اسلاك شائكه - الفصل 3 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسلاك شائكه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

رواية أسلاك شائكة الفصل الثالث الفصل الثالث: قضى احميدة ليلته حائرا مضطربا، لا يعرف كيف يتعامل معه حياته الجديدة بعيدا عن بيته وأسرته. قصد المحطة الطرقية لمدينة وجدة. وهناك على مقربة منها جلس في مقهى، يداوم على تقديم خدماته للزبناء ليلا ونهارا. طلب كأس قهوة وآخر وثالث، وهو يحاول إقناع نفسه بالمصير الجديد الذي يعيشه. حرص على أن يكون قريبا من المذياع ليتسقط آخر الأخبار.. كانت الإذاعة تبث أغنية مغربية ذكرته بالماضي البعيد، تماهى معها محاولا أن يسترد بعضا من ذكرياته البعيدة.. ساحت به الذاكرة في أزقة فاس ، تستفز الحنين إلى طفولة ، تخيلها سعيدة و بعيدة عن الهواجس ، حضر وجه أمه قويا..تراءت له ملامح وجهها و ابتسامتها التي كانت دوما تأسره ، أحس بدمعة ساخنة تترقرق في أعماق عينيه ، قاومها بعناد.. تسللت الزاهية إلى خياله ، تذكرها فيي مواقف عدة ، في البيت ، في الحقل ، في الفراش.. إنه يشعر الآن كم احبها.. يمني النفس بعودة وشيكة إلى حضنها . داعب خياله "المهدي" الطفل الذي كان ينتظر بشوق ولادته. قدر أن الابن الآن يرتع في حضن أمه. بالتأكيد سيخفف عليها المصاب الجلل الذي داهم حياتهما فجأة وبدون مقدمات. انتهت الأغنية وأزف موعد الأخبار. كان المذيع ينتقي كلماته القوية. المذيعون يتشابهون في العالم كله.. هكذا بدا له الأمر.. الشيء المختلف هنا هو أن الإذاعة حملت المسؤولية للجزائر في بدأ الحرب..كما أنها أشارت إلى ان السلطاتن المغربية لم تعمد إلى طرد اي جزائري أو جزائرية من ترابها الوطني. انزوى احميدة في مكان متوار حتى لا يلفت النظر إليه. كان يكفيه أن يجد مكانا يضمه في هذه الليلة الموحشة، المقفرة بعيدا عن عشه الذي اعتاد احتضانه في كل ليلة بعد يوم من التعب المتواصل. فكر أن يلجأ إلى فندق رخيص يرمي فيه جسده المتعب الحزين. لكنه بعد تفكير طويل فضل أن يحتفظ بالمال في جيبه ..لا يعرف تحديدا كم ستطول هذه المحنة. لم يشعر احميدة بنفسه إلا وهو يغفو، تدريجيا فقد الإحساس بالعالم من حوله.. لكن ما إن مرت بعض لحظات ، ظنها طويلة بلا حد ، حتى استيقظ مفزوعا من حلم أزعجه. لم يتذكر تفاصيله، لكنه كان حلما شريرا، لا يمكن للمرء أن يطمئن له ، حاول جاهذا تذكر بعض التفاصيل ، لكنها متمنعة ، فقط تذكر أنه كان يغرق و يغرق في مياه سوداء ، و هو يشعر بالاختناق ، و لا احد ينتشله مما هو فيه ، ثم يتذكر أن المشهد تغير فإذا بالنيران تحاصره من كل جانب ، و هو يكاد يفقد وعيه من الرعب ، و لا يستطيع الفرار إلى أي مكان . جاء الصباح بطيئا، تسلل معه الضوء باهتا شفقيا، ثم سرعان ما اتضحت معالمه.. ذكره ذلك باستيقاظه المبكر في البيت هناك في رحاب البادية ، حيث الصياح المتواصل للديكة ، و الحضور الجميل للزاهية ، التي يفتح عينيه كل صباح على قسماته الهادئة و الجميلة . ابتهج بذلك للحظات ، ثم سرعان ما ألقى وضعه القاتم بثقله على نفسه ..