الفصل 5
رواية أسلاك شائكة
الفصل الخامس
الفصل الخامس: أيام تمضي، تليها أسابيع وشهور. ثم عام فعام، واحميدة يقبع في كوخه.. يعد أكواب الشاي للعمال، وبعض الطعام البسيط،لقد أصبح قادرا على إعداد بعض الوجبات الخفيفة، التي زادت دخله، وأضحى اسم "ادزايري" غالبا على اسمه الحقيقي.. حياته تمضي في هدوء. يقضي سحابة يومه منشغلا في الحديث مع الحارس وإعطاء العمال ما يطلبونه.. أضاف إلى تجارته بيع السجائر المقسطة فاكتسب زبائن إضافيين. في المساء عندما يغادر العمال المصنع، كان احميدة يجمع عدته وأجهزته البسيطة، ينظفها، يرتبها جانبا، يغلق الكوخ، ثم يتوغل في المدينة. كان لا بد ان يفعل ذلك. هذا الأمر يشعره بشيء ما. بأن الحياة تتدفق قوية، وأن الأمور ستتغير يوما..يمضي بلا تردد يتطلع في الواجهات و المارة ، كلما وقع بصره على امرأة بحث فيها عن وجه الزاهية ، في مرات عدة كان يوشك على إقاف امرأة او اقتفاء خطواتها ظانا أنها الزاهية بلحمها و دمها ، بيد انه سرعان ما يرعوي و يعود إلى رشده ، متيقنا بأن الزاهية بعيدة عن هذا المكان و لا يمكنها أن تتنقل بمفردها إلى الجهة الأخرى من الحدود ، حين يرى طفلا في سن ابنه المفترض "المهدي " يبتسم ، ثم سرعان ما يرين على نفسه حزن مقيت ، لا يتخلص منه إلا بعد لأي. بعد ان ينال حظه من التعب و الألم ، كان يحرص على اقتناء جريدة كل يوم تقريبا.. يجلس في المقهى، ثم يطلب من طالب شاب عاطل أن يقرأ له ما كتب في الجريدة. حلريصا كان على معرفة التطورات في العالم، وأهم منها ما يحدث بين الجارين الشقيقين العدوين، ينتظر بفارغ الصبر أن تنفتح الحدود. حينما يأخذ كفايته من الجلوس في المقهى، يتقهقر نحو كوخه، يتسلل إليه، يشعل شمعة ويقضي باقي الليل ساهرا مفكرا في مصيره الذي يكبس على أنفاسه. فكلما فكر أن الأمر سينتهي، تزداد مدته وتطول. في تلك الليلة وهو يتعثر في خطوته الليلة. التفت فجأة خلفه بعد أن شعر بأن شيئا ما يتبعه، فإذا به يجد كلبا صغير الحجم يميل إلى الصفرة يقتفي خطواته. وإن كان غبش الليل لم يسمح له بتبين اللون الحقيقي لهذا الكلب. توقف ..رمقه بنظرة حانية، توقف الكلب كذلك. استانف احميدة المسير، فتبعه الكلب من جديد. توقف احميد ثانية، فتوقف الكلب، ناداه بحركة من يده، وصفير خافت. تردد الكلب للحظة، ثم ما لبث أن بصبص بذيله، وتوجه نحوه، هكذا بدأت علاقة جديدة بين احميدة والكلب، الذي اطلق عليه اسم " المجلي " والذي سيلازمه - بعد ذلك- مدة طويلة من عمره. حين وصلا إلى الكوخ قدم احميدة للكلب بعض القطع من الخبز، التي التهمها الجرو ممتنا، ثم انبطح على الأرض..غاب احميدة داخل كوخه للحظات كانت كافية لسخين الشاي ،ثم خرج منه ..