الفصل 4
رواية أسلاك شائكة
الفصل الرابع
الفصل الرابع: ظلت الزاهية تعمل بين جوانحها الهم الثقيل. كانت تستطلع الأخبار. أخبار الحرب وأخبار المرحلين. عرفت أن الكثير من الأسر شتها هذا الترحيل. كانت أمها تشعر بالحزن الذي يعتصر قلبها، فتحاول أن تخفف عليها. لكن ذلك لم ينفعها كثيرا. في جل الوقت تغلق عن نفسها الغرفة، وتنخرط في البكاء. تنشج بقوة وحرقة. ابنتها تكبر بين يديها دون ان تعرف لها أبا يسعد بحضورها الجميل.كانت تحاول تعويضها عن هذا الحرمان بإغراقها في العطف والحنان. الأيام تمضي متسارعة ولا خبر عن زوجها، كانت الظنون تسرح بها في طرق شتى. هل يمكن أن يكون قد نساها. لا يمكن، إنها تعرف كم يحبها. هل يكون قد عاد إلى عائلته بفاس. أبدا لا يجرؤ على فعل ذلك. كانت تفكر في كل الاحتمالات، لكنها في الأخير تطمئن إلى أنه أبدا لن ينساها، سظل على مقربة من الحدود ينتظر اليوم الذي تفتح فيه الحدود، ويسمح للناس للتنقل بين البلدين. اشتد بها الشوق هذا الصباح. شعرت بغصة قوية. أحست بأنها لم تعد تقوى على العيش بعيدا عن زوجها. حينها فكرت أن تفعل شيئا. على الأقل تراه، وتطمئن إلى وجوده هناك قريبا على الحدود من الجهة الأخرى. أخبرت أمها بما عزمت عليها. لكنها حذرتها. أمها لا تقوى على المجازفة ولا تفكر أبدا في القيام بأي أمر غير محمود العواقب. لم تقتنع الزاهية بتحذيرات أمها. لقد اتخذت قرارها بالتوجه إلى الموقع الحدودي، وهناك ستتطلع إلى الجهة الأخرى من الحدود. من يدري، ربما يكون احميدة هناك ينتظر إطلالة منها قد تكفيه في الوقت الراهن، وتقوي من عزمه. قامت الزاهية بكل ما يتطلبه البيت من أشغال. حملت ابنتها "المهدية" على ظهرها ومضت في طريقها نحو رحلتها المجهولة..ركبت الحافلة التي تنقل الركاب إلى أقرب منطقة من الحدود.كانت الرحلة قصيرة نسبيا، لم تستغرق وقتا طويلا. فقط تأخرت الحافلة بعض الشيء، لأن العساكر كانوا يوقفون الحافلة في محطات عدة، ثم يصعد عسكري أو عسكريان، يأمرون الركاب بإشهار بطائق هويتهم.. كانت قد سمعت هذا الإجراء الذي أصبح أمرا روتينيا في البلد بأكمله، خاصة بعد اندلاع الحرب. في المحطة الأولى حيث يتواجد رتل من العساكر، توقفت الحافلة، طلب العسكري من سائق الحافلة أوراقه. تفقدها، ثم ردها إليه، ثم صعد عسكريان إلى الحافلة. واحد من الأمام والثاني من الخلف. أمر الركاب بإخراج بطائقهم، ثم شرعوا في تفقدها تباعا، كانوا يدققون في الهوية. وحين يتبين لهم شخص ما، رجلا امرأة، أن مكان ازدياده في إحدى المدن المغربية، أو يحمل بطاقة مغربية يطلبون منه الترجل. كان المشهد بئيسا .. طلبوا من رجل طاعن في السن أن يغادر الحافلة فامتنع، فأمسكه العسكري بخناقه، ودفعه بشكل مهين، رد الرجل المسن: - أنا جزائري أكثر منك. أنا شاركت في حرب تحرير الجزائر. اغضب العسكري هذا الكلام، فدفع الرجل نحو الباب. فقد الرجل توازنه فسقط في الممر الداخلي للحافلة، تعاطف بعض الركاب معه. قامت امرأة وخاطبت العسكري قائلة: - على الأقل احترم شيخوخة الرجل. - توجه العسكري نحوها غاضبا. طلب منها أن تريه بطاقتها فقالت له: - لقد اطلعت عليها سابقا