الفصل 18
رواية بات من يهواه من فرط الجوى خفق الاحشاء موهون القوى
الفصل الثامن عشر
لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي
وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي
وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه
وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ
وَبينَ الرّضَى وَالسُّخطِ وَالقُرْبِ وَالنَّوَى
مَجَالٌ لِدَمْعِ المُقْلَةِ المُتَرَقرِقِ
وَأحلى الهَوَى ما شكّ في الوَصْلِ رَبُّهُ
وَفي الهجرِ فهوَ الدّهرَ يَرْجو وَيَتّقي
وَغضْبَى من الإدلالِ سكرَى من الصّبى
شَفَعْتُ إلَيها مِنْ شَبَابي برَيِّقِ
وَأشنَبَ مَعْسُولِ الثّنِيّاتِ وَاضِحٍ
سَتَرْتُ فَمي عَنهُ فَقَبّلَ مَفْرِقي
وَأجيادِ غِزْلانٍ كجيدِكِ زُرْنَني
فَلَمْ أتَبَيّنْ عاطِلاً مِنْ مُطَوَّقِ
وَما كلّ مَن يهوَى يَعِفّ إذا خَلا
عَفَافي وَيُرْضي الحِبّ وَالخَيلُ تلتقي
لـ أبو الطيب المتنبي
تجمدت في مكانها ما إن أخبروها ان "ذلك الرجل" قد طلب ان يعقد القران الآن عليها ..
كيـــــف ..!!!!
ولمـــــاذا الآن ..!!!!
ولم بحق الله يرغب بأن يتزوجها بهذه السرعة ..!!!
كل هذه الأسئلة كانت تقف حائرةً وسط صدرها المرتجف ..
ليس بمقدروها التفكير حتى بالاعتراض .. او السؤال عن الاسباب ..!!
ليس وهي واقفةً امام بطي المستعجل بشكل كبير ليعرف رأيها ثم ليُدخِل عليها الشيخ ويسألها ..
سمعت بعقل مشوش صوت بطي الخشن وهو يستعجلها: هاه شميمي أدخّل المليج ...؟!!
أحست بيد آمنة الدافئة تمسك بيدها اليمنى لتخبرها بأنها بقربها وستمد لها القوة اللازمة ..
وبحركة خالية تماماً من الحياة/الالوان/الاحساس/التفكير .... هزت راسها بـ "أجــــل" ..
وبلمح البصر ..
لمحت من خلف الباب ظل الشيخ وهو يلقي السلام عليها ويسألها عدة اسئلة ..
كانت ترى الضباب الكئيب بعيناها وهي تمسك بالقلم وترى كتاب العقد امامها .. تشعر ان الدنيا تدور بها وان الحياة قد اختفت للحظات ..
الغصة التي حاولت نفيها منذ ايام قد تكورت بقوة وسط حلقها لتنبأها بـ حقيقة واحدة ..!!!!!
حقيقة انها الآن كالشاة المُساقة لـ مقصبة الذبح ..!!!!
تريد النواح .. النواح الشديد وذرف دموع الآسى/الخوف من المجهول ولكنها لا تستطيع ..
لا تستطيع ..!!!
احست هذه المرة بـ كف كبير دافئ يمسك بيدها وتُسكن رجفة يديها ..
كانت ترتجف طوال الوقت وهي غير مدركة لذلك ..!!!!
سمعت همس شقيقها بطي يقول لها بـ حنان بالغ: سمي بالرحمن فديتج ووقعي ..
بـ عقل معدوم تماماً ... نزلت عوشة من غرفتها بينما هاتفها يرن بتكرار مزعج .. لم تجب عليه مع علمها الكامل ان الذي يتصل هم ابنائها ..
ولكن للأسف .. فـ جنونها الحالي أبى دخول عاطفة الامومة في قلبها وايثار حاجات الابناء على رغباتها ...
رغباتها ...!!! ... مالذي ترغب بفعله ..!!!!