أسند ظهره على جدار الورش. أخرج غيلونه، وبدأ في تدخين الكيف، بعد أن أعد لنفسه جلسة مناسبة، و طفق يدخن و يرتشف الشايبنزع من الانتشاء الذي تحن له نفسه. صباح اليوم التالي، كان الجرو لا يزال يملأ بوجوده الطارئ محيط الكوخ. أطلق نباحا متقطعا.. كان احميدة يرمقه بعينين حانيتين وبين فترة وأخرى يقذف له بعض كسر الخبز، التي يقبل عليها الجرو بامتنان. بعد أن يوزع احميدة الطلبات على العمال، محاولا ان يلبي للجميع رغباتهم، كان يختار مكانا مناسبا، يجلس فيه، ويتطلع إلى الأطفال حاملي المحافظ ،المتجهين بفتور صباحي ظاهر إلى المدرسة. هذا الطقس اليوم كان أبدا لا يخلف موعده. كان يخفف ما في نفسه من هم ، و يجدد الأمل في أعماقه بأنه سيرى يوما ابنه المهدي، الذي يقدر الآن أنه أصبح في سن يؤهله للذهاب إلى المدرسة، حين كان احميدة يفعل ذلك، تلمع في أعماق عينيه نظرة مشرقة، كان الحارس يشاركه فرحته، فيلقي بكلماته المشجعة وهو يقبع في مكانه أمام باب الورش. -لا تحزن آدزايري، ستراه السي "المهدي" قريبا. يرد عليه بابتسامة، تعبر عن امتنانه، ثم ما يلبث أن يبتلعه الكوخ، فيما ينخرط الكلب في سورة في النشاط يركض هنا وهناك، يبصبص بديله ..ينبطح أرضا يتمرغ في التراب، ثم ينتفض واقفا، ويركض من جديد ، وحين ينال كفايته يعود إلى باب الكوخ ويتمدد هناك في انتظار إشارة أو حركة من صاحبه. حين يعتزم احميدة على إحضار بعض البضائع ، التي يحتاجها في عمله كان يصر على أن يذهب إلى مركز المدينة، يمضي راجلا يحث قدميه على التهام الطريق، كان ذلك يبعث النشاط في أوصاله ،بعد قعدته الطويلة في الكوخ ، لقد تعود جسده على الحكة و التعب ، فلا يميل إل حياة الدعة و الخمول.. يشتري ما يحتاجه، يعرج في طريقة على المسلك المؤدي إلى الممر الحدودي، يلقي نظرة من هناك ثم يعود نحو كوخه.. في طريقه كانت دوما تلفت انتباهه امرأة ، قدر أنها تتجاوز العشرين بقليل لكنها لم تتجاوز الثلاثين من عمرها. كان جمالها ملفتا، تغادر العمارة في أوقات معينة ، أصبح يحفظها، ويتعمد أن يمر أمامها في تلك الأوقات تحديدا، يراها تحمل بعض البضائع التي اقتنتها من السوق، وتعود بها إلى شقتها في العمارة. في أوقات معينة كانت نفسه تحن إلى رؤية تلك المرأة ، إنها تشبه الزاهية بشكل مثير، وكأنها هي. كان يختلق الأعذار لنفسه ليمر من أمام تلك العمارة، في بعض الأحيان يرافقه الكلب الذي ازداد حجمه كبرا، وفي أوقات أخرى يصر على الذهاب وحده. اختار مقهى يشرف على العمارة ليقضي فيه بعض أوقات فراغه. وحين تلوح له من بعيد يترك كل شيء، يحمل جسده وينخرط في هرولة، تسمح له بأن يجعل من لقائه بها صدفة غير مدبرة. بدأت المرأة تنتبه تدريجيا لوجوده المخاتل، الذي لا يكاد يعلن عن نفسه . أخذت كلما التقيا في الطريق، أو تقاطعا على الرصيف ترسم على شفتيها ابتسامة خجلى، تجود بها عليه. اكتفى احميدة بهذه الابتسامة التي أضحت تدريجيا تزين حياته الفارغة من حنان أنثوي، يشعر بنفسه في أمس الحاجة إليه. علاقة احميدة بالحارس جعلت كل منهما يعرف عن الآخر الكثير من الامور الشخصية، كان الحارس يعرف أن احميدة يتوفر على رخصة سياقة، لكن الوثيقة التي تثبت ذلك بقيت هناك وراء الحدود في الجزائر. ومع ذلك ما إن علم بأن الورش يحتاج إلى سائقين للشاحنات من أجل نقل البضاعة إلى المدن القريبة والبعيدة، حتى توجه نحو صديقه في كوخه المتواضع ..