استعاد في ذهنه تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم ، الذي فقد فيه فجأة كل شيء ، و كأن الدنيا تنكرت له دفعة واحدة و قلبت وجهها عنه، بل صدته بكثير من الصلف بعد ان ذاق حنانها و لطفها و اعتاد عليهما. . قلب بصره في المقهى من حوله ، فارغا كان لا يزال إلى من قلة من الرواد .. تمطط قليلا في مكانه ، ثم وقف ، و حرك أعضاءه العليا و السفلا.. قصد المرحاض ، تطلع هناك إلى وجهه في المرآة ، لقد طال سحنته بعض التغيير.. زغب أسود ناصع غزا دقنه ، فأكسب وجهه حزنا مضاعفا.. عاد إلى مقعده .. طلب قهوة بالحليب، وخبزا. تناولهما بتأن، ثم انصرف من المقهى ، و هو لا يعرف له وجهة محددة. فكرة واحدة استولت عليه و وجهت خطواته ، لقد قرر أن يكون عمليا. توجه نحو الحدود. مشى بسرعة رجل ينتظر تحقق شيء محدد. وصل إلى حيث يتجمهر الناس. كان المكان هناك قريبا وبعيدا. لا تفصله عنه إلا خطوات لا تعني شيئا، لكنه بعيد بشكل لا يصدق. العساكر في كل مكان، يشهرون أسلحتهم، ومستعدون لإطلاق النار على أي شيء يتحرك. فكر أن يلتجئ إلى المهربين كي يخلصوه من جحيمه. لكن ذلك يحتاج إلى الكثير من المال، وهو على حافة الإفلاس.. ظل هناك يترقب ظهور شخص يعرفه.. لا شيء في الأفق. الجانب الآخر من الحدود لا مدنيين فيه، فقط العسكريون يحتلون المكان.. كان دمعة تنحبس في مقلتيه، لكنه أبى أن يفرج عنها. في لحظة ما رأى حافلة تتقدم نحو الحدود من الجهة الأخرى.تتبعها بكثير من الاهتمام ..توقفت الحافلة ، ثم ما لبث أن تدفق منها سيل من البشر، توجهوا في صفوف نحو الممر الحدودي، حين ذاك تأكد أن الأمر جدي، وأن الحكام في الجزائر مصرون على إفراغ البلد من المغاربة. تحسر على فقدانه للأمل.. نكص إلى الخلف، عاد يجر رجليه المثقلتين نحو مدينة وجدة، بدت له المدينة هادئة ومحايدة بشكل مقرف. إنها لا تشعر به وبمأساته.في تلك اللحظة بالذات استقام القرار في ذهنه. لابد أن يجد عملا يقتات به في انتظار أن تنفتح الحدود، وتعود المياه إلى مجاريها.. تجول في المدينة يتطلع في معالمها، محاولا أن يجد كوة تسمح له بالتسلل إلى نسيجها، الذي بدا له معاندا، من الصعب اختراقه. في طريقه رأي ورش بناء، تنشط فيه الحركة عمال يشتغلون بجد.. قرر أن يجرب حظه هناك. دخل الورش ،فأوقفه الحارس،وسأله: - ماذا تريد؟ - أبحث عن عمل. -لا يوجد عمل اليوم، يمكنك الرجوع غدا. لم يتحرك من مكانه. ظل خافضا رأسه، وهو يحملق في الأرض بكثير من الحزن.. تقدم الحارس نحوه، ثم سأله: - ما بك. لا يبدو أنك معتاد على هذا النوع من العمل ،الذي تطلبه. حينذاك فكر الرجل أن يحكي للحارس حكايته، وقبل أن يتمها، وجد أن الحارس ملم بكثير من تفاصيلها. بدا نوع التعاطف في حديث الرجل إليه، ثم ما لبث أن اقترح عليه شيئا: - اسمع "آدزيري". العمال هنا يحتاجون بين الحين والآخر إلى من يعد لهم كأس شاي، ويزودهم ببعض الطعام. لم لا تقيم كوخا صغيرا في الجانب المتواري على حاشية الورش. يمكن أن تعيش فيه، وتقتات منه. فكر احميدة في الاقتراح، فدا له مناسبا. طفح بعض