لا تعرف .. هي لا تعرف ما بيدها ان تفعل .. !!!
هي فقط تريد ان تخرج عن اي مدار يذكرها بأن هناك أمراً محاك ضد ارادتها .. وضد كل ما هي ترغب بامتلاكه ..!!
من الممكن ان تخرج بحل عظيم ما إن يصفو ذهنها ويرتاح عقلها عن التفكير قليلاً ..!!
فتحت حقيبتها وأخرجت مفتاح سيارتها القديمة ..
فـ هي قد تعلمت قيادة السيارة قبل ان تتزوج ولديها رخصة .. ولكن الى الآن لم تجد الحاجة للقيادة بنفسها وهي التي تملك الخدم والسائقين بوفرة ..
والذي كان يواجهها بسؤاله عن حاجتها للرخصة وهي لا تقود ..
كانت تجيبه باختصار شديد ... "هي تفعل ما تريد .. في الوقت الذي تريد" ...!!!!
اتصلت بـ صديقتها المقربة علّها تتمكن من اخراجها من هذه المصيبة التي حلت على رأسها ..!!
وعلى حياتهـــــا ..!!
وقف جميع الرجال بتأهب ما إن سمعوا زغردة النساء .. وهمّ الجميع بتهنئة سلطان الذي كان يقف كالجبل المهيب لا يهزه شيئاً على الاطلاق ..
لم يعرف احداً بالانفعالات التي تعيث في ارض روحه فساداً .. لم يعرف أحداً بتاتاً بالافكار المجنونة التي كانت تختال بـ صورة مزعجة في عقله منذ ايام ..
لم يكن ليسمح لـ "تلك الصغيرة" ان تذيقه علقم الذل مرة أخرى ..!!
لم يكن ليسمح لنفسه ابداً أن يثق بها بعد ما حدث فيما مضى ....!!!
لهذا قرر الامساك بزمام الامور منذ اللحظة الاولى وعقد القران عليها اليوم و"بشكل مفاجئ"..
ابتسم ابتسامة صقرية سوداء ما إن سمع أبا ذياب يقول بـ خبث: ثرك هب هين يا سليطين ..
قهقه سلطان بـ خفوت "مُنتصر" من بين مقلتاه المعتمان: هههههههههههههههه
هتف أبا ذياب موجهاً حديثة لأبنه: بويه ذياب بلاك ..؟!!
ابتسم ذياب بـ هدوء بعد ان حك عيناه الحمراوان: امواصل من البارحة ومصدع ..
أبا ذياب بـ ذهول: شعنه بسم الله ..؟!!
ذياب: ما يانيه الرقاد والله ..
امسك بكتف سلطان ليهتف بـ حزم: دقايق بييب من موتريه بندول ..
سمع صوت أبا سيف الرنان وهو يهتف: بوهامل وين ساير .. الحينه بنحط الغدا ..
إلتفت ذياب للأخير مجيباً عليه بنبرة تقطر تهذيباً: راد راد عميه عبدالله ..
خرج من المجلس ومشى باتجاه سيارته المركونة داخل موقف السيارات القريب من منزل أبا سعيد الداخلي ..
كان من فرط الصداع لم يشعر بنفسه وهو يركب سيارته ويشغل محركها قبل ان يفتح المكيف ويوجهه لـ وجهه ..
بحث في الرفوف عن علبة المسكنات حتى وجدها ..
فتح قنينة الماء الذي جلبه معه ثم سمى بالرحمن وابتلع حبة منها ..
انزل مقعده للخلف ليرخي جلسته قليلاً .. وقرر ان يغمض عيناه لثوانٍ قليلة فقط حتى يبدأ مفعول المسكن بالسريان .. فهو لا يستطيع الرجوع للمجلس والجلوس مع الرجال مع وجود هذا الصداع البغيض ..!!!
ولكن حدث الذي لم يكن بالحسبان ..!!
انتفض بمكانه وهو يسمع الطرقات الناعمة الحادة على نافذته ..