ألقى عليه التحية كالعادة ثم قال له : - يبدو أنك نلت رضا والديك آدزايري. ابتسم احميدة ابتسامة امتنان لصديقه ثم أجابه : - الله يسمعنا خيرا. - كل الخير إن شاء الله، أخبرتني سابقا أنك تحسن السياقة. - نعم أحسنها. - الورش يبحث عن سائقين للشاحنات، هاته فرصتك. متحسرا رد عليه احميدة : - لكن الوثيقة ظلت هناك في الجزائر، لم أكن أستعملها منذ أن استقررت في البادية، وامتهنت الفلاحة. ابتسم الحارس ورد عليه أحميدة : - هذا أمر بسيط. هل لديك قدر من المال كاف. - طبعا لقد تجمع لي في هذه السنوات بعض النقود. - إذن الأمر منته، غدا سأرافقك عند صديق لي، يشتغل في مركز منح رخص السياقة، وسيسهل أمورك. - الله يرحم والديك آصاحبي. - فقط عليك أن تعد بعض الصور. - لكني سأحتاج إلى شهادة السكنى. - لا تخش شيئا، لقد فكرت في كل شيء، الرجل المكلف بإعطاء شهادة السكنى في الحي الذي أقطن فيه يقنع بالقليل، سنمنحه ورقة نقدية محترمة وسنحصل على الشهادة. شعر أحميدة بأن الحياة تفتح له أحضانها من جديد، بعد أن صدته عنها لمدة طويلة، لم يصدق ما يحدث له في هذه الأثناء، لم يتمالك نفسه فارتمى في أحضان الحارس وعانقه عناقا حارا. رد عليه الحارس بأن ربت على ظهره وهو يقول : - نحن إخوة آدزايري. ماتشغلش بالك بهذه الأمور. حمل أحميدة معه فرحة المتبرعم وذهب إلى كوخه يستشرف مستقبله في السياقة، والخروج من حياة البؤس التي وجد نفسه ضحية لها. حضرت إلى الذهن زوجته الزاهية، جميلة ومشرقة، ومحرضة إياه على اقتراف مغامرة الحياة. ابنه المهدي كذلك تبدت ملامحه بارزة قوية، وابتسامته التي تدعوه إلى عدم تضييع الفرصة التي أتيحت له، حتى يعد نفسه للقاء الذي منى نفسه بأن يكون وشيكا ، خاصة بعد تواتر الأخبار عن إرخاء قبضة السلطات الأمنية عن منطقة الحدود في الجهة الأخرى، وأخذ الناس يتوافدون عليها، وكلهم أمل أن يلقوا نظرة على الأحبة، أو اقتناص كلمة تائهة يتصيدها ولو عن بعد ، قرر أن يكون في تلك اللحظة رفقة المتجمهرينقرب الحدود ممنيا نفسه بهدية قد ل تكون في الحسبان. لقد جرب ذلكسابقا و لم يظفر سوى بالحسرة و بعض اليأس ، لكن لا بأس .ذهب إلى المنطقة التي يقصدها الناس، ضاع وسط الجموع الغفيرة. كل منهم يسعى جاهدا ليبلغ رسالته الصوتية إلى قريب، فرق بينهما مكر السياسة الذي لا يؤمن جانبه. ظل هناك واقفا ينتظر، كل امرأة في الجهة الأخرى البعيدة تبدو له شبيهة بالزاهية أو هي نفسها. لكن هيهات. كيف يمكن له أن يتأكد من ذلك. رأى أناسا ابتدعوا أشكالا مختلفة للتواصل. يلوحون برداء بلون معين، يظنون أن الجبيب في الجانب الآخر سيميزه عن غيره، هناك من يكتب ورقة يلفها في حجر، ثم يلقي بها بكل ما يملك من قوة. تصل الحجرة، وتتلاعب الرياح بالورقة، أو يتساقطان معا في هوة سحيقة، حيث الوادي الجاف المليء بالحجارة.
****