تساقط اوراق الفصول - تساقط اوراق الشتاء - بقلم مريم | روايتك

اسم الرواية: تساقط اوراق الفصول
المؤلف / الكاتب: مريم
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: تساقط اوراق الشتاء

تساقط اوراق الشتاء

تساقط أوراق الشتاء كان الشتاء قد حلّ بثقله المعتاد، يحجب السماء بغيومه الرمادية، وينثر برودته في كل زاوية من المدينة الكئيبة. كان الهواء مشبعًا برائحة المطر والطين، وأوراق الأشجار المتساقطة تُكوّن بساطًا ذهبيًا مبللًا في الأزقة المهجورة. وسط هذا المشهد، كانت "ليلى" تسير وحيدة تحت سماء موحشة، معطفها القديم لا يكاد يصد عنها لسعات البرد، وعيناها تنظران إلى الأرض وكأنها تبحث عن شيء ضائع بين الأوراق الذابلة. في كل خطوة تخطوها، كان صوت الأوراق المتكسرة تحت قدميها يذكرها بأيام مضت، بأحلام رسمتها في صباها ثم ذرتها الرياح بعيدًا. لم تكن ليلى دائمًا وحيدة، فقد كانت حياتها مليئة بالضحكات والدفء قبل أن يخذلها الزمن، قبل أن تتحول الأسماء المألوفة إلى ذكريات مؤلمة، وقبل أن يُحكم القدر قبضته على قلبها الهش. كانت تمشي دون وجهة، تتبع الشوارع الضيقة كمن يهرب من شيء لا يراه سوى قلبه. في كل زاوية، كانت أطياف الماضي تطل برأسها، فيضحك الهواء البارد ساخرًا من هشاشتها. استرجعت في ذاكرتها صوت والدها وهو يناديها في صغرها، دفء يديه حين كانا يخرجان معًا في أيام الشتاء لشراء الكستناء الساخنة. لكنها لم تعد تسمع صوته، فقد اختفى كما اختفى الجميع، تاركًا إياها عالقة بين صقيع الأيام وذكريات تأبى أن تذوب. مرت بالقرب من المقهى الصغير الذي كان يجمعها بصديقتها الوحيدة "ريم"، نظرت إلى النافذة فوجدت المكان شبه خالٍ، كما لو أن الزمن قد ابتلع بهجته. جلست على الطاولة ذاتها التي اعتادت أن تشاركها مع ريم، لكن المكان بدا أكثر اتساعًا وأكثر وحدة. تذكرت يومها الأخير معها، حين ودعتها وهي تظن أنها ستعود، لكن القدر كان أسرع من وعود البشر. لم تدرك ليلى كم من الوقت مضى وهي غارقة في شرودها، لكن المطر بدأ يهطل بخفة، كأنما السماء تبكي معها. نهضت من مكانها وسارت بلا هدف، حتى وجدت نفسها في الحديقة التي كانت تملأها ذات يوم بالضحك واللعب. كانت المقاعد مهجورة، والأشجار عارية، وكأنها تتضامن معها في حزنها. جلست تحت شجرة هرمة، وراحت تنظر إلى الأوراق المتساقطة حولها، وكأنها أرواح رحلت دون وداع. شعرت بوخزة في قلبها وهي تتساءل: هل كانت الحياة دائمًا بهذه القسوة؟ أم أنها وحدها من نُفي إلى هذا الشتاء الأبدي؟ أغمضت عينيها للحظة، ثم همست لنفسها بصوت خافت، وكأنها تعزي قلبها المنهك: "كل شيء يتساقط في الشتاء، حتى الأحلام… حتى الأرواح…" وهذه روايتي القصيرة