اعتدل بجلسته قاطباً حاجبيه باستنكار من الذي يطرق بهذا الشكل المزعج ..
اتسعت عيناه بـ ذهول وهو يرى طيف فتاة وراء النافذة ..
لم يكن يرى بوضوح من شدة الصداع والارهاق .. بل لم يستطع رؤية وجه الفتاة المكشوف كلياً ..!!
كانت تطرق بهستيرية تامة .. لم تعرف كيف لبست بسرعة حجاب رأسها ولبست حذائها وخرجت ما إن ابصرت من بعيد سيارة أخيها حارب ..
هي ذاته سيارته السوداء .. حتى انها لم تكن لتخرج لو انها لم ترى الرقم الثلاثي المميز الخاص به ..
خرجت وهي تنجرف وراء الحنين، الشوق، الرغبة بالامان بأمواجه الهوجاء راغبةً بـ شم رائحة والدتها منه ..
راغبةً بـ التلذذ بدفئ أباها "القديم" العبق من صدره هو .. آملةً بـ رؤية أخاها عبيد بعيناه هو ..
حارب .. أيها العضيد القاسي .. تعال ..!!
طرقت النافذة حتى غدت يدها اليمنى محمرة ..
وبانفعال عاطفي صرف .... امسكت مقبض الباب وفتحته بقوة ..
ما إن فتحته حتى تسمرت دموع الوجع في محجريها العسليتان .. وارتجف فمها وهي تنظر للرجل "الذي لم يكن بأخيها" !!
كشر ذياب وجهه وخرج كانت تكشيرة مستهجنة غاضبة فـ هو فوق غضبه من هذا الصداع زاد غضبه من هذه التي تقسو على محبوبته "سيارته"..!!!
هتف بـ خشونة لم يتعمدها ابداً وهو يلمح هيئة الفتاة بأكمله ولم يرى بوضوح وجهها الأحمر الباكي: حوووه حووووه كسرتي جامة موتريه ..
(جامة = نافذة)
عنبوه هب ايد عليج ..
عرفته .. كيف لا تعرفه وهو الذي رافق شقيقها عبيد منذ الصغر ورأت كم الاثنان لا يستطيعان مفارقة بعضهما ..!!!
وصلت خفقات قلبها المجنونة عتبات مسامعها .. خفقات كان تصدح بـ جنون الخوف ..
والغضــــــــــب ..!!!!
غضب كان خليط من اسباب عدة وليس من سبب واحد .. أولها خيبتها الكبيرة بأن هذا الرجل لم يكن أخاها حارب ..
ثانيها ان هذا الرجل تحدث معها بطريقة غير لائقة ..!!
وهي أبداً ليست معتادة على هذا التعامل الخشن ..!!!
لم تشعر أبداً بسريان عاصفة هوجاء من العسل داخل مقلتاها وهي تمسك بحافة الباب وتدفعه باتجاه ذياب بقوة عنيفة ..
اتسعت عينا ذياب واتضحت الرؤية امامهما ما ان شعر بالضربة على ذراعه اليمنى ....
ثم صرخ بـ توجع حقيقي: آآآآآخخخخخخخخخخ ..
ما ان فعلت فعلتها حتى ركضت مبتعدةً عنه إلى ان لفحت وجهها أشعة الشمس بصورة طاغية ..
شعرت بأنها لم تأخذ حقها من ذلك المغرور ..
استدارت إليه بـ جرأة غريب "طال زمن خموده في روحها" .. ومدت لسانها بشكل خفيف تخلله احتقاراً "لم يكن بالخفيف ابداً" ..
هنـــــــا ..
رآهـــــــــــا ..!!!!
رآى تجسيد خلقة الله ماراً بـ غرور قاتل أمام مقلتيها المضرجة بـ "العسل" ..
والتقطت عيناه الذئبية بـ سرعة حادة طيف بسمة توقفت بـ خيلاء انثوي ماكر على ثغرها الصغير المتورد ...