البشر على وجهه ، خاصة وأنه يعتقد أن مهنته هاته لن تطول إلى الأبد. لم يعبر عن موافقته، لكنه ظل صامتا.. تحمس الحرس للاقتراح الذي سيحل أزمة الرجل الغريب، ويوفر عليه الانتقال بعيدا لإحضار متطلبات العمال، التي ترهقه. دعاه للجلوس، وكانت تلك الجلسة فاتحة صداقة بينهما. أخرج الحارس غيلونه، عبه، مص بعض الدخان،ثم مجه بانتشاء، وهو يرتشف بقايا الشاي في كأسه الذي علاه التراب. ملأ الغيلون من جديد، ومده لرفيقه وهو يقول: - بسم الله ادزايري. مد احميدة يده بخجل. تناول الغيلون، وامتص ما يحتويه بلهفة ،ثم ما لبث أن انخرط في السعال. لقد مر وقت طويل منذ أن انقطع عن تندخين "الكيف". بسرعة انتسجت علاقة قوية بين الرجلين،انسجما في الحديث بينهما، ثم ما لبث أن توغل الحارس داخل الورش. انتظر احميدة عودته وهو يقلب بصره في المكان، مفكرا في اقتراح الحارس، الذي يدغدع خياله، ممنيا النفس بأن ينجح في هذه المهمة، التي ستوفر له على الأقل مكانا آمنا يأوي إليه. عاد الحارس يحمل بعض الألواح الخشبية، وقطعا من الزنك. مدها لاحميدة باحتفاء، وهو يقول: - باسم الله أدزايري. ابدأ العمل الآن. أخذ احميد الألواح الخشبية، وحملها إلى المكان الذي أشار به الحارس، وهناك بدأ العمل.. تدريجيا أخذ الكوخ الصغير المكون من غرفة واحدة يؤثث المكان بحضوره النشاز.. نتهى العمل بسرعة غير متوقعة.. اطمأن احميدة إلى ما صنعت يداه، ثم استأذن من الحارس وقصد مركز المدينة للتسوق. نصحه الحارس بالاحتراس وأن لا يشتري إلا ما هو ضروري جدا لبدء العمل، وتدريجيا يقتني بعد ذلك الأشياء الأخرى التي يحتاجها. في سوق المدينة اشترى احميدة علبة شاي وعلبة سكر، وقنينة زيت زيتون، وكمية محدودة من الخبز، اقتنى كذلك بعض الكؤوس الزجاجية، وصحون بلاستيكية وإبريقين، وبقراج. ثم عاد منفرج الأسارير نحو الورش. وجد الحارس في استقباله، فما إن رآه حتى سأله محتفيا: -آش درت أدزايري؟ رد عليه احميدة: - اشتريت عدة الشغل - إذن على بركة الله. ابدأ في اعداد الشاي، سأخبر العمال بوجودك هنا. لم يمض وقت طويل حتى توالت عليه الطلبات، وبدأت الكؤوس تنتقل من الكوخ إلى الورش. أشعره ذلك بالاغتباط، فعبر عن امتنانه للحارس ، الذي ردعليه بأنهما إخوة و لا دعي للشكر. انغمس احميدة في عمله الجديد، يعد الشاي للعمال، ولم ينسى أن يخص الحارس بكأس شاي ، وفاء للصداقة الوليدة ،التي تجمع بينهما. في المساء توجه الحارس نحو احميدة، وقال له: -سأغادر العمل الآن، سيأتي الحارس الليلي، سأعود عندك بعد قليل، انتظرني ، فبيتي غير بعيد عن هنا. شعر احميدة بصدق الرجل ونبله، فأثنى عليه وشكره بكل ما يمكل من دعوات الخير. اختفى الحارس لساعة من الزمن ثم عاد محملا ببعض الأغطية، قدمها لاحميدة وهو يظهر محبته له قائلا: - أتمنى أن تقبل مني هذه الهدية، إنها ما استطعت احضاره لك. شعر احميدة بالخجل من كرم الرجل، وخجل من بؤسه، لم ينطق بكلمة وإنما شعر بوخزة قوية في صدره، خفض رأسه، فألح عليه الحارس: - خذ الأغطية، ستحتاج إليها. نحن إخوة آدزايري. لا تخجل من شيء. ****