اسلاك شائكه - الفصل 7 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسلاك شائكه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

رواية أسلاك شائكة الفصل السابع الفصل السابع: حياة جديدة فتحت أبوابها لاحميدة. لقد حصل على رخصة السياقة، وبدأ عمله الجديد كسائق للشاحنة التي تنقل مواد البناء المصنعة إلى أحياء مدينة وجدة والمدن المجاورة.طال حياته تغيير جذري، وأصبح ضروريا أن يغير الكثير مما اعتاد عليه سابقا.. أول ما كان عليه أن يغيره مقر سكناه. لقد اقترح عليه الحارس أن يشتري مسكنا جديدا بالقرب من مسكنه في ضاحية مدينة وجدة. هناك تتناسل بعض الدور العشوائية التي تستقطب المهاجرين من البوادي القريبة والبعيدة لكسب قوت عيشهم، لم يتردد احميدة في قبول اقتراح صديقه، فوطد العزم على ذلك. انتقل في اليوم الموالي إلى الحي الذي يقطن فيه الحارس قام بجولة هناك ، و تعرفا على الأاسعار عن كتب ، لم تكن تغريه الإقامة هناك لأنك دائم التفكير في الأحبة الذين سيعود لهم يوما ، بعد مساوامات عدة اسقر الاختيار على مسكن على بعد خطوات من منزل الحارس ، فلم يمض غير قليل من الزمن حتى كان لاحميدة مسكن يأوي إليه، إنه مسكن بسيط، لكنه يفي بالغرض، فلازال يتعرش في قلبه ووجدانه أن إقامته في هذه المدينة ليست سوى إقامة مؤقتة. دائما كان يفككر بأن الحدود ستفتح حتما يوما ويعود إلى أهله. ظل احميدة وفيا لجلوسه في المقهى.. دون أن ينسى اقتناء الجريدة، ويبحث عن الشخص المناسب لبقرأ له بعض ما جاء فيها. فبعد أن فقد أثر الشاب العاطل الذي كان يقوم له بالمهمة، وجد في المقهى شخصا آخر يتطوع لفعل ذلك. ارتبطت بينه وبين أستاذ غريب عن المدينة علاقة متينة، فكان هذا الأستاذ يقرأ له بعض العناوين والمقالات التي تلقى هوى في نفس احميدة ويشرح له مضامينه. كانت تستوقفه أخبار فلسطين بعد حرب سبعة وستين. فبعد استيلاء اسرائيل على الكثير من الأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن ومصر، أقامت حدودا صارمة بأسلاك شائكة وأخرى كهربائية يحرسها جنود أشداء لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم طريقا، بسبب هذه الحرب وانتزاع الأراضي تشتت الكثير من الأسر، وهجرت أخرى، فأصبح التواصل صعبا بين الأهالي والأقارب على طرفي الحدود. كان ذلك يذكره بمأساته التي يعرفها الأستاذ حق المعرفة. لقد أخبره بجميع تفاصيلها، كما أنها كانت حديث الجميع في المنطقة المتاخمة للحدود.حين يحدثه الأستاذ في كل ذلك ،كان احميدة يعبر عن استغرابه بكل عفوية: - أولئك الناس مختلفون في الدين واللغة والعرق. يمكن أن يفعلوا بالناس ما فعلوه. أما نحن والجزائريون فإننا نتشارك في كل شيء..نحن إخوة.. لماذا يحدث لنا هذا الأمر؟ يستمع إليه الأستاذ ويرد قائلا: - إنه لعبة السياسة القذرة يا صيدقي، يشعلها الكبار، ويكتوي بنارها الصغار. لم يفرط احميدة في كلبه الذي أخذه معه إلى مسكنه الجديد في الحي الهامشي الذي احتضنه، أصبح الرجل معروفا هناك باللقب الذي أطلقه عليه الحارس، الجميع ينادونه ب"ادزايري"، كان اللقب يستهويه، لأنه يؤكد له بأنه هنا في المكان الخطأ وأنه سيعود يوما إلى هناك. بواسطة شاحنته أخذ احميدة ينتقل كل يوم إلى مكان جديد، يحمل كميات كبيرة من الآجور أو الاسمنت أو الحديد، ويمضي بها إلى وجهتها، أكثر أسفاره كانت إلى المدن القريبة.. كثيرا ما نقل شحنات إلى مدينة بركان والسعيدية و الناظور.. في الطريق إلى هناك، كان حريصا على الانتقال من إذاعة إلى أخرى. الإذاعة الجزائرية والإذاعة المغربية، وفي بعض الأحيان تستهويه إذاعة هنا لندن، فيستمع بحرقة إلى أخبار فلسطين ومحنة المهجرين الذين فارقوا قسرا ذويهم، وحين يغامر أحدهم للالتحاق بأهله في الضفة الموالية يكون الرصاص من نصيبه. الاسفلت متمدد إلى ما نهاية، والشاحنة تلتهم المسافات ببطء وتؤدة.