أدرك للتو معنى ان يكون للعسل خبث .. وان يكون لـ مذاقه ذلك السم اللذيذ ..!!!
للتو فقط .. استوعب ان قلبه الذي بين جنباته "يعرف معنى الرقص على صفيح من لهيب خالص" ..!!
للتو فقط ..!!
بدأ يشعر أن للدنيا واجهة أخرى ..
واجهة تطل على النعيم ذاته ..!!!
نعيم دنيوي بث فيه رب العزة الجزء القليل من انفاس نعيم الآخرة ..!!
كان صدره يعلو ويهبط بقوة واضعاً يده اليسرى على ذراعه اليمنى محاولاً ان يخفف بحركته انفعالاته الداخلية لا ألمه الخارجي "الذي انحسر تماماً" ..!!!
رمقها من تحت رموشه بـ تشكك ذو ألق غريب ..
لا يعرف ما إذ قابل في حياته صبية لها هالة "أثيرية" كهذه ..
ولكن ..!!
يشعر حقاً إنه رآها من قبل ..
رآى هذه "الجنية" الصغيرة فيما مضى ..!!!
ادخلت موزة لسانها الصغير بشقاوة صامتة واستدارت بسرعة لتدخل المنزل قبل ان يلمحها أحد من الرجال ..
ما ان ركبت الدرج اليتيم الذي كان بقرب مواقف السيارات حتى التوى كاحلها وسقطت ..
: اشووووووووووووه ....؟؟!!!
يعله في ذمتتتتتتج ....!!
حصة: والله نعوم توه المليج ظاهر من عندنا ..
أضافت بتساؤل ما إن ادركت صدمة صديقتها: هو ما خبركم انه ناوي يملج على عموه اليوم ..؟!
ردت ناعمة بحاجبان معقودان: يعني الحينه لو هو مخبرنها بنشدج لو صدق اللي قلتيه ..؟!!
طبعا ما خبرناااا ...
وضعت حصة يدها على خدها بـ ذهول: اويييييييه .. شعنه ما خبركممم ...؟!
تحرينا نحن بس اللي ما نعرف .. ثره هو هب مخبر حد ..
ناعمة بـ حدة كان سببها فعلة عمها سلطان .. فالذي فعله قد يجعل من جدتها محطمة القلب ومجروحة: الله يهداه بس .. الحينه شو اسوي ..!!
ماقدر اخبر يدوه اخاف تضايج ..
حصة: لا لا .. لا تخبرينها .. يوم يرد عمج هو بيخبرها .. احسن يوم هي تعرف منه ..
دخلت غرفتها بعد ان تمكنت بصعوبة من التفلت من بين ايدي نساء عائلتها وألسنتهن التي تبارك وتهنئ بـ فرحة بالغة الحد ..
استندت بـ ضعف "متخدر" على ظهر الباب ..
ومن غير ان تشعر برجفة ثغرها .. وبرجفة اهدابها العذبة الوجلة ..
سقطت دمعة حارقة/يتيمة/قاسية/لهيبية .. دمعة احرقت الفينيق الذي بداخلها واعادت احيائه بقدرة الله ..
دمعة جعلتها تمشي على لظى الذاكرة وتذهب بعيداً .. بعيداً جداً ..
لـ يوم تقطع فيه قلبها لأوصال ليس لها عدد ولا حصر ..!!
: ليش سلطااااااان جذب عليه ليييييييييش .. انا شو سويتبه عسب يلعب فيه جيه ..!!
كانت تحدّق بالفتاة التي تبكي بـ حرقة وصدمة أذاق وجهها معاني الشحوب ..
لم تستطع التفوه بكلمة ..
كيف تساعدها وهي نفسها تحتاج الآن لـ حائط تستند عليه من هول مصيبة قلبها ..!!!!
أكملت الفتاة ببكاء حاد: ليش بيعرسس سلطااان خبريني ليشششش ..!!!
