زوربا - الفصل 2 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: زوربا
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

رواية زوربا الفصل الثاني الفصل الثانى البحر ، و طراوة الخريف ، و الجزر السابحة في النور ، و المطر الناعم الذي أضفى حجابا شفافا على العري الأبدي لجزر اليونان ، كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته . كم هي عديدة مسرات هذا العالم ، نساء ، و فواكه ، و آراء ، و لكن أن تشق عباب هذا البحر الهادئ و في فصل الخريف لهي السعادة التي تملأ قلب الإنسان في نعيم الفردوس ، فهذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن ينتقل فيه من مكان إلى مكان بهدوء و سهولة ، من الواقع إلى الخيال .. إنها المعجزة بالذات ! و عند الظهر انقطع المطر ، و بددت الشمس حجب الغيوم ، و أطلت علينا ناعمة لتداعب بأشعتها صفحات الماء الحبيبة ، و تركت نفسي تستوعب هذه المعجزة الخالدة التي انقشعت على مدى الأفق البعيد . و على ظهر المركب ، كاليونانيين ، الشياطين الأذكياء ، ذوو العيون المشعة و العقول التي تتقن فن المساومة الطويل على البضائع التافهة ، و في بعض الأحيان تأخذ بك الرغبة في أن تمسك بهذا المركب من طرفيه و تغرقه في البحر ، ثم تهزه جيدا لتغسل عنه كل هذه الحيوانات التي أوسخته ، رجال ، فئران ، و قمل . ثم تعومه من جديد بعد أن يصبح نظيفاً فارغاً . و لكن في بعض الأحيان كانت العاطفة تمنعني ، عاطفة بوذية ، باردة كالاستنتاجات الميتافيزيقية ، عاطفة ليست نحو الرجال فقط ، بل نحو الحياة كلها بجهادها ، و صراخها ، و نواحها ، و آمالها التي لا ترى أن كل شيء ليس إلا محاولة لإظهار الأشباح من العدم ، عاطفة نحو اليونانيين ، و نحو المنجم الفحمي ، و نحو مخطوطتي الناقصة عن بوذا ، و عن ذلك الخليط من النور و الظلال الذي يزعج صفاء الجو . و كنت أختلس النظر إلى زوربا المنهك ، الشاحب الوجه ، و قد قبع في مجلسه على ظهر المركب على كومة من الحبال عند مقدمة المركب ، كان يشم ليمونة و يصغي إلى صراخ الركاب و شجارهم بأذنيه الكبيرتين ثم يهز برأسه الضخم و يبصق و يتمتم قائلا : - هؤلاء الحطام ، ألا يخجلون من أنفسهم ؟ - ماذا تعني بكلمة ( حطام ) يا زوربا ؟ - كل هؤلاء الملوك ، الديموقراطيات ، النواب ، المرائين ! إن الحوادث لم تكون لزوربا سوى أمور قديمة ، فهو بنفسه قد ابتعد عنها ، و بالتأكيد كان التلغراف ، و البواخر ، و المراكب ، الأخلاق السائدة ، و الدين ، لا بد أن تكون كالبنادق القديمة الصدئة ، فتفكيره قد تقدم بسرعة تجاوزت تقدم العالم . كانت الحبال تتشقق على الصواري ، و الشواطئ كانت تتراقص ، و النساء المسافرات أصبحت وجوههن أكثر اصفرارا من الليمونة ، لقد ألقين بأسلحتهن ، المساحيق و المشدات و دبابيس الشعر و الأمشاط ، و شحبت شفاههن و أظافرهن بدأت تتحول ألوانها إلى الأزرق ، و بدأت تتساقط