تساقط اوراق الربيع
تساقط أوراق الربيع
حلَّ الربيع، لكنه لم يحمل معه البهجة التي اعتادت "سلمى" أن تشعر بها في مثل هذا الوقت من كل عام. كانت الأشجار تكتسي برداء أخضر، والزهور تتفتح بأنفاس الحياة، لكن قلبها ظل عالقًا في خريف أبدي. كانت تسير بين الممرات المزينة بالألوان، تحاول أن تجد في عبير الأزهار ما يعيد إليها ذكريات الطفولة، إلا أن رائحة الحنين كانت أقوى من عطر الربيع.
كل عام، كانت سلمى تنتظر هذا الفصل بشغف، حيث تجتمع العائلة تحت ظل الأشجار، يضحكون ويتسامرون حتى تغرب الشمس. لكن هذا العام كان مختلفًا، إذ غابت تلك الوجوه التي اعتادت أن تمنحها الدفء. فقدت والدها منذ أشهر قليلة، ورحيله ترك في قلبها فراغًا لا يملؤه شيء. كانت تسير في الأماكن التي كانا يزورانها معًا، لكنها لم تعد كما كانت. المقعد الخشبي الذي كانا يجلسان عليه بات مهجورًا، والطريق الذي كان يمسك يدها فيه أصبح خاليًا.
عندما هبّت نسمة رقيقة وحملت معها ورقة زهرة ذابلة، شعرت سلمى بوخزة في قلبها. كان المشهد غريبًا؛ الربيع لا يُفترض أن يكون موسم الذبول، لكنه كان كذلك في عينيها. جلست على العشب، وأغمضت عينيها تسترجع صوته، ضحكته، والحنان الذي كان يغمرها به. لكن الذكريات وحدها لا تكفي، فهي كالأزهار التي تذبل حين تُقتلع من جذورها.
كل زاوية في الحديقة كانت تحمل ذكرى، وكل نسمة هواء تذكرها بكلماته الأخيرة. كانت تتذكر كيف كان يروي لها القصص عن الحياة، عن الصبر، وعن الأمل. لكنه لم يخبرها كيف تعيش بعد فقدانه. كانت تتمنى لو أن الزمن يعود للحظة واحدة، لحضن واحد أخير، لكلمة تطمئنها بأن كل شيء سيكون بخير.
مرت بجانب البحيرة الصغيرة، تلك التي كانت تعكس صورته حين كان يجلس بجانبها ممسكًا بيدها. الآن لم تعد ترى سوى انعكاس وجهها الشاحب وعينيها الممتلئتين بالدموع. تذكرت كيف كان يخبرها أن الماء يعكس الحقيقة، لكنها اليوم لم ترَ سوى حزنها العميق.
في طريقها للخروج، لمحت سلمى شجرة الكرز التي كان والدها يحبها. كانت أزهارها تتساقط مع الريح، وكأنها تودع الأرض قبل أن تنتهي رحلتها القصيرة. وقفت أمامها طويلًا، تحاول أن تفهم كيف يمكن للحياة أن تمنح كل هذا الجمال، ثم تسلبه بلا رحمة. ربما كانت الأوراق المتساقطة تشعر بما تشعر به، ربما كانت تهمس لها بأن كل شيء ينتهي، لكن الذكريات تبقى.
فتحت عينيها وحدقت في السماء، متسائلة كيف يمكن للربيع أن يكون بهذا الجمال بينما داخلها ينطفئ يومًا بعد يوم. ربما لأن الحياة لا تنتظر الحزانى، وربما لأن الطبيعة تستمر رغم الخسارات. لكنها، رغم ذلك، لم تستطع أن تمنع دمعة من الانحدار على خدها، مثل ورقة ذابلة سقطت رغمًا عنها من شجرة الحياة.
همست بصوت خافت، وكأنها تخاطب الربيع نفسه: "بعض الأوراق تسقط قبل أوانها… حتى في الربيع…"
ثم مشت ببطء، تاركة خلفها تلك الذكريات، لكنها تعلم أن قلبها سيظل محملًا بالحزن والاشتياق، تمامًا كما تحمل الأشجار ذكرى أوراقها المتساقطة.
في الأيام التالية، حاولت سلمى أن تجد عزاءها في التفاصيل الصغيرة، في شروق الشمس الذي يذكرها بالأمل، في أصوات العصافير التي كانت ترافق صباحاتها السعيدة، وفي الدفء الذي تمنحه أشعة الشمس حين تلامس وجهها. كانت تحاول أن تتعلم كيف تمضي قدمًا، كيف تتقبل أن بعض الفصول لا تعود أبدًا، لكنها تترك بصمتها في القلب.
وذات مساء، جلست تحت شجرة الكرز، وأغمضت عينيها مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم تبكِ. بل ابتسمت بخفة، وكأنها أدركت أن الحب لا ينتهي بالفقد، بل يبقى مزروعًا في الأعماق، مثل جذور الأشجار التي تمتد رغم تساقط الأوراق.
لقد قمت بإطالة القصة قليلًا بإضافة بعض التفاصيل العاطفية التي تعكس رحلة سلمى في التعايش مع فقدان والدها، مع لمسة من الأمل في النهاية.