ليش ما ياخذني انااااا .. شو قااصرني انا عسب ما ياخذنيييي ..!!!
كانت تبكي بشكل جنوني غير مستوعبة السكاكين التي تخدش ببطئ وجدان التي امامها ..
لم تصمت .. بل أكملت بـ هستيرية وهي تمسح دموعها بعنف: بـ بـ بـسسس هو قاااالي انه بياخذها بس عسب يسكت امه .. هيه هيه هو جيه قاااالي ..
وقالي بعد ان اصلا هاذي اللي بياخذها خسفه ما تتشاهد وانيه انا احلى عنها بـ وااااايد ..
ضحكت بـ خفة لتهتف بعدها بخفوت: تخيلي بعد شو قااال ..
تراقصت جفون شما بـ انفعال "مميت" مكتوم ... وهتفت بـ بحة أبدية: شـ شو قال ...؟!
ابتسمت ابتسامة شامتة مجنونة ... وقالت: قال دام انه تورط مع هاذيج اللي ما تتشاهد .. بياخذها مال شهر شهرين عقب بيعقها .. لأنه هو ما يبا وحده تغث فوااده يوم بيسير عند هليه يخطبني ..
(تغث = تزعج)
ابتسمت بـ خجل طفولي واضافت بـ سرور منتشي: وخبرني انه هو يحبني واااايددد ..
رفعت اهدابها الخجولة الى شما وأضافت بنشوة وهيام: شموه سلطان قال انه يحبني كبر هالدنيا وما فيهااااا .. وانيه عنده اسوى خلق الله يميع ..
آآآآآآآه فديته ياربيه .. ادريبه ما يهون عليه يخليني عقب ما تعلقت به ..
نظرت مرة أخرى لـ شما "التي وصلت حد الاحتضار داخلها" وقالت بهمس: سلطان علقني به من الخاطر شموه .. من الخاطر .. ما بتحمل بعاده عقب ما ذقت حبه .. ما بتحمل والله ..
امسكت فجأة بـ جنون يد شما وقالت بـ حدة: ما بيخلينيه سلطان .. صح شما ..!!!
ما بيخلينيه ..
هزت شما رأسها بصورة "ميتة" وقالت بنبرة شبه مسموعة جامدة حد الفناء: هيه عوشة .. ما بيخليج ..
شدت بـ قسوة قبضتي يديها لتقول بنبرة ارتجفت خلف اسنانها المتراصة: آآآآآآآآآآآآآه يا رررب ..
أحس بـ ناااااااااار شااااااابه بـ يوووووفيه .. ناااااااااااااااررر ..
أغلقت خط الهاتف عن ناعمة قبل ان تجلس بتململ ملؤه الخيبة .. خاب ظنها وهي التي كانت تأمل ان تفضفض عما يعتمل روحها القلقة منذ عدة ايام ..
حسناً يبدو انني اتصلت بها لأخرج مافي جوفي ولكن بدل هذا ادخلت في جوفها الضيق والاستياء ..
وما يدريني يالله ان عمها لم يخبرهم بأمر عقد القران ..!!
تأففت وهي تحك خدها .. وأخذت تفكر بالحديث الحاد الذي جرى بينها وبين والدها ليلة امس بسبب رفضها لـ "ذلك" ..
لم تكن ترغب بتاتاً بإغضابه ..!!
ولكنها فتاة كبيرة وواعية .. وتريد ن تشعر ان لرأيها مكانةً وان لاستقلاليتها معنى وقيمة ..!!
ليست صغيرة لتفقه ان الزواج مهم لكل فتاة .. ولكنها كبيرة كفاية لأن تفقه تماماً بمؤهلات الرجل الذي ستقترن به ..!!
وذلك الـ "فلاح" هو آخر رجل ممكن ان ترى فيه مؤهلاتها العالية ..!!
ولو انها لم ترى وتسمع بعيناها وأذنيها مدى وقاحته وصغر عقله لكانت قد أعطت لعقلها مجالاً للتفكير ..!!
