ربع ساعة تقريبا وصلت السيارة إلى المكان المقصود، ترجل الركاب.. كان الجو خانقا.. الصيف على الأبواب، والحرارة لا تني ترتفع شيئا فشيئا.. المكان عبارة عن هضاب لا تكاد تعلن نفسها.. هناك طريق ترابية تخترق المكان، تؤدي إلى اتجاهات عدة، على امتداد البصر تتوزع شجيرات هنا وهناك. من بعيد يلوح السياج الكبير الذي يمتد على طول الحدود. شعرت الفتاة برهبة من تلك الأسلاك التي توطد في النفس أحاسيس الرهبة، والخوف. تدفق الناس نحو الممر الحدودي. لم يكن هناك الكثير من العساكر. مما سمح لهم بالتجمهر في أقرب نقطة ممكنة، تسمح بالتقاط نظرة أو كلمة، بوجل ورهبة تقدمت "المهدية" وهي تمسك بيد خضرة التي كانت حريصة على أن لا تضيع الفتاة من قبضتها ..الكثير من الناس يتجمهرون في المكان. شقت المهدية وخضرة طريقهما وسط الجموع. دنتا بشكل متواصل من السياج الشائك. أشرفتا عليه، ومن هناك رمتا طرفيهما نحو المكان البعيد. هناك في الضفة الحدودية الأخرى للبلد المجاور كان الأمر متشابها في الجهة الموالية. الناس يتجمهرون هناك، الأصوات مرتفعة هنا و هناك.. الأيادي تجتهد في الإتيان بإشارات وإيماءات. هناك من يتوقف في مكان محدد، ثم ما يلبث أن يغيره ليستقر في مكان آخر. يعتقد بأنه سييسر له التواصل مع أقاربه، كانت المهدية تحملق في الناس في الجهة الأخرى. لم تعرف منهم أحدا. يبدون بعيدين بشكل لا يصدق. تدقق النظر أكثر ..في لحظات بعينها تركز بصرها على أحد الرجال. ثم تسحب نحوها خضرة من ثيابها، وتسألها: - ألا يمكن أن يكون صاحب اللباس الأزرق هو أبي؟ ترد عليها خضرة: -والله يا بنيتي، لقد مر وقت طويل على رؤيته، يمكن أن يكون هو، ويمكن أن لا يكون. كيف سنعرف يا ابنتي إنهم بعيدون عن هنا جدا، ويصعب من هذه المسافة أن نتأكد من ذلك. تركز الفتاة على الرجل ذي اللباس الأزرق ثم تقول: - أشعر بأن ذلك هو أبي. تلوح له بيدها، تصيح بأعلى صورتها: - بابا .. بابا .. كان الرجل هو الآخر يلوح بيده، لا يعرف لم يفعل ذلك، لم يكن متأكدا من أي شيء. لكنه كان يفعل. ربما يحيي زوجة له في الجانب الآخر من الحدود، ربما له ابن أو ابنة. أو ربما يفعل ذلك ليوهم نفسه بأنه قد عثر على أقاربه، حتى يخرج من حالة نفسية تكبس عليه منذ مدة لا يعلم إلا الله تقديرها. أخذت المهدية كفايتها من المشاعر المتدفقة. سمعت كلمات جديدة، وكحلت عينها بمناظر، لم تر مثلها من قبل إلا على شاشة التلفاز. تذكرت ما يحدث للفلسطينيين. حضرت في ذهنها الفتاة الفلسطينية التي اشتاقت إلى صديقتها وقريتها. أحست بأن هذه الرحلة زادتها اشتياقا لأبيها الغائب. في نفسها قررت بأنها ستتردد كثيرا على هذا المكان حتى تجد أباها وتتواصل معه.
*****