زوربا - الفصل 4 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: زوربا
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

رواية زوربا الفصل الرابع الفصل الرابع عندما انبلج الصباح استيقظت لأرى زوربا أمامي جالسا عند طرف السرير يدخن وهو غارق في بحر من التأملات , وعيناه مسمرتان على زجاج النافذة ... وتذكرت أني تركتهما لوحدهما ليلة البارحة وقلت له : - إني ذاهب , يا زوربا , تمتع جيدا , وتشجع .... وقد قال لي : - إلى اللقاء أيها الرئيس , اتركنا نرتب الأمر جيدا . وقد بدا لي أنهما رتبا الأمر جيدا , فقد سمعت في الليل أصواتا مكتومة , وتهزهزات في الغرفة المجاورة . وبعد منتصف الليل دخل زوربا إلى غرفتنا عاري القدمين وانطرح على السرير بكثير من الهدوء كي لا يوقظني ... ولكنه الآن , عند الفجر , يبدو شاردا , وعيناه تضيع بعيدا , وكان لا يزال غارقا في نشوة الليل الفائت مستسلما بهدوء إلى شعاع الشمس المتداخل من زجاج النافذة . وبدأت القرية تفيق من نومها , وبدأت الحركة تدب في الأزقة ممتزجة بأصوات الديوك والخنازير , والحمير , والناس . وخطر لي أن اقفز من سريري واصرخ : " هيا يا زوربا فلدينا عملا اليوم " لكني كنت اشعر أنا الآخر بسعادة كبيرة في الاستسلام هكذا دون حراك منتظرا تسرب الفجر الرائع ,ففي هذه اللحظات الساحرة تبدو الحياة , خفيفة كالغبار , وتبدو الأرض كأنها تتكون من الريح كالغيوم المتموجة الطرية ... ونظرت إلى زوربا وهو يدخن , فشعرت برغبة في التدخين أنا الآخر , فتناولت غليوني . وحدقت به منفعلا . انه غليون إنكليزي الصنع , كان صديقي القديم قد أهداني إياه , وتذكرت قوله حين منحني هديته تلك : خذ هذا الغليون , واترك السجائر التي تدخن نصفها وترميها بعد ذلك كأنها امرأة عاهرة , تزوج الغليون , فهو كالمرأة الوفية فعندما تعود إلى بيتك , ستجده دوما هناك بانتظارك فتشعله وتجلس تتأمل دخانه الصاعد في الهواء , ثم تذكرني .... لا زلت اذكر إن الوقت كان ظهرا , وكنا في احد متاحف برلين , حيث كان صديقي يودع لوحته العزيزة ( المحارب ) للرسام رامبراندت , ونظر صديقي إلى تلك اللوحة متأملا المحارب الحاقد اليائس . وقال : " إذا ما تمكنت من القيام في حياتي بعمل جدير بالرجل , فسأكون مدينا به له !! " كنا في صالة المتحف , نقف قرد عامود , وأمامنا تمثال من البرونز لفارسة عارية تمتطي حصانا بريا متوحشا . وغط عصفور على رأس التمثال والتفت صوبنا وهز بذنبه وأطلق لحنا هازئا ثم طار في سبيله . وارتعدت وأنا انظر إلى صديقي وسألته : - هل سمعت العصفور ؟ لقد خلت انه قال لنا شيئا , ثم طار في سبيله . وابتسم صديقي وأجابني بمثل من أمثالنا العامة : ( انه عصفور , دعه يغني , انه عصفور , دعه يتكلم ) كيف كانت , في هذه اللحظة عند طلوع الفجر , عند شاطئ كريت هذه الذكرى تعود إلى مخيلتي مع هذا المثل الحزين لتملأ عقلي بالمرارة ؟ ووضعت قليلا من التبغ في غليوني وأشعلته . إن كل شيء في هذا العالم له معان خفية . الرجال . الحيوانات . الشجر . النجوم , إنها تبدو كالرموز الهيروغليفية لمن بدأ في حل رموزها ليكتشف خفاياها .... فعندما تراها فإنك لا تفقه لها معنى , فتعتقد أنها رجال اقحاح , وحيوانات , وأشجار , ونجوم , ولكن بعد مرور السنين وبعد فوات الأوان تفهم معناها الحقيقي ... ورحت أتابع الدخان المتصاعد من الغليون , وكانت روحي تندمج بهذا الدخان , وتتلاشى معه في الحلقات الزرق المكونة . ومر وقت طويل , كنت اشعر , دون العودة إلى المنطق , وبتأكيد لا يوصف , بحقيقة هذا العالم وانبثاقه وزواله . وأطلقت زفرة هادئة أيقظتني من أفكاري الشاردة , فنظرت إلى ما حولي إلى هذا الكوخ الخشبي الفقير , وهذه المرآة الصغيرة المتدلية على الحائط والمنعكس عليها شعاع الشمس , فبدت تقدح بالشرر . وكان زوربا لا يزال جالسا على حافة السرير يدخن بهدوء مديرا لي ظهره . ومرت أحداث الأمس بمخيلتي , رائحة البنفسج والكولونيا , والمسك والببغاء الذي بدا كالرجل قد تحول إلى ببغاء يضرب قفصه بجناحه مناديا حبيبا قديما , وسفينة قديمة , لا تزال الوحيدة الباقية على قيد الحياة لتقص أقاصيص الحرب والمعارك البحرية القديمة .... واستدار زوربا عندما سمع صوت زفرتي , وتمتم قائلا : - لقد أسأنا التصرف , لقد أسأنا التصرف أيها الرئيس . لقد ضحكت , وكذلك فعلت أنا , وقد رأتنا هي , وهذه الطريقة التي غادرتنا بها دون أن تنبس بكلمة رقيقة واحدة . يا للعار اللعين ! إن هذا ليس تهذيبا , أيها الرئيس . وهذه ليست طريقة حسنة للتصرف , اسمح لي أن أقول لك . إنها امرأة على كل حال . أليس كذلك ؟ مخلوقة ضعيفة خائفة . وقد عملت جيدا حين بقيت لأعزيها . - ولكن ما تعني بقولك يا زوربا ؟ وهل تعتقد بكل جدية إن جميع النساء ليس في عقولهن شيء سوى هذا ؟ - نعم أيها الرئيس , فليس في عقولهن شيء آخر . أصغ إلي الآن .... لقد رأيت جميع الأشياء , وعملت في كل شيء ... إن المرأة ليس عندها من شيء آخر في نظرها . إنها مخلوق ضعيف مشاكس . وإذا لم تقل لها انك تحبها وتريدها فإنها تبدأ في البكاء . وربما هي الأخرى لا تريدك إطلاقا , بل ربما تحتقرك وربما تقول لك كلا , فهذه مسألة أخرى لكن جميع الرجال الذين يرونها يجب أن يشتهونها , فهذه ما تريده تلك المخلوقة المسكينة , لذلك فالأجدر أن تحاول إرضاءها . فأنا مثلا , كانت لي جدة تبلغ الثمانين من عمرها . إن قصتها حقيقية تماما . وكانت تسكن قريبا من منزلنا فتاة صبية نضرة كالوردة , واسمها كريستالو . وفي كل يوم سبت عند المساء , كنا نحن الشباب نذهب إلى الحانة لنحتسي كأسا من الخمر وننتشي به , ثم نضع ضمة من الحبق وراء أذننا ويأخذ ابن عمي قيثارته ونذهب للتنزه . يا للحب يا للعاطفة .... كنا نخور كالبقر وكنا نريدها وكل يم سبت كنا نتوجه لها مرة واحدة ليقع اختيارها على واحد منا . حسنا ... هل تصدق هذا أيها الرئيس ؟ يا له من لغز ؟ إن في النساء جرحا لا يلتئم بالمرة . كل الجروح تشفى إلا هذا . لا تعتمد كثيرا على كتبك ... انه لا يلتئم أبدا . لماذا ... لأنها قد أصبحت في الثمانين ؟ ومع ذلك فالجرح لا يزال مفتوحا . إذن كل سبت كانت العجوز المتصابية تجر أشياءها نحو النافذة . وتتناول مرآتها الصغيرة وتحاول تسريح ما تبقى من شعرها وتنشره على فرقتين فوق جمجمتها . ومن ثم تختلس نظرات سريعة حولها خوفا من ان يشاهدها احد , وان اقترب احد منها , تندفع إلى الوراء لتستكين بهدوء وتدعي النوم . ولكن كيف كانت تستطيع النوم ؟ فإنها بانتظار النزهة وهي في الثمانين من عمرها ... هل ترى الآن هذا اللغز المجهول في المرأة أيها الرئيس ؟ إن هذا يشدني الآن للبكاء . أما في ذلك الوقت فقد كنت تافها . ولم افهم هذا . وهذا ما كان يدفعني للسخرية , في احد الأيام غضبت منها , لقد كانت توبخني لأنني كنت اجري خلف الفتيات . عندها صحت في وجهها دون مواربة وبكل صرامة !! لماذا تدلكين شفتيك بورق الجوز كل سبت . وتسرحين شعرك . أتظنين بأننا نتنزه من أجلك ؟ إننا نأتي من أجل كريستالو . أما أنت فلست إلا جيفة نتنة . هل تصدق أيها الرئيس ؟ في ذلك اليوم عرفت فقط ما هي المرأة . دمعتان دفقتا من عيني جديتي . انكمشت كأنها كلبة , وراحت ذقنها ترتجف . وصحت " كريستالو " واقتربت منها أكثر لكي تتمكن من أن تسمعني بوضوح : " كريستالو " ... إن الشباب حيوانات قاسية , إنهم ليسو من المخلوقات الإنسانية . لا يفهمون شيئا . عندها رفعت جدتي ذراعيها النحيلتين نحو السمار وصاحت " عليك اللعنة من أعماق قلبي " ومنذ ذلك اليوم بدأت صحتها تتلاشي وتتدهور , وبعد شهرين كان يومها قد بدأ يقترب . وبدت أيامها معدودة . وعندما كانت تحتضر شاهدتني . فشهقت كأنها حشرة وحاولت أن تمسكني بأصابعها وقالت " لقد كنت أنت من أنهى حياتي . فليلعنك الله يا الكسيس ويجعلك تعاني كل ما عانيته أنا " وابتسم زوربا وتابع : - آه . إن لعنة العجوز قد أصابت هدفها . وراح يصلح من حال شاربه وتابع قائلا : - إنني في الخامسة والستين الآن , ولو عشت حتى المئة فلن أتقاعد , فسأظل احمل المرآة الصغيرة في جيبي , وسأبقى اجري خلف النساء . وابتسم ثانية , ورمى سيجارته من النافذة , ومد ذراعيه قائلا : - لي أخطاء غير هذه كثيرة , إلا أنها الوحيدة التي سوف تقضي علي . وقفز من سريره وصاح : - لقد تحدثنا بما فيه الكفاية اليوم . يجب أن نستغل اليوم . وارتدى ثيابه وحذائه بمثل لمح البصر وخرج . وبرأس محني , رحت استعيد كلمات زوربا , وفجأة لمعت في رأسي , مدينة مغطاة بالثلوج , كنت في معرض لأعمال " رودان " وتوقفت لأنظر إلى يد برونزية ضخمة " يد الله " كانت اليد نصف مفتوحة . وفي نصف الراحة كان يوجد رجل وامرأة متعانقان يكافحان . جاءت فتاة واقتربت مني . وكانت تبدو غير مستكينة ومضطربة , وراحت تنظر إلى ذلك العناق الأبدي بين الرجل و المرأة . كانت نحيلة , أنيقة , وكان لها شعرا أشقر كثيفا . وذقنا قاسية وشفاه ناعمة كان باديا عليها التصميم والرجولة . كان في طبيعتي عدم البدء بالحديث . ولكن لا ادري ما الذي دفعني لأن ألتفت نحوها وأسألها : - بماذا تفكرين ؟ فتمتمت بسرعة ؟ - آه ... لو نستطيع أن نهرب !!! - وأين نذهب , فيد الله في كل مكان . فلا يوجد أي مهرب . هل أنت أسفة ؟ - كلا .... فالحب قد يكون اكبر متعة في الوجود . هذا ممكن . إنما الآن فأرى تلك اليد البرونزية . فأفكر بالهرب - أتفضلين الحرية ؟ - أجل . - ولكن لنفترض بأننا عندما نطيع تلك اليد نشعر بأننا أحرار . لنفترض بأن كلمة " الله " ليس لها المعنى التي تمنحه له الجماهير . نظرت إلي بقلق وبدت عيناها رماديتان , وشفتاها جافتين مرتين . - لم أفهم .. قالت وابتعدت بسرعة . اختفت , ومن ذلك الوقت لم أفكر فيها مطلقا . . ولكن لابد وأنها كانت تعيش في داخلي , واليوم على هذا الشاطئ المهجور ظهرت من جديد شاحبة نحيلة , من أعماق كياني . نعم لقد كان تعرفي غير لائقا , كان زوربا على حق , فاليد البرونزية كانت حجة , فالاتصال الأول قد تم . وكانت الكلمات اللطيفة قد تبودلت وكان من الممكن تدريجيا , أن نتعانق ونتحد بهدوء ودون إزعاج في يد الله . إلا أنني قفزت فجأة من الأرض نحو السماء . فارتعشت الفتاة وهربت . كان الديك العجوز يصيح في باحة حديقة السيدة هورانتس , وأنوار الصباح الجديد قد بدأت تزحف عبر النافذة الصغيرة . وانحدرت من الفراش . كان العمال قد بدأوا يغدون حاملين معاولهم ومجارفهم , وراح يتناهى لمسامعي صوت زوربا يصدر الأوامر . فقد انغمس في العمل بسرعة فائقة . إذ أن الإنسان يشعر بأنه يعرف كيف يأمر , ويحب المسؤولية . مددت رأسي من النافذة الصغيرة وشاهدته واقفا هناك , كأنه عملاق بين ثلاثة من العمال النحيفين , القساة , السمر . كانت يده ممدودة بقسوة وكانت كلماته مختصرة وفي صلب الموضوع . وبعد قليل امسك بعنق فتى صغير كان يتقدم متمتما بصوت خفيض , فصاح زوربا : - هل عندك شيء لتقوله ؟ هيا قله بسرعة وبصوت عال , فأنا لا أحب الدمدمة , يجب أن تكون مستعدا للعمل و إلا عد إلى الحانة . عندها ظهرت السيدة هورانتس , بشعر مشعث , وخدين غائرين , لأنها لم تضع أي مسحوق على وجهها . وكانت ترتدي ثوبا طويلا قذرا , وتنتعل زوجا من الأحذية الطويلة المهترئة . وسعلت سعالا قاسيا كسعال مغنية سابقة , كأنه نهيق حمار , توقفت ونظرت نحو زوربا بكل فخر وكبرياء , ومضت عيناها , فسعلت من جديد , متى يلحظها , ومرت بقربه , تهز وتحرك ردفيها بإثارة مصطنعة , أكمامها الوسخة كادت تلمسه , إلا انه لم يتحمل مشقة النظر إليها , وأخذ قطعة من خبز الشعير وقبضة من الزيتون وصاح بالعمال : - الآن أيها الرجال . باسم الله , ارسموا علامة الصليب . وسار بعيدا يتقدم الرجال بخط طويل نحو الجبال . لن أصف هنا العمل في المنجم ... فهذا يحتاج لصبر طويل , وأنا ينقصني الكثير منه , قرب البحيرة بنينا كوخا من القصب والخيزران وبقايا صفائح البنزين , كان زوربا يستيقظ عند الفجر , ويتناول معوله , ويذهب إلى المنجم قبل كل العمال , ويفتح نفقا جديدا , ويكتشف عرقا من الفحم ويرقص من الفرح . إلا أنه بعد يومين أو ثلاثة يتوه عن العرق فيصيح ويرمي نفسه