الفصل 6
رواية أسلاك شائكة
الفصل السادس
الفصل السادس: مع مرور الأيام اكتسبت الزاهية نوعا من الحياد تجاه كل ما يحيط بها.. فقدت شهيتها لكل شيء. لم يعد من أمر يحرك وجدانها بقوة. لقد ركزت عواطفها في الغائب البعيد. تمني النفس بعودة محتملة. أحيانا تبدو لها قريبة، وأحيانا أخرى بعيدة جدا، بل ليست ،في حقيقة ، الأمر سوى أضغات أحلام .. ابنتها المهدية تكبر أمام عينيها. تحاول جاهدة أن تنقل لها كل ما يمكن أن يقربها من أبيها الغائب. في أحايين عدة تحدثها وكأن احميدة سيعود هذا المساء إلى البيت. ترغبها به، وتهددها إن أساءت عملا بعقابه لها. ذهبت الزاهية مرارا إلى حيث تشعر بأن زوجها قريب منها قطعت تلك المسافة مرات عدة. الرحلة تتبعها ، و مع ذلك كانت مصرة على القيام بها، على الأقل يوما في الشهر .في السنوات الأولى كان العساكر يبعدونها عن المنطقة بدعوى اعتبارها حزاما عسكريا لا يحق للمدنيين الاقتراب منه،تحملت قسوتهم و انضباطهم العسكري بكثير من الصبر و الأمل..هناك كان تلتقي أناسا عرف أقاربهم نفس المصير ، الذي عرفه زوجها.. يجتمعون هناك ويتحدثون في الأمر، ويبحثون عن حلول مناسبة. لكن كل كلامهم يذهب أدراج الرياح لأن لا أحد قادر على ترجمة أقوالهم إلى أفعال. يحاولون المرور إلى حيث يمكنهم إلقاء نظرات قريبة، فيكون مصيرهم الصد.. يستعطفون العساكر.. يحاولون تقديم الرشاوي.. لكن كل ذلك باء بالفشل، لأن الأوامر صارمة، بعدم اقتراب أي أحد من المنطقة العازلة.. بمرور الأيام والشهور والسنوات ارتخت قبضة السلطات العسكرية على المنطقة، وسمحوا تدريجيا للناس بالاقتراب. كانت الزاهية في الموعد. هرولت نحو المنطقة القريبة من الممر الحدودي. حملت منديلا كان يستهوي احميدة حينما كان يعيش بين أحضانها، بدأت تلوح به كالمجنونة، وكثير من الدموع تغسل وجهها. كانت تبكي وهي تردد بعض الكلمات المبهمة، وكأنها تستعطف الأقدار بأن تجود عليها بنظرة واحدة لزوجها الغائب، لعل ذلك يطمئن فؤادها، فقط كانت في حاجة إلى أن تتأكد بأنه لا يزال هناك، على مقربة منها، حتى إذا ما انفتحت الحدود عاد إليها وإلى ابنتها المهدية، التي لم تكحل بصرها يوما بمرأى أبيها. حين يقترب المساء. تعود الزاهية إلى البيت حاملة معها خيبتها. بعض الانكسار يظهر على ملامحها. حتى أن المرء يظن أنه أمام امرأة أخرى، لا علاقة لها بالزاهية، التي سرقت قلب احميدة، وقلوب الكثير من الشباب قبله وبعده. حزينة كانت، ومغلوبة على أمرها. تشعر بالعجز وقلة الحيلة. في لحظات معينة تشعر بمدى الانحدار النفسي الذي أصبحت تحيا على إيقاعه، تحاول أن تتدارك الأمر، لكن كل محاولاتها تذهب سدى، هناك شيء ما في أعماق أعماقها تحطم، ولا يمكن أن ترممه وتعيده إلى ما كان عليه من قبل، سوى عودة الحبيب الغائب: احميدة الذي عرفت معه الحب والسعادة والاستقرار والأمان. ابنتها المهدية بلغت سن التمدرس، وأخذتها أمها إلى المدرسة التي توجد في المركز الحضري القريب من القرية. هناك أصبحت تتلقى دروسها، كانت جدتها ترافقها في الطريق ، فتملأ رأسها بالكثير من الحكايات. تحكي لها عن الاستعمار الفرنسي الذي استوطن البلاد لسنوات طويلة، حتى كادت الجزائر أن تصبح فرنسية، ثم تحدثها عن أبطال الجزائر الأحرار، الذين قدموا أرواحهم من أجل أن تنعم بلدهم بالاستقلال والكرامة. كما تحدثها عن جدها، الذي فقد حياته في سبيل نصرة الوطن. تستفيض في القول فتخبرها عن فرسه المحببة التي كان يسرجها باحتفاء يسرق ألباب الناس.. حين يمتطي صهوتها، يعطي للجميع الإحساس بأنه بطل قادم من زمن غابر. كان يحسن كل شيء يقوم به، كما تردد الجدة. ولا يستقر له مقام في مكان.. حكت لها عن رحلاته المتكررة إلى المغرب، وخاصة المدن المتاخمة للحدود مثل وجدة وفكيك. من هناك كان يأتي للثوار بالدعم والذخيرة لنصرتهم . لم تكن الحدود مغلقة- تضيف الجدة - كما هي الآن. الجزائري ينتقل بسهولة إلى المغرب ، والمغربي لا يجد عنتا في التنقل نحو الأراضي الجزائرية. لم نكن نفرق بين المغاربة والجزائريين. كنا أهلا وأقارب وأحبة. قبل