الريش المستعار و الشرائط الحريرية و الجفون الاصطناعية ، فقد كان الناظر إليهن بالإجمال يشعر بالقرف و الرغبة بالتقيؤ . و شحب وجه زوربا بدوره و اصفر لونه ثم اخضر ، و خفتت عيناه المتقدتان و لم يعد إلى تألقه الأول إلا في المساء ، حين أشار إليّ ليريني درفيلين كانا يتقافزان و يسابقان المركب ، و صاح : - درافيل ! و لاحظت لأول مرة أن نصف إبهام يده اليسرى مقطوع ، فارتعدتُ و سألته : - ماذا جرى لإصبعك يا زوربا ؟ و أجابني و قد بدا عليه الاستياء لأنني لم أنظر إلى الدرافيل : - لا شيء ! - هل قطعته بآلة حادة ؟ - و ما شأن الآلة بالموضوع ؟ كلا فقد قطعته بنفسي . - بنفسك ، و لماذا ؟ - أنت لا يمكنك الفهم ، أيها الرئيس ، لقد سبق و أخبرتك أنني قمت بأعمال عديدة ، و في إحدى المرات عملت في صناعة الفخار ، و قد أحببت هذا العمل لدرجة الجنون ، هل يمكنك أن تتصور ماذا يعني أن تأخذ حفنة من الطين و تعمل منها ما تريد ؟ قرر! ثم تدوّر الدولاب و يدور الطين معه بينما تقول بنفسك " سأصنع جرة ، أصنع صحنا ، سأصنع قنديلا ، و الشيطان يعلم ماذا أيضاً " هذا ما تقوله عن كونك رجلاً : الحرية ! لقد نسي البحر ، و لم يعد يقضم الليمونة ، و عاد الصفاء إلى عيونه .. - حسنا ، و لكن إصبعك ؟ - لقد كانت تزعجني ، و تقف في طريق عملي ، و تفسد علي مشاريعي ، و في ذات مرة أمسكت بفأس صغيرة .. - ألم تشعر بالألم ؟ - كيف لم أشعر بألم ؟ هل تعتقد أني جذع شجرة ؟ إنني إنسان ، لقد تألمت و لكن كما قلت لك كانت تقف في طريقي فقطعتها ! و هدأ البحر قليلا عند غياب الشمس و انقشاع الغيوم ، فدبت نجمة المساء لامعة براقة ، و ألقيت نظرة على البحر و رحت أفكر .. كيف نحب إلى هذا الحد ؟ ثم نأخذ فأسا و نقطع ثم نتألم ، لكني أخفيت اضطرابي و أردفت قائلا محاولا الابتسام : - إنها لطريقة سيئة يا زوربا ! إنها تذكرني بالأسطورة الذهبية التي تقول عن ناسك رأى امرأة قد أزعجته جسديا ، فتناول فأساً .. و صاح زوربا مقاطعاً : - كم هو أحمق ، يقطع هذا ! و لكن هذا المسكين لا يعتبر عقبة ! - كيف ؟ بل هو عقبة كبيرة . - أمام ماذا ؟ - أمام ولوجك أبواب السماء ! و حدجني زوربا بنظرة ساخرة و هو يقول : - إنه هو الذي يمكنك اعتباره مفتاح السماء ! ثم رفع رأسه و حدق بي كأنه يريد معرفة رأيي بالحياة التالية ، و بملكوت السماء ، و النساء و النساك ، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى شيء فهز رأسه الضخم و استطرد : - إن الخصيان لا يدخلون السماء . ولاذ بالصمت ، فذهبت إلى مقصورتي و أخذت كتاباً و أخذت أقرأ .. و في صباح اليوم التالي استيقظتُ مبكراً ، و كانت الجزيرة قد أصبحت عن يميننا ، تلك الجزيرة الكبيرة المزهوة المتوحشة ، و الجبال الوردية الشاحبة تبدو كأنها تبتسم من خلال ضباب شمس الخريف ، و من حول المركب كان البحر الأزرق ما يزال ثائرا مهتاجاً . و كان زوربا الملتحف بغطائه