على الأرض ويرفع رجليه ويلوح بهما نحو السماء كأنه يسخر أو يهزأ من السماء . كان يعمل بكل إخلاص . ومنذ اليوم الأول تحولت كامل المسؤولية عبر يدي ليستلمها هو بكل شجاعة , كان عمله هو أن يتخذ القرار وان يضعه قيد التنفيذ , وكان علي تحمل العواقب . إلا أن هذه التدابير ناسبتني أكثر لأنني شعرت بأن هذه الشهور ستكون أسعد أيام حياتي وباعتبار كل هذا شعرت بأنني أشتري سعادتي بثمن زهيد ... كان جدي , والد أمي , الذي كان يسكن في إحدى قرى جزيرة كريت , اعتاد أن يحمل كل ليلة فانوسه ليدور في شوارع الفرية , عله يصادف أحد الغرباء . فيصطحبه إلى المنزل ليقدم له الطعام والشراب , ومن ثم يجلس فوق أريكته المعتادة ويشعل غليونه التركي , ويلتف نحو ضيفه , الذي حان الوقت لكي يرد له الضيافة , ويقوا بلهجة واثقة قاسية : - هيا ... تكلم ... - أتكلم .... عن ماذا أيها الأب موستويورجي ؟ - ماذا تكون ؟؟ من تكون ؟؟ من أين أنت ؟؟ عن المدن والقرى التي زرتها ؟؟ كل شيء , حدثني عن كل شيء . هيا تكلم . ويبدأ الضيف بالحديث دون هدف , ليخلط بين الحقائق والأساطير , بينما يكون جدي جالسا بهدوء فوق أريكته يدخن غليونه , يصغي لضيفه بكل جوارحة ومتابعا له في جميع أسفاره . وإن أحب الضيف , فسوف يقول له : - سوف تبقى يوم غد أيضا , سوف لن ترحل , فقد بقي عندك أشياء كثيرة لتقصها علي . لم يترك جدي قريته أبدا , حتى إلي كانديا أو كانيا ( لماذا أذهب لهناك ) كان يقول إن بعض أهالي كانديا وكانيا , يمرون من هنا . وهكذا فكانديا وكانيا يأتون إلي . إذن لماذا أذهب أنا إليهم ؟!!! وعلى هذا الشاطئ الكريتي اتبع أنا عادة جدي . أنا أيضا قد وجدت ضيفي بعد أن بحثت عنه مع قنديلي . وسوف لن أدعه يرحل . بالطبع هو يكلفني أكثر من مجر عشاء , إلا أنه يستحق كل هذا , كل مساء انتظر عودته من العمل , و أجلسه أمامي ونلتهم طعامنا . وحين يحين الوقت ليرد لي الضيافة أقول له " تكلم " وأدخن غليوني وأصغي . هذا الضيف قد شاهد العالم بأسره وخبر الروح البشرية . وأنا لا آمل أبدا الإصغاء إليه . - تكلم يا زوربا ..... تكلم وعندما يبدأ حديثه تبدو أمام ناظري " ماسيدونيا " حيث تمتد في الفسحة التي بين زوربا وبيني , بجبالها وغاباتها و سيولها وثوارها . ونساءها الذين يعملون بجد ورجالها ذوو الأجسام الضخمة . وأيضا جبل آتوس بأبرشياته الواحد والعشرون ومصانع الأسلحة , وسكانه العاطلين عن العمل . وعندما ينهي زوربا حديثه عن الرهبان يهز رأسه ويغرق بالضحك قائلا : - ليحفظك الله أيها الرئيس من مؤخرات البغال ومقدمات الرهبان . كل يوم يأخذني زوربا عبر اليونان , بلغاريا والقسطنطينية . فأغمض عيني ... وأرى . كان قد جال كل سهول البقان وعاينها بعينيه الصغيرتين اللتين كان يفتحهما بدهشة وتعجب , أشياء اعتدنا عليها , تمر أمامنا بكل بساطة . وفجأة تقفز أمام زوربا كأنهم مردة مخيفين . وعندما يشاهد امرأة تمر أمامنا , يتوقف بذهول ويتساءل : - يا لهذا اللغز المحير ! ما سر المرأة .... لماذا تدير رؤوسنا .؟ هيا أخبرني .. أنا أسألك ما معنى هذا ؟؟؟ انه يستجوبني بهذه الطريقة , وبمثل هذا الذهول , كلما لمح رجلا , شجرة في أوجها أو قدحا من الماء البارد . إن زوربا يرى يوميا كل هذه الأشياء وكأنه يراها لأول مرة . بالأمس كنا جالسين قرب الكوخ , عندما عب كأسا من الخمر , والتفت نحوي بسرعة قائلا : - مهما يكن هذا السائل الأحمر , أيها الرئيس اخبرني , . أغصان قديمة تنبت أغصان . وفي بادئ الأمر بعض الحصرم الحامض يتدلى فيها . ويمر الوقت وتنضج تحت أشعة الشمس , ويصبح بحلاوة العسل . عندها ندعوه عنبا . وندوسهم بأرجلنا ونقطر عصيرها ونضعهم في براميل خشبية . فيختمورن من تلقاءهم . ونفتحها في عيد القديس يوحنا السكير ونجدهم قد أصبحوا نبيذا . إنها معجزة . وعندما تشرب هذا السائل الأحمر وينتفخ دماغك , وتشعر بأن روحك تكبر , تكبر على الهيكل العظمي القديم , وتتحدى الله للقتال , اخبرني أيها الرئيس كيف يتم كل هذا . لم اجب شعرت وأنا أصغي لزوربا بأن العالم يتكشف من جديد : كل الأيام القاسية قد عادت لها حيويتها كما كانت في بداية التاريخ عندما خرجنا من بين يدي الله . الماء , النسوة , النجوم والخبز , كلها عادت المحير والدوامة الإلهية عادت لتدور في الجو من جديد . لهذا , كنت كل مساء , أتمدد على الشاطىء بانتظار زوربا . فأراه يخرج بقوة من بطن الأرض بجسده المليء بالوحل والأقذار وخطواته الواسعة من بعيد , كنت أستطيع أن أشاهد كيف كانت نتيجة العمل اليوم , من طريقة سيره , من انتصاب رأسه عاليا أو انخفاضه ومن حركات يديه المتأرجحتان . أول الأمر كنت أرافقه لأراقب العمال , كنت أجهد نفسي في محاولة لتغيير مجرى حياتي , لأشغل نفسي في حياة عمليه , لأعرف وأحب المادية الإنسانية التي وقعت بين يدي , لأختبر واشعر بالمتعة التي انتظرتها طويلا لا مجرد كلمات اقرأها أو أكتبها بل مع رجال على قيد الحياة . ورسمت بعض الخطط الرومانتيكية , فيما لو نجح مشروع التنقيب عن الفحم . سوف انظم نوعا من المنظمات الاجتماعية حيث نشترك في كل شيء . وحيث سنأكل جميعنا نفس الطعام , ونرتدي نفس اللباس كأننا أخوة , وخلقت في رأسي أمرا دينيا جديدا , نواة لحياة جديدة . ولكني لم أكن قد قررت بعد أن أفاتح زوربا بمشروعي , لقد كان ينزعج من ذهابي ومجيئي بين صفوف العمال . اسأل وأتدخل , ودائما لصالح العمال . عندها يقلب زوربا شفتيه قائلا : - أيها الرئيس ألن تذهب في نزهة بعيدا من هنا . ألا ترى الشمس والبحر هناك ؟ في بادىء الأمر كنت أصر على البقاء وأبقى , كنت أسأل وأثرثر , أردت أن اعلم قصة حياة كل رجل . كم من الأولاد لديهم يجب أن يعيلوهم وأخوات ليزوجوهم وأقرباء ليس لهم من معين . بماذا يهمتون , والأمراض وكل ما يقلقهم . - لا تغوص هكذا في تاريخ حياتهم . أيها الرئيس , سوف تندفع نحوهم بقلبك الرقيق , وسوف تحبهم أكثر مما يجب لمصلحتك ومصلحتهم , ومهما سوف يفعلون ستخلق لهم الأعذار . عندها فلتساعدنا الآلهة , فسوف يهملون عملهم , ويقومون به بأي طريقة يريدونها , وعندها فليساعدنا الله أيضا . يجب أن تدرك هذا جيدا , عندما يكون الرئيس قاسيا عندها سيحترمونه العمال ويعملون بجد , وعندما يكون ناعما يتركون كل شيء عليه ويمضون وقتا طيبا , هل تفهم هذا ؟ في إحدى الأمسيات , بعد انتهائه من العمل , رمى بمعوله في الظل وصاح قائلا بعد أن نفذ صبره : - انظر هنا , توقف عن التدخل , بالسرعة نفسها التي ابني فيها أنت تهدم كل شيء ... والآن ما هذا الذي كنت تتحدث عنه اليوم مع الرجال ؟ اشتراكية وهراء ؟ هل أنت واعظ أو رأسمالي ؟ يجب أن تقرر ... ولكن كيف أستطيع أن اختار ؟ لقد كنت أحاول جهدي أن اجمع بين هذين الشيئين . لأجد طريقة تجمع بين هذين التناقضين و لأنجح في الحصول على كل من الحياة في الأرض وملكوت السماوات , كان هذا يتعامل داخلي منذ سنوات حتى منذ الأيام الأولى لطفولتي . عندما كنت لا أزال في المدرسة . حيث كنت قد نظمت مع اقرب أصدقائي جمعية سرية تدعى " المجتمع الودي " هذا كان الاسم الذي أطلقناه عليها . وداخل غرفة نومي المغلقة أقسمنا اليمين لنكرس حياتنا من اجل محاربة الظلم . دموع غزيرة انهمرت فوق وجوهنا عندما اقسمنا اليمين و أيدينا فوق قلوبنا مبادىء صبيانية ! ولكن يا لتعاسة من يسخر منها عندما يسمعها , ولكن عندما شاهدت ما صار إليه أعضاء هذه المنظمة , من أطباء مدعون , ومحامون غشاشون , وأصحاب محلات , سياسيون دجالون وصحفيون خونة . غاص قلبي , إن مناخ هذه الأرض قد أصبح جلف وقاس , واثمن البذور لا تنمو وتختفي تحت الأرض وبين الشوك والقراص . أستطيع أن أرى بكل وضوح اليوم , بالنسبة لنفسي , لم أصبح معقولا بعد , ولكن ليتمجد اسم الرب , اشعر بأنني لا أزال مستعدا لأقوم ببعض المغامرات الدون كيشوتية . كنا أيام الآحاد نحضر أنفسنا بكل عناية وكأننا شابين يحضران نفسيهما للزواج , ونحلق ونرتدي قمصانا بيضاء , ونتوجه بعد الظهر لرؤية السيدة هورانتس , كانت كل يوم أحد تذبح لنا طيرا , وكنا أكثر الأحيان نجلس ثلاثتنا لنأكل ونشرب , وتمتد يد زوربا إلى صدر السيدة المضياف ليمتلكه . وعندما يحل الليل نعود إلى شاطئنا . كانت الحياة تبدو بسيطة ومليئة بالنوايا الحسنة تماما كالسيدة هورانتس . وذات أحد وبينما كنا عائدين من وليمتنا الممتعة , قررت أن اخبر زوربا بمشاريعي . أصغى إلي مجبرا نفسه , وضاغطا عليها ليكون صبورا كفاية . إلا انه من وقت لأخر كان يهز رأسه الضخم بغضب ظاهر ... كلماتي الأولى جعلته يصحو من سكره ... وطردت الخمرة من رأسه . وعندما انتهيت نزع بعصبية شعرة أو شعرتين من شاربه وقال : - اعذرني لما سأقوله أيها الرئيس , و لكن لا أعتقد أن عقلك قد اكتمل بعد . كم تبلغ من العمر ؟ - خمسة وثلاثون سنة . - إذا فهو لن يكتمل أبدا . وانفجر مقهقها , وشعرت بأني لسعت . وصحت به : - ألا تؤمن بالإنسان ؟ - والآن لا تندفع غاضبا أيها الرئيس ! فأنا لا أؤمن بأي شيء , فلو كنت أؤمن بالإنسان لأمنت بالله و لكنت أمنت بالشيطان أيضا , وهذه هي كل المشكلة حيث تختلط الأشياء وتسبب لي كثيرا من التعقيد . وخيم عليه الصمت , وانتزع قبعته وحك رأسه بقوة وشد شاربه كأنه يريد أن ينتزعه من مكانه . كان يريد أن يقول شيئا , إلا أنه منع نفسه ونظر إلي من زاوية عينه , ومن ثم نظر إلي ثانية وقرر أن يتكلم . وصاح ضاربا الأرض بعصاه بقسوة : - الإنسان ليس إلا بهيمة . بهيمة كبيرة . إلا أن سعادتك لا تدرك هذا أبدا . إذ يبدو بان كل شيء كان سهلا بالنسبة لك . اسألني أنا فأجيبك بأنه بهيمة فإن كنت قاسيا معه سوف يخافك ويحترمك . وان كنت لطيفا معه فسوف ينتزع عيونك . احفظ المسافة بينك وبينهم , لا تجعل الرجال أقوياء هكذا . لا تمشي بينهم وتقول لهم بأننا كلنا متساوون . وان لنا نفس الحقوق , و إلا سوف يدوسون على حقوقك أنت . سوف يسرقون خبزك ويتركونك تموت من الجوع , احفظ مركزك أيها الرئيس من أجل الخير الذي أتمناه لك . - ولكن ألا تؤمن بشيء ؟ - كلا لا أؤمن بشيء بالمرة . كم مرة يجب أن أكرر هذا . فأنا لا أؤمن بأي شيء أو بأي شخص . بل بزوربا وحده , ليس لأن زوربا أحسن من غيره , كلا فهو بهيمة كغيره . ولكن لأن زوربا هو الوحيد الذي يقع تحت سلطتي , والوحيد الذي أعرفه . أما الباقون فكلهم أشباح , فانا أرى بهاتين العينين , واسمع بهاتين الأذنين , واهضم بهذه المعدة . كل الباقون أشباح أقول لك , عندما أموت , فسوف يموت كل شيء معي . كل العالم الزوربي سوف يغوص في الأعماق . فقلت ساخرا : - يا لها من أنانية ! . - لا أستطيع معها شيء . آكل فاصولياء فأتحدث عن الفاصولياء , أنا زوربا فأتحدث عن زوربا . لم اقل شيئا . كلمات زوربا لسعتني كالسوط . لقد أدهشتني قوته , لاحتقاره الرجال إلى هذا الحد , وبنفس الوقت رغبته في العيش والعمل معهم , أما أنا فيجب إما أن أصبح ناسكا , أو أزخرف رؤوس الرجال بريش مزيف حتى أستطيع أن أتحملهم . التفت زوربا نحوي , وتحت ضوء النجوم استطعت أن أرى ضحكة زوربا حتى أذنيه . - هل أزعجتك أيها الرئيس ؟ قال فجأة عندما وصلنا إلى الكوخ . نظر إلي زوربا بعطف وقلق , لم اجب , شعرت بأن عقلي يوافق زوربا إلا أن قلبي راح يقاوم , يريد الانطلاق والهروب من البهيمة , وليسير في طريقه الخاص . قلت : - لا اشعر بالنعاس هذه الليلة , اذهب أنت لتنام . كانت النجوم تلمع في السماء , والبحر كان يجعل الأصداف تتلألأ . ولمعت إحدى الأصداف وأضاءت تحت منارتها الصدفية , حيث كان قطر الندى يقطر من شعر الليل الداكن . تمددت على وجهي , مأخوذ بالسكون , دون أن أفكر بأي شيء , كنت وحيدا بين الليل والبحر , كان عقلي كأنه صدفة أضاءت منارتها واستقرت على ارض الشاطىء الداكنة وراحت تنتظر . كانت النجوم تسافر وتدور , والساعات تمر , وعندما نهضت , كنت قد قررت , دون أن اعلم , الخطة المزدوجة التي يجب أن اتبعها على هذا الشاطىء : أن اهرب من بوذا . واخلص نفسي من الكلمات الميتافيزيقية وأحرر نفسي من القلق الغير مجد . أن أقوم باتصالات مباشرة مع الرجال وابتدأ من هذه اللحظة . وقلت لنفسي " ربما لم يفت الأوان بعد. *****