الاستقلال كان جدك يخبرني بأننا إن نلنا استقلالنا كما ناله المغرب حتى نصبح بلدا واحدا. كان يخبرني دائما – تضيف باحتفاء – بأن الفرنسيين هم الذين يحاولون بدسائسهم ومكرهم أن يفرقوا بيننا. لكننا لم نسقط لهم في فخ التفرقة. المهدية تصغي باهتمام إلى كل ما تجود به جدتها، وهي تداعب بقدميها الطريق المترب الذي يقودها إلى المدرسة، ومن حين لآخر تسأل جدتها عن أبيها. تفزج الجدة عن تنهيدة: -والله لا أفهم لحد الآن ما ذنبه. كان رجلا منا، يحبنا ولم نشعر يوما أنه غريب عنا، لكن فجأة قالوا بأنه مغربي عدو للجزائر، ويجب أن يرحل إلى بلده، لكن تأكدي يا ابنتي بأنه سيعود. تشعر الزاهية بأنها تتغير بشكل مضطرد. قوتها تنفلت منها ، تخونها.. الضربة القوية التي تلقتها بترحيل زوجها أحدثت ألما في القلب والصدر. بين فترة وأخرى تشعر بشيء ما ينغرس في صدرها، ثم لا يلبث أن ينقلب إلى القلب، فتحس بضعف ووهن. تقاوم وتقاوم. تحاول أن تتماسك بكل ما تملك من صبر وإرادة، لكن الأمور أصبحت فوق طاقتها. تلتجئ للفراش.. تبكي .. تئن.. تناجي ربها.. تناجي الغائب، فتزيد حالتها سواء. نبهتها أمها إلى ذلك. لكن لا حيلة لها. إن ما يحدث أكبر من إرادتها. إنها تنهار تدريجيا، ولم تعد المقاومة تجدي نفعا.. في نهاية المطاف أقنعت نفسها بأنها في حاجة ماسة إلى راحة طويلة الأمد. راحة أبدية. هكذا هو حظها عاثر، فلتقنع به. إنها لم تعد قادرة على التحمل.. حين تردد هذا الهاجس في نفسها شملها هدوء لا مثيل له،أصبحت مستسلمة لقدرها. لم تعد متحمسة لفعل أي شيء. فقط كانت تدعو المهدية إليها، تندس رفقتها تحت الغطاء، ثم تبدأ في سرد حكاية زوجها. تحكي لها عن تفاصيل حياته.. تفاصيل التفاصيل. تشعر في قرارة نفسها أنها تعدها لما سيحدث مستقبلا، هاجس ما ألقى في روعها أنها أبدا لن ترى زوجها ثانية.. لم تعد لديها القوة للاستمرار، فقررت أن تتحلى بالشجاعة اللازمة، وأن تعد ابنتها لما هو آت. أخبرتها عن المنطقة الحدودية "زوج بغال" وأوصتها بأن أباها هناك ينتظرها وطال الزمن أو قصر، سيلتقيان.. أوصتها بجدتها خيرا. فهي امرأة طيبة – كما قالت- رغم أنها تفتقر للخبرة في الحياة. كانت المهدية تستغرب طبيعة كلام أمها ولهجتها. سألتها يوما: - لم تخبريني ماما بكل هذه الأمور؟ هل ستسافرين وتتركيني هنا؟ حضنها الزاهية بقوة إلى صدرها، ثم ترد عليها: - لا يا بنيتي. لن أفعل ذلك، لكن لا أحد يضمن عمره. تزداد المهدية ارتباكا ويزيدها كلام أمها بلبلة، فبدل أن يطمئنها يضاعف خوفها. تلتصق أكثر بصدر أمها وتنحب بصمت ، وقد تداعى في ذهنها أنها لا بد فاقدة أمها بعد أن فقدت أباها. في أحد الصباحات تأخرت الزاهية على غير عادتها في مغادرة فراشها، انسلت المهدية من الفراش، وذهبت إلى غرفة جدتها لتوقظها من نومها، كي تعد لها الفطور، وترافقها إلى المدرسة، لقد أشفقت على أمها وتركتها مستلقية في فراشها. حين فتحت الجدة باب غرفتها سألتها: - لم لم توقظي أمك؟ - أمي مريضة، ويجب أن تظل نائمة، حتى تستعيد عافيتها. -الله يرضى عنك يا ابنتي. لكنها ستغضب إن لم تطمئن عليك قبل الذهاب المدرسة. اذهبي وأيقضيها. أنا سأتكفل بإعداد الفطور. ركضت المهدية نحو غرفة أمها. فتحت الباب، انسلت داخلها. أخذت تنادي أمها. لكنها لا تستجيب. نطت إلى أعلى السرير، حركتها بلطف في البداية ، ثم رجتها بقوة، لكن بدون جدوى، لم تبد عن الأم أي استجابة. حينذاك شعرت المهدية بالفزع. خرجت مسرعة من الغرفة وتوجهت نحو جدتها.. ألفتها تحلب البقرة. أخبرتها بأنها حاولت إيقاظ أمها إلا أنها لم تستجب لها .. تركت الجدة ما كانت بصدد القيام به. خفق قلبها بشدة. تدحرجت نحو الغرفة، أخذت تنادي ابنتها بقوة: - الزاهية.. ابنتي الزاهية، هيا قومي. لكن ما من مجيب، تقدمت نحوها. حركتها بلطف، ثم بعنف. لا استجابة. حينذاك أطلقت صرخة قوية أفزعت المهدية التي كانت تتابع المشهد بوجل. التفتت نحوها الجدة ثم قالت كلمات أكبر من أن تستوعبها الطفلة: - ماماك الله يرحمها. منذهلة ردت عليه المهدية: - مالها؟ - لقد ماتت الزاهية.
*****