ابتسمت بسخرية وبغض وهي تسترجع كلماته رسالته التي اتسمت بالتهديد والوعيد ..
وهمست بحاجب مرفوع: صدق انه ياهل .. يهدد بعد .. طير يا عمي ..!!
: حصووووووووه حصوووووووه
جفلت حصة بمكانها وهي تسمي بالرحمن جزعاً: بسم الله الرحمن الرحيم .. عنلاات بليسج يا ميرووووووه ..
جلست ميرة ووجهها لا يوحي بالخير ابداً: حصوووه لحقي ..
ياربي انا شو مخلني ابطل ثميه واقووووله ..
حصة بـ حاجبان معقودان: منو هووو ..!!
ميرة بـ توتر: سيف اخوج دق عليه وانا زل لسانيه وقلتله ان اكتبوا كتاب عموه شما .. جان يعصب ويبند الخط في ويهي ..
حصة بـ صدمة: في ذمتج ...!!!
ميرة بـ استياء: هيه والله هاللي صار .. شو يخصني انا عاده ..
حصة: وليش داق اصلا عليج ..؟!!
ميرة: قال انه من متى يحاول يدق على الرياييل وما يردون عليه .. عاده انا الياعده قلتله هيه مشغولين الحينه بيكتبون كتاب عمتك شما ..
(الياعده = انثى الخروف)
حصة بـ استهزاء مازح: سبحان الله نفس الذكاء اللي ياج يانيه .. حتى انا رمست نعوم وزل لسانيه وخبرتها .. وطبعا انصدمت لأنهم اصلا ما يعرفون بالسالفة ..
فتحت ميره عيناها على مصراعيهما بـ صدمة: لا تقولييييييين
( لا تقولين هنا يُقصَد بها الذهول/الاستغراب/الاستنكار)
حصة بابتسامة خفيفة: قلت وخلصت ..
ابتسم بـ تلاعب رجولي ما إن رآها تتعثر وتسقط ..
جميل جميل .. يبدو ان هناك تسلية بانتظاره ..!!!
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة ماكرة حتى قال بنظرة بالغة الخبث: ربي يازاج من عالي سماه
(يازاج = جزاك)
وقفت موزة محاولةً ان لا تنخرط بالبكاء امام هذا المعتوه المتكبر وكان هو لا يرى سوى جسدها الصغير من الخلف وما قال جملته الأخيرة الا ليثير حنقها جزاء الألم الذي حل بذراعه بسببها ..
لم يشعر الا بـ حصاة صغيرة تُقذف وتأتي على جبهته ..
زمجر بـ غضب عاتي هذه المرة .. فـ هذه الفتاة يبدو انها أحبت التسلية معه بـ طرقها الشرسة ..!!
ويبدو انها استهانت به كثيراً ..!!
: يالبتانية احترمي عمرج لا اييج شي ما قد شفتيه قبل ..
احتد فم موزة بـ غيظ مكتوم وهي لأول مرة ترغب بشدة ان يكون لها لسان ناطق كي ترد على اهانته هذه بإهانة أكبر منها ..
ليس كلمة البتانية هي "الاهانة" .. بل المعنى المبطن المُحتقر لـ عيناها العسليتان هو ما اشعرها بالاهانة والحنق..!!!
تعودت منذ ان كانت صغيرة على سماع المزاحات الخفيفة على روحها من أهلها عندما ينادونها بـ "بنت البتان" أو "الباكستانية" لإختلاف لون عيناها الغريب ..
لم تغضب في يوم او تحزن لأنها تدرك كم ان هذه المزاحات بريئة ..
أما هذا المغرور .. فقد قالها باحتقار بالغ اشعل فيها روحها الخامدة "المتمردة" ..
من فرط غيظها الشديد التمع العسل في عيناها لتنبآن بـ سقوط وابل عظيم من الدموع ..