استفزه الرد، فقال لها بعصبية: - اريني بطاقتك. أخرجت المرأة بطاقتها. أمسكها بين يديه، تطلع عليها تأكد من هويتها الجزائرية، فرد إليها البطاقة، ثم خاطبها بلهجة صارمة: -اهتمي بأمورك الشخصية، وإلا قدتك معهم بتهمة الخيانة. تطوع شخص يجلس في الخلف، وقال رافعا صوته: - اسكتي يا خائنة التزمت المرأة الصمت، فيما انحذرت بعض الدموع من عيني الزاهية، وهي تتصور ما يمكن أن يكون قد لحق بزوجها من مهانة على أيدي هؤلاء العساكر. توقفت الحافلة في محطة المدينة. غادرتها الزاهية وهي مرتبكة حائرة، لا تدري أي سبل تنهج في طريقها. توقفت قليلا، ثم توجهت عند شاب، يدعو الناس لركوب الحافلات في اتجاهات متعددة. أخبرته أنها ترغب في الذهاب إلى المنطقة الحدودية "جوج بقال". نظر الشاب إليها يتمعن ثم قال لها: - هل فقدت عقلك يا امرأة. إنها الحدود مغلقة، وتلك منطقة عسكرية ممنوعة.. لا يمكن للمدنيين الوصول إليها. - انخرطت المرأة في البكاء، وأخبرت الشاب عن مصير زوجها، تعاطف الشاب معها، فقال لها: - إنه من الصعب الوصول إلى هناك. لكن ليس الأمر مستحيلا. هناك بعض السيارات تقطع طريقا ترابيا ملتويان وتضع الناس على مقربة من هناك. ثم يتابعون على أرجلهم حتى يصلون خفية إلى الممر الحدودي. ابتهجت المرأة بالخبر، فطلبت من الشاب أن يوجهها بعد أن دست في يدي ورقة نقدية. ترك الشاب مكانه، وطلب منها ان تتبعه. اقتفت المرأة خطواته وهي تتعثر في مشيتها والرضيعة تلتصق بظهرها . دخل الشاب إلى مكان مسيج بحائط، وطلب منها أن تنتظره. دخل إلى مقهى، ثم عاد رفقة رجل كهل.. أخبرها الكهل أنه سيقوم بالرحلة الآن. لأنه كان ينتظر شخصا واحدا حتى يكتمل النصاب. أشار إليها بمكان السيارة. ودعت الشاب بعد أن شكرته، وتوجهت نحوها.. ركبتها فوجدت بداخلها أناسا يعيشون نفس مأساتها. نساء فقدن أزواجهن، ورجالا فقدوا سناءهم. تبادلوا الحديث عن المأساة على طول الطريق الذي قطعته السيارة ى . حين بلغوا وجهتهم، دلهم السائق الطريق، وأخبرهم بأنهم إن رغبوا في العودة أن ينتظروه هناك في نفس المكان. نزلوا من السيارة، وختطوا في طريق غير ممهد، ثم ما لبثوا أن وصلوا إلى تلة مرتفعة. من هناك أطلوا على الممر الحدودي. لكن الوصول إليه صعب. اتفقوا فيما بينهم وقرروا أن يواجهوا العسكر. سيذهبون إليهم ويطلبون منهم ان يسمحوا لهم بالاقتراب أكثر لعلهم يحظون بإطلالة سريعة على الأحبة. قبل أن يصلوا إلى وجهتهم رأوا سيارة عسكرية تتوجه نحوهم. تملكهم الخوف، لكنهم استمروا في طريقهم. السيارة تدنو منهم، حجمها يكبر تدريجيا حتى أصبحت في حجمها الطبيعي. توقفت قبل أن تبلغهم بمسافة معقولة، ترجل منها عسكريان مدججان بأسلحتهما. شهروا بندقياتهما في وجوههم. طلبا منهم إشهار بطائقهم، حين تأكد العسكريان من هويتهم الجزائرية. طلبا منهم أن يعودوا ادراجهم من حيث أتوا وإلا سيتم القبض عليهم بتهمة اختراق منطقة عسكرية ممنوعة، لم تنفع توسلاتهم في شيء. وفي نهاية المطاف نكصوا على أعقابهم يجرون أذيال الخيبة. وقفوا في المكان المطلوب في انتظار السيارة التي ستنقلهم من حيث انطلقوا في المدينة القريبة من الحدود.
*****