الرمادي ينظر محدقا إلى جزيرة كريت ، و عيونه تنتقل من الجبل إلى السهل و تتبع الشاطئ و تتفحصه ، كأنه قد شاهد جميع هذه الأراضي و البحار مرات سابقة و هو يتمتع برؤيتها ثانية ، و دنوت منه واضعا يدي على كتفيه قائلاً : - زوربا ، أعتد أنها ليست المرة الأولى التي تأتي فيها إلى كريت ، فأنت تحدق بها كأنك صديق قديم . و تثاءب زوربا ، كأنه ضجر ، و شعرت أنه لا يميل إلى الحديث الآن ، فابتسمتُ و قلت له : - إن الحديث يضجرك ، أليس كذلك يا زوربا ؟ - ليس هذا بالضبط ، أيها الرئيس ، لكن الكلام صعب . - صعب ؟ و لماذا ؟! و لم يجبني على الفور ، و أجال بنظره إلى الشاطئ مرة أخرى ، لقد نام ليلته على ظهر المركب و كان شعره الرمادي المجعد يقطر بالندى ، و كانت الشمس المشرقة تضيء التجاعيد في وجهه و رقبته ، و حرك شفتيه أخيرا و هو يقول : - في الصباح أجد صعوبة في فتح فمي ، صعوبة كبيرة ، اعذرني . و مرة أخرى راح في صمتٍ عميق و عاد ينظر إلى كريت . و رن جرس طعام الإفطار ، و ظهرت الوجوه من المقصورات ، نساء مترنحات و شعورهن متدلية تفوح منهن روائح القيء الممزوج برائحة الكولونيا ، و أعينهن مذعورة بلهاء . و كان زوربا يجلس أمامي و هو يشرب فنجان القهوة و يغمس قطعة الخبز التي مسحها بالزبدة و العسل ، ثم يأكلها ، و أشرق وجهه بعد ذلك و اطمأن قليلا و بدا فمه كأنه أصبح مرنا ، ثم أشعل سيجارة و راح يستنشق أنفاسا و هو على أشد ما يكون من التلذذ ، و لاحظت أنه أصبح مستعدا للحديث و من ثم راح يقول : - هل هذه هي المرة الأولى التي آتي بها إلى كريت ؟ ثم أغمض عينيه قليلا ، ثم راح ينظر إلى جبل ابرا الذي كان ممتدا وراءنا ، و استطرد قائلاً : - كلا إنها ليست المرة الأولى ففي عام 1896 أصبحت رجلا ناضجا تماما و كان شاربي و شعري لا يزالان بلونيهما الحقيقيين و كنت لا أزال في مقتبل العمر ، و كنت حين أسكر ألتهم المقبلات أولا ثم الطعام ، نعم ، فقد استمتعت إلى أقصى حدود الاستمتاع ، لكن الشيطان تدخل أيضا فقد نشبت الثورة في كريت . في تلك الأيام كنت بائعا جوالا ، و كنت أبيع الخضراوات متنقلا من قرية إلى قرية في مقدونيا و عوضا عن المال كنت أستبدل ما أبيعه بالجبنة و الصوف و الزبدة و الأرانب و الذرة ، ثم أعود و أبيع هذه الأشياء و أكسب ربحا مضاعفاً ، ففي كل قرية أحلها ليلا ، أعلم أين أنام ، ففي كل قرية كنت أجد قلب أرملة رحيمة عطوف ، و كنت أقدم لها مشطا أو مكبا من الخيطان أو وشاحاً ، أسود اللون بسبب المرحوم ! و أنام معها بعد ذلك ! و لم يكن ذلك يكلفني كثيراً .. كلا ، لم تكن تكلفني كثيرا ، أيها الرئيس ، و لكن كما قلت سابقا لقد تدخل الشيطان و هبت كريت لتحمل السلاح ، و قلت لنفسي لتذهب بمصيرها إلى الجحيم ! ألا تقدر هذه الكريت اللعينة أن تتركنا بسلام ؟ ثم وضعت جانبا أمشاطي و حملت بندقيتي و توجهت للانضمام للثوار في كريت . و صمت زوربا ، فقد بدأنا نسير إلى خليج مستدير رملي ، و كانت الأمواج تنتشر بهدوء دون أن تتكسر ، تاركة خيطا رفيعا من الزبد على طول الشاطئ ، و انقشعت الغيوم و تألقت الشمس و لاحت أطراف الجزيرة بوضوح ، و التفت زوربا نحوي و حدجني بنظرة ساخرة : - و الآن ، أعتقد أيها الرئيس أنك تتصور بأني سأخبرك كم رأسا تركيا قطعت و كم أذنا قد وضعت في الكحول ، فهذه هي العادة في كريت ، حسنا .. و لكني لن أفعل ، فأنا لا أحب أن أفعل ذلك لأني أخجل منه ، ما هذا الجنون ؟ و اليوم بعد أن أصبح عقلي راجحا صرت أسائل نفسي قائلا : ما هذا الجنون الذي تملكنا لكي نلقي بأنفسنا على رجل آخر لم يؤذنا بشيء ثم نعضه و نقطع أنفقه و نمزق أذنيه ، و في الوقت نفسه نطلب من الله العظيم أن يساعدنا ! فهل هذا يعني أننا نطلب من الله أن يذهب معنا ليقطع آذان البشر و أنوفهم ؟ و لكن في ذلك الوقت ، كان دمي لا يزال حارا في عروقي ، و ما كان باستطاعتي الوقوف و التساؤل و التفحص ، إذ يجب على المرء لكي يفكر بدقة و عدل أن يكون هادئا مسناً دون أسنان ! فعندما يكون المرء عجوزا لا أسنان له ، فباستطاعته القول بسهولة تامة " لعنكم الله أيها الأولاد ، فمن العيب أن تعضوا " و لكن حين تكون له أسناني الاثنين و الثلاثين .. يكون الإنسان متوحشا كالحيوان .. نعم ، أيها الرئيس ، كالحيوان المفترس آكل لحوم البشر . و هز رأسه ثم قال : - و هو يأكل الخراف أيضاً ، و الدجاج و الخنازير ، و لكنه إذا لم يأكل لحم البشر تبقى معدته خاوية ، كلا .. إن معدته لا تكتفي ، و الآن ما لديك من أقوال ؟! و لكنه لم ينتظر الجواب ، بل أكمل قوله و هو يحدق بي : - ماذا يمكنك أن تقول ، فكما أرى ، إن سيادتك لم تشعر بالجوع مطلقاً ، و لم تقتل أبدا ، و لم تسرق و لم تزنِ ، ماذا تعرف من هذا العالم ؟ إن عقلك بريء ، و جلدك لم ير أشعة الشمس . قال جملته الأخيرة بكثير من الاحتقار ، مما جعلني أشعر بالخجل من يدي الناعمتين و وجهي الشاحب و حياتي الخالية من لطخات الدم و الوحل ، ثم قال و هو يمسح بيده الخشنة على الطاولة : - حسنا ، حسنا ، فهناك ما أود أن أسألك إياه فلا بد أنك قرأت مئات الكتب ، فربما تعرف الجواب . - هيا ، قل لي يا زوربا ، ما هو ؟ - إن هنا ثمة معجزة تحدث ، أيها الرئيس ، معجزة مضحكة تحيرني ، إن كل هذه الأعمال ، هذه الخدع القذرة و السرقات و المذابح التي نقوم بها – نحن الثوار – كل هذه جاءت بالأمير جورج إلى كريت ، الحرية ! ثم نظر إلي بعينين ملؤهما الدهشة : - إنها أحجية عظيمة ، فإذا أردنا الحصول على الحرية في هذا العالم القذر يجب أن نقوم بهذه الجرائم ، و هذه الخدع القذرة ، أليس كذلك ؟ أقول ، إذا أخبرتك عن كل هذه الجرائم المريعة لوقف شعر رأسك ! و لكن ما هي نتيجة كل ذلك ؟ الحرية ! فبدلا أن يزيلنا الله تعالى بصاعقة من عنده يمنحنا الحرية ! إني لا أفهم حقاً .. و نظر إلي كأنه يطلب العون مني ، و قد لاحظت أن هذه المعضلة قد شغلته و آلمته و لم يتمكن من كشف سرها ، ثم سألني بقلق : - هل فهمت ؟! ماذا أفهم ! و ماذا أقول له ؟ فإما هذا الذي ندعوه إلها غير موجود ، أو أن تكون هذه التي ندعوها جرائم و اغتيالات ضرورية للكفاح من أجل حرية العالم ، و حاولت أن أجد له طريقة أسهل لأشرح له الأمر . - كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة ؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية . - و لكن البذرة ؟ صاح زوربا و هو يضرب الطاولة بقبضة يده و يقول : - لكي تنبت الزهرة يجب أن يكون هناك بذرة ، من هو الذي وضع بذرة كهذه في جوفنا ؟ و لماذا لا تنبت البذرة هذه زهور لطيفة شريفة ؟ لماذا تحتاج إلى الدم و الأوساخ ؟ فهززت رأسي قائلا : - لا أعلم - و من يعلم ؟ - لا أحد . و صاح زوربا في يأس : - إذا ماذا تنتظر مني أن أفعل بالقوارب و المحركات و ربطات العنق ؟! و تململ اثنان من المسافرين الذين كانوا يحتسون القهوة على مائدة مجاورة و رهفوا آذانهم لسماع ما نقوله ، و اشمأز صديقي منهم و قال لي بصوتٍ خفيض : - لنغير الموضوع ، فعندما أفكر في ذلك أشعر برغبة في تحطيم كل ما تقع عليه يدي من كراسي أو قناديل أو حتى ضرب رأسي بالحائط ، و لكن ما الفائدة من كل هذا ؟ فسأضطر إلى دفع ثمن ما حطمته ، ثم أضطر للذهاب إلى الطبيب ليربط لي رأسي ، فهذا أسوأ بكثير ، فسينظر إلي من أعالي السماء و ينفجر بالضحك . و حرك يده فجأة كأنه يريد أن يتخلص من ذبابة مزعجة ، ثم قال : - لا بأس ، فكل ما أردت أن أقوله لك هو : عندما جاءت المركبة الملكية و هي مزدانة بالأعلام و ابتدأ إطلاق المدافع ، و حين وضع الأمير رجله على أرض كريت .. هل سبق لك أن رأيت شعبا بأسره يصبح مجنونا لأنه رأى حريته ؟ كلا ؟ آه ، أيها الرئيس ، إذن فقد خلقت أعمى ، و ستموت أعمى ، فإذا قدر لي أن أعيش ألف سنة حتى لو أن كل ما تبقى مني عبارة عن قطعة لحم حية ، فلن أنسى ما رأيته ذلك اليوم ! و إذا كل واحد منا قدر له أن يختار جنته في السماء حسب ذوقه – و هذا ما يجب أن نكونه ، فهذا ما أدعوه جنة – سأقول للإله العظيم " يا إلهي ، لتكن جنتي جزيرة كريت المملوءة بالأعلام و الزينات ، و دع هذه اللحظة التي وطأت بها أقدام الأمير جورج أرض كريت تستمر قرونا طويلة ! فهذا يكفي " و عاد زوربا إلى الصمت مرة أخرى ، و رفع شاربه ، ثم ملأ كأسا من الماء البارد و شربها دفعة واحدة : - ماذا جرى في كريت يا زوربا ، أخبرني ! و قال لي منزعجاً : - هل سنعود إلى العبارات الطويلة ؟ أنظر ، أقول و أكرر لك أن هذا العالم غامض جدا و الإنسان ليس إلا وحش كاسر . وحشٌ عظيمٌ و إله ، حارس أسود ثائر ، جاء معي من مقدونيا ، اسمه يورغا و كان يدعونه " المجرم " خنزير شرس ، و هل تعلم .. لقد بكى ، و قلت له و عيوني تترقرق بالدمع " لماذا تبكي أيها الكلب ؟ لماذا تبكي أيها الخنزير ؟ " و لكنه لم يجب ، لم يكب ، بل ألقى بيديه حول عنقي و راح يبكي كالأطفال ، ثم تناول محفظته و وضعها على حجره بعد أن أفرغ منها القطع الذهبية التي نهبها من الأتراك ثم ملأ قبضته بالقطع و ألقى بها في الهواء ، أرأيت .. أيها الرئيس ، هذه هي الحرية ! و نهضت إلى ظهر المركب لأستنشق هواء البحر .. " هذه هي الحرية " فكرت بنفسي ، تهوى ثم تجمع قطعا من الذهب ، و فجأة تتغلب على تلك العاطفة فتتمسك بكنزك و تلقي به أدراج الرياح لتحرر نفسك من عاطفة معينة و تأخذ بعاطفة أسمى ، أليست هذه هي نوعا آخر من العبودية ؟ لتضحي بنفسك من أجل فكرة معينة ، من أجل عرق ما ، لله ؟ أم أن كلما ارتفع الرمز طال حبل العبودية ؟ عندئذ يمكننا الاستمتاع و اللهو في أرجاء أوسع و نموت دون أن نصل إلى نهاية الحبل ، هل هذا ما ندعوه الحرية ؟! و عند المغيب شارفنا الشاطئ الرملي و رأينا أخيرا الرمال البيضاء الصافية و أشجار الخرنوب و التين ، و التل الصغير الأجرد الذي يشبه وجه امرأة تستريح ، و تحت ذقنها و حول رقبتها تمر عروق الفحم الرمادية . كانت نسمات الريح الخريفية تهب ، و الغيوم المتقطعة تمر في السماء لتغلق الأرض بالظلال ، و غيوم أخرى كانت تنظر و تهدد الشمس التي احتجبت وراءها ، و وجه الأرض يضيء و يظلم كوجه حي منزعج . و توقفت للحظة على الرمل و نظرت ، كانت الوحدة مجسمة أمامي ، وحدة مميتة و لكنها مدهشة ، كالصحراء ، و برزت أغنية البوذيين من الأرض و تلمست طريقها إلى أعماق نفسي " متى سأنزوي في الوحدة أخيرا ، لوحدي ، دون رفاق ، و بدون فرح أو بدون حزن ، و بالتأكيد مقدس أن كل شيء ليس إلا حلما ؟ متى ، و في أسمالي البالية – دون رغبات – سأنزوي مكتفيا في الجبال ؟ و متى ، و أنا متبين أن جسدي ليس إلا مرضا و جريمة ، و حياة و موت ، حرا دون خوف و بسعادة ، سأعتزل إلى الغابات ؟ متى ؟ متى ؟ آآه .. متى ؟ " و تقدم زوربا نحوي و هو يحمل السانتوري تحت ذراعيه ، بخطى قلقة ، فقلت له محاولا إخفاء قلقي : - هناك مناجم للفحم ! و دون أن ينظر إلى حيث أشرت أجابني بهزة من رأسه .. - فيما بعد ، فهذا ليس الوقت لذلك أيها الرئيس ، يجب أن ننتظر حين تقف الأرض ، إنها لا تزال تموج و ليأخذها الشيطان ، كظهر المركب ، تعال .. لنذهب إلى القرية . و بهذه الكلمات تقدم بخطى طويلة محاولا إنقاذ وجهه ، و تراكض اثنان من الصبية الأشقياء ليحملا الحقائب ، و في الكوخ ، حيث نقطة الجمرك ، جلس أحد الموظفين يدخن ( الحُقة ) و حدجنا بطرف عينه بنظرات ثاقبة ، ثم ألقى نظرة سريعة على الحقائب و تحرك قليلا كأنه يريد الوقوف لكنه وجد أن ذلك سيأخذ منه كثيرا من المشقة ، و اكتفى بأن أشار إلينا قائلاً " أهلا بكم " ، و تقدم أحد الصبية و قال لي بلهجة ساخرة : - إنه ليس كريتيا ، إنه شيطان بليد . - أليس الكريتيين شياطين بلداء ؟ فقال الكريتي الصغير : - إنهم كذلك ، نعم ، إنهم كذلك .. و لكن بطريقة مختلفة . - هل القرية بعيدة ؟ - على بعد طلقة بندقية من هنا ، أنظر ، وراء البساتين في الوادي ، إنها قرية جميلة ، يا سيدي تحوي الكثير من كل شيء ، شجر خرنوب ، لوبياء ، زيت ، نبيذ ، و هناك على الرمال نبت الخيار مبكرا كذلك البطيخ ، إن هواء أفريقيا هو الذي ينضجها باكراً ، فإذا ما نمت بأحد البساتين فإنك تسمع صوت طقطقتها و هي تنضج و تكبر . كان زوربا يتقدمنا و رأسه ما يزال مترنحا ، فصحت به قائلاً : - ارفع رأسك يا زوربا ، لقد اجتزنا المخاطر الآن ، و لم يعد هناك من داعٍ للخوف . و تقدمنا مسرعين ، و كانت الأرض مملوءة بالرمال و الصدف ، و هنا و هناك نجد بعض أشجار التين ، كان الجو ثقيلا ، و الغيوم تتجمع و تقترب و الريح تهدأ ، و اقتربنا من شجرة تين ضخمة ، فتوقف أحد الولدين و أشار إلى الشجرة و هو يقول : - هذه شجرة التين خاصة سيدتنا الصغيرة . و فوجئت بكلمته ، فقد كانت لكل شجرة أو صخرة في أرض كريت قصة محزنة : - و لماذا تدعى كذلك ؟ - في الأيام الماضية ، أيام أجدادنا ، وقعت إحدى البنات من الأعيان في غرام أحد الرعاة الشباب ، لكن والدها لم يكن موافقا ، و راحت الابنة تبكي و تصرخ و ترجو والدها الذي لم يلين ، و في أحد الأيام اختفى الشابان و ظلوا يبحثون عنها يوما ، و يومين ، و ثلاثة ، و أسبوعا ، و لكن دون جدوى ، و أخيرا فاحت رائحة العفونة فتتبعوها فوجدوا العاشقين تحت شجرة التين ، متعانقين متعفنين ، هل تفهم ؟ لقد عثروا عليهما بسبب رائحة العفونة . و انفجر الصبي بضحكة مجلجلة ، و تناهت إلى أسماعنا ضوضاء القرية البعيدة ، و سمعنا أصوات نباح الكلاب و صياح النسوة و الديوك ، و شممنا رائحة العنب من القدور الذي كان العرق يقطر منها .. - هذه هي القرية . و ما إن اقتربنا من التلة الصغيرة حتى لاحت لنا القرية الصغيرة و بنات لنا كأنها تتسلق سفح الوادي ، كانت البيوت الصغيرة متجملة ، متلاصقة ، نوافذها كأنها بقع سودا ، فالبيوت كانت مبنية من الكلس الأبيض الناصح و الحجارة ، و لحقت بزوربا وقلت له : - لا تنس ، يا زوربا ، أن تتصرف بلياقة فقد دخلنا إلى القرية الآن ، و لنتصرف كرجال الأعمال ، فأنا المدير و أنت ناظر العمال ، إن الكريتيين لا يأخذون الأمور بسهولة فما أن تقع أعينهم عليك حتى يبحثوا عن شيء ظاهر بك و يطلقوا عليك لقبا معينا ، حيث لا يمكنك بعد ذلك التخلص من هذا اللقب ، و ستجري كالكلب الذي لحقت بذيله مقلاة . و أمسك زوربا بشاربه و غاب في التأملات ، و أخيرا قال : - اسمع ، أيها الرئيس ، إذا كانت هناك أرملة في القرية فلا لزوم للخوف ، و إذا لم يكن .. و في هذه اللحظة و ما إن دخلنا إلى القرية تقدمت منا امرأة فقيرة بأسمال بالية و مدت يدها نحونا ، و لاحظت أن لها شاربا أسود ، و صاحت بزوربا كأنها تعرفه : - مرحى يا أخ ، هل لك روح أيها الأخ ؟ و توقف زوربا و أجابها : - نعم لدي . - إذاً أعطني خمس درخمات . و نفحها بشيء من المال قائلا " خذي " ، افترت شفتاها عن ابتسامة حريرية ، و أضاف زوربا قائلا : - إن الحياة هنا ليست غالية على ما أظن ، أن الروح تساوي خمسة درخمات . و اقتربنا نحو ساحة القرية فرأينا مقهى كتب على مدخله " مقهى الحشمة ، و دكان اللحام " . - و لماذا تضحك ؟! سألني زوربا ، لكنني لم أجد وقتاً لأجيبه ، فقد خرج من باب الدكان هذا خمسة أو ستة عمالقة يرتدون سراويل زرق لها أحزمة حمراء و صاحوا بنا : - أهلا بالأصدقاء ! تفضلوا بالدخول و خذوا كأسا من العرق ، إنه لا يزال حارا من القدور . و لعق زوربا لسانه و قال : - ما رأيك أيها الرئيس ؟ هل نشرب كأسا ؟ و شربنا كأسا أحرق أمعاءنا ، و قدم إلينا صاحب المقهى / اللحام ، و هو رجل عجوز جليل ، كرسيين ، فسألته عن مكان نأوي إليه و صاح أحدهم : - اذهبا إلى مدام هورتنس . و تساءلت بدهشة : - هل هي فرنسة ؟ لقد جاءت من مكان لا يعلم إلا الشيطان ما هو ، لقد طافت في جميع الأرجاء ثم استقرت هنا و أسست فندقا صغيرا . و قال أحد الأولاد : - و هي تبيع الحلوى أيضاً ! ثم أضاف أحدهم : - و هي تتزين و تصبغ وجهها أيضا ، و تضع شريطة حول عنقها ، و لديها ببغاء . و هتف زوربا : - و هل هي أرملة ؟ و قال له صاحب المقهى : - كم هو عدد السكارى هنا أيها الصديق ؟ إنها أرملة لعدد كبير من الأزواج ، هل فهمت ما أقصد ؟ - نعم فهمت . أجاب زوربا و هو يلعق شفتيه . - و يمكنها أن تجعل منك أرملا - انتبه أيها الصديق ! صاح أحد الرجال و ضحك الآخرون ، و تقدم صاحب المقهى حاملا صينية عليها الخبز و الجبن و هتف قائلا : - هيا ، دعوهما و شأنهما ، و سوف أستضيفهما عندي . - كلا ، أنا سأستضيفهما ، فأنا ليس عندي أطفال و بيتي كبير . و أجاب صاحب المقهى و هو ينحني فوق الرجل و يقول : - أرجو المعذرة ، أيها العم انانيوستي ، فأنا سبقتك بالكلام . - إذن خذ الآخر ، و سآخذ أنا العجوز . و صاح زوربا غاضباً : - أي عجوز ؟!! و قلت له و أنا أهدئ من روعه - لن نفترق ، و سنذهب لعند مدام هورتنس . كانت امرأة بدينة قصيرة القامة ، شعرها باهت اللون ، تتلوى في مشيتها ، مادة ذراعيها ، و على ذقنها خال تتدلى منه شعيرات طويلة ، و كانت تربط حول عنقها شريطة حمراء ، و خدودها المجعدة مصبوغة بلون بنفسجي ، و قالت لنا مرحبة : - أهلا ، أهلا و سهلا . و أجبتها ببشاشة و أنا أقبل يدها : - كم أنا سعيد بمعرفتك يا مدام هورتنس ، إنا نريد سريرين يا سيدتي .. دون قمل . - أوه ، بدون قمل ؟ لا أعتقد ذلك ، ليس هنا من قمل على الإطلاق . و تقدمتنا و هي ترفس الحجارة بقدمها القصيرة المكتنزة ، و كانت تلبس جواربا زرقاء و ضخمة و تنتعل حذاءين مشقوقين عليها عقدة صغيرة من الحرير و لحق بها زوربا و عينيه تكاد تأكلانها ! - أنظر ، أنظر أيها الرئيس ، كيف تتلوى في مشيتها كالنعجة ذات الإلية المشحمة . و عض زوربا على شاربه بعصبية و عيناه مسمرتان على أرداف السيدة و قال : - همم ، إن هذه الحياة ملأى بالعهر .. *****