هنا .. تسمر ذياب تماماً بعد ان سقطت عيناه على وجه الفتاة ورآها بشكل ناصع الوضوح ..
تذكرها .. تذكرها اجل ...
هذه شقيقة عبيد ..
مــــوزه ...
لمحها مرات كثيرة عندما كانوا صغار .. كانت صغيرة لم تتعدى عامها العاشر ..
ذات بركة العسل .. بـ ذات نظرتها الماكرة اللعوب ..!!
هـــي ..
لانت حدة نظرته ما ان استوعب ان التي أمامه ..
تمتلك جينات "عبيــــــــــد" ...!!!
اشاح بوجهه بحدة وكفوف يديه غدت في حالة ارتعاش غير طبيعية ..
شعر ان الكون يدور به كـ دوران النجوم حول نجم الشمال ..
شعر أن النجوم حلت موطن رأسه وهو الذي يقف الآن تحت أشعة الشمس الدافئة ..!!!
خفقات قلبه في حالة هيجان تام ..
الآن عرف لمَ كانت تطرق نافذته بذلك الاصرار الغريب ..!!
كانت تظن بأنه أخاها حارب ..
فـ سيارته وسيارة الاخير متشابهتان .. باللون والارقام ..!!
الشي الوحيد المختلف بينهما هو آخر رقم من الرقم الثلاثي من السيارتين ..
حرص كثيراً على انتقاء ارقام متشابهة للوحتين ..... نعم ..... فـ هو من اهدى حارب لوحة سيارته كـ هدية بسيطة عربون محبة وصداقة ..
كان يرغب بشدة ان يقترب منه بعد ان ابتعد عن الجميع واعتزل بـ ذاته ..
كان يريد بـ هديته هذه ان يخبره انه هنا .. بجانبه .. وبقربه ..... وانه كـ عبيد .. اذا اعطاه فقط شرف التقرب منه كـ أخ ..!!
كان يريد ان يرى لمعان الفرحة بعيناه ..
فقط يرى اللمعان وليس غيره ..
في الحقيقة .. لقد عانى كثيراً في اقناع حارب ان يقبل الهدية .. في البداية لم يوافق ورفض .. ولكنه رضخ وقبل بها بعد ان حلف ذياب عليه وذكّره بأن عبيد ما كان ليرفض هديته لو اعطاه اياها ..!!!!
ابتسم بـ حنين صرف ما ان تذكر ذلك اليوم الذي اقتنع فيه حارب بـ قبول الهدية ..!!
كانت مهمة شاقة أخذت منه طاقة جبارة ..!!
عنيدٌ أنت يا حارب ..
عنيـــد ..!!
زفر بقوة بعد ان استوعب انه مازال واقفاً تحت الشمس .. استدار بخفة ليرى ما إذ مازالت الفتاة هنا ..
ثم ابتسمت عيناه وهو ينظر للفراغ المتجسد في مكانها ..!!
حسناً .. يبدو انها ذهبت ..
استدار لـ يرجع للمجلس .. الا انه رفع رأسه للسما وابتسم ابتسامة رجولية غامضة ..
"مــــــوزه" ..
يبدو انك كـ شقيقاك العتيدان ..
ستحوزين و"بقوة" على اهتمام الذئب وتفكيره ..!!!
كانت تمشي ولا تعرف لأي مدى ممكن ان يصل بها سعادتها .. فهي منذ هذه اللحظة لن تشعر الا بالراحة والسكينة خاصةً بعد ان رأت بأم أعينها ابنتها وهي توقع على ورقة زواجها ..
أليس هذا ما كانت تتمناه طوال عمرها ..!!
أن ترى قطعة قلبها وقمر سماها تتزوج وتصبح في كنف زوجها وتحت حمايته ..!!
حمدت الله في قرارة نفسها بكل حنان ودعت بقلب صادق ان يتمم هذا الزواج بخير وتوفيق منه ...
رفعت هاتف المنزل بعد ان رن بقوة لتجيب بنبرة مبحوحة: ألووووو ..