في الطريق يلفت انتباهه الأطفال الذين يحملون محافظهم ، ويمضون بخطواتهم الصغيرة نحو مدرسة ما، لا تبدو قريبة. أجسادهم الضئيلة مصرة على التقدم إلى الأمام وأرجلهم الواهنة تتمسك بالتراب المحاذي للإسفلت.. كان بعضهم ينهكه السير، فيلتفت نحو المركبات التي تلتهم الطريق. يرفعون أيديهم الصغيرة مؤشرين بإبهاهم طلبا لتوصيلة، هم في أمس الحاجة إليها، خاصة إذا كانت الشمس معاذية، تنلقي بجحيمها نحوهم. في كثير من المرات كان يتوقف في جانب الطريق، يحمل معه بعض الصبية وينقلهم إلى أقرب مكان ممكن من مدارسهم، يستهويه أن يفعل ذلك. في كل طفل يرى ابنه "المهدي" الذي يطيب له أن يتخيله وهو يقطع طريقا آخر مشابها لهذا الطريق، وحين ينال منه التعب يرفع إبهامه الضئيل ويشير إلى سائق شاحنة راجيا منه التوقف ليحمله معه نحو وجهته ، حين يهيم في ذلك النوع من الخيال، تفرج شفتاه على ابتسامة متألقة، مشعة، يتمنى أن تقهر المسافات، لتصل إلى ابنه كي تدفئ قلبه، فقط يتمنى لو يحظى ابنه بفرصته، فيتعاطف معه أحد السائقين. يتوقف له في محاذاة الاسفلت، يحمله، ويمضي به إلى حيث تقبع مدرسته. ظل احميدة وفيا لجلسته في المقهى المقابل للعمارة التي تقطن بها المرأة الشبيهة لزوجته. لقد أصبح يعرفها بأدق تفاصيلها.حتى أنه يميز سحنتها حتى لو كانت وسط جمهرة من النساء.. التقى بها كثيرا عن بعد. لم يجد لديه الجرأة ليكلمها، لأنه لم يستطع أن يفكر فيها بشكل مختلف. فقط كان يتمنى أن يراها. وحينما يتحقق ذلك يشعر بنوع من الإشباع. لما أخذته الشاحنة إلى البعيد، لم يعد وفيا لمواعيد الالتقاء بها ، التي ربما لا تعرفها المرأة بالتدقيق. ربما لازالت إلى اليوم تظن أن لقاءاته المتكررة بها مجرد صدف متجددة. لكنه أبدا لم ينسها. كانت دوما حاضرة في ذهنه. لذلك حين وقع عليه بصره وهي تقف بجانب الطريق تنتظر وصول وسيلة نقل تحملها إلى وجهتها، خفق قلبه بشدة. ضغط على الكابح وانعرج نحو اليمين، توقف في الممر الترابي المحادي للاسفلت، وانتظر أن تتقدم المرأة نحوه. لكنها لم تفعل، حينذاك انتفض من مكانه، فتح باب الشاحنة وانزلق إلى الأسفل. خطا بخطوات واثقة نحوها. لاحظت المرأة قدومه نحوها فالتفتت نحو الجهة المعاكسة، محاولة تجاهله.. دنا منها أكثر وحين أشرف عليها قال بلهحة محتفية: - السلام عليكم، ماعرفتيتش؟ حانت منها التفاتة حذرة نحوه فإذا بها تتعرف عليه، فزينت وجهها بابتسامة جميلة، ثم ردت علي: - عليكم السلام. مرحبا.. اسمح لي ماكنت كانعرف بأنك سائق. نظر إليها نظرة متفهمة و متسامحة ، ثم خاطبها بلهجة وقورة: - تفضلي.. أين أنت ذاهبة؟ - إلى مدينة السعيدية. - جيد سأمر عليها في طريق. أنا ذاهب إلى مدينة الناظور تخلصت المرأة من خجلها وترددها، فتزحزحت من مكانها، هرول احميدة نحو الشاحنة ليرتب دواخلها بما يليق بالضيفة العزيزة. فتح لها الباب على يمين الشاحنة، فاستقرت في مقعدها الجلدي الذي حال بعض لونه.. استأنفت الشاحنة سيرها، واحميدة في حالة يصعب التكهن بها، كان فرحا بهذا اللقاء المفاجئ ، الذي أبدا لم يتصور أن يحدث بمثل هذه البساطة ، وفي مثل هذه الظروف المناسبة. فأن يجمعه القدر بهذه المرأة التي طالما تمنى أن ينال منها نظرة واحدة أو كلمة شاردة، فذلك أقصى ما كان يتمناه.. لزمت الاثنان الصمت لفترة من الزمن، ثم على حين غرة سألته: - تبدو لهجتك مختلفة. أنت لست من مدينة وجدة. أكد احميدة على كلامها: - نعم أنا أقيم فيها بشكل استثنائي، في انتظاري أن أعود إلى أهلي. جوابه هذا أذكى في نفس المرأة بعض الفضول فسألته: - أين يقيم أهلك ؟ - يقيمون في الجزائر. استبدت الدهشة بالمرأة فألفت سؤالها العفوي -هل أنت من المرحلين عن البلد بسبب الحرب؟ -نعم بالتحديد. وكيف عرفت ذلك. - لقد خمنت الأمر.. أفرجت على آهة كبيرة ثم أردفت قائلة: - أنا كذلك تعرضت لنفس المصير. زوجي وأبنائي لا يزالون في الجزائر. بينما طردت أنا إلى المغرب. نوع من الذهول هيمن على نفس احميدة لزمن معلوم.. فسر على ضوئه اهتمامه بالمرأة وميوله نحوها. وكhنه كان يشعر بأنها تشترك معه في هول المآساة. استرق نظرة إلى وجهها k فرأى الحزن والألم يستوطن ملامحها. أبدا لم ينظر إليها بمثل هذا القرب. إنها امرأة جميلة، لكنها كئيبة. تحمل في دواخلها الكثير من الهموم والأحزان. هذا الإحساس حفزه على أن يتعاطف معها بشكل كبير.. حكى لها حكايته، وحكت حكايتها. كان الكثير من اليأس يرفرف على أجواء الحكايتين، فرغم تشبت كل منهما بالأمل، بيد أنه أمل متهالك، متداع، يوشك على أن يصبح حطاما. إنهما يتشبتان به بالرغم من ذلك. لكن في قرارة نفسيهما كانا يشعران بأنهما واهمان.. حتى توقف الحديث انطوى كل منهما على نفسه، يجتر مرارته. لعلع صوت الإذاعة يغطي الأجواء. المذيع يتحدث عن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط. حرب ثلاثة وسبعين حديث الساعة. الجميع يتحدث عن النصر غير المكتمل للعرب في الحرب، معاناة الفلسطينيين تستمر. الكل يتحدث باسمهم، وهم الغائب الأكبر عن الساحة. منظمة التحرير الفلسطينية تنتقل من بلد إلى آخر. تتجرع هزائم متوالية.. كل ذلك لم يشغل احميدة الذي كان أهم ما يستبد بعقله ووجدانه هو ما يحدث للناس، للمواطنين البسطاء الذين يكتوون بشظايا الحرب، خاصة أولئك القاطنون في الحدود بين البلدان المتنازعة، الأسر تتشتت والعائلة كذلك.. فكر في وضعه ووضع المرأة التي بجانبه. قال في نفسه "لا أحد يجرؤ على ارتكاب هذا الجرم. الزوجة تنتزع من زوجها وأبنائها والزوج يرحل عن زوجته وأبنائه، ثم انخرط في السياقة، بعقل متأرجح وإحساس لا يستقر على حال.. دخلت الشاحنة إلى مدينة بركان، طلب من المرأة التي عرف فيها بعد اسمها أن ترافقه إلى المقهى لتناول شيء ما قائلا: - راضية. يجبأن نتناول شيء ما. رفضت المرأة ذلك. فاستأذنها ثم اتجه نحو مقهى، شرب فنجان قهوة، ثم اقتنى بعض الطعام وعاد إلى الشاحنة. قدم إلى المرأة ما اقتناه لكنها رفضت قبوله. حينذاك أصر عليها قائلا: - يجب أن نشرك الطعام والملح. زينت وجهها بابتسامة خجلة، ثم مدت يدها وتناولت بعض ما أحضره لها. في ضاحية مدينة السعيدية الشاطئية، طلبت راضية من احميدة أن يتوقف وينزلها، لأنها وصلت إلى وجهتها. استجاب الرجل لها. أوقف الشاحنة، فتح الباب، ودعها بكلمات محتفية، واعدا إياها بأن يلتقيها في مناسبات لاحقة. أكدت المرأة على كلامه، وهي تقول: - على الأقل نتبادل المعلومات والأخبار، فنحن نعاني من نفس المصيبة. غادرت راضية الشاحنة، التي استمرت في طريقها في اتجاه مدينة الناظور. خيم على احميدة إحساس جميل وهادئ. لازمه بعض الشرود وهو يفكر في هذا الحضور المربك والمفاجئ لراضية. أخرج سيجارة. أشعلها، شرع يمتص دخانها ويمجه بانتشاء، وهو يمضي في طريقه نحو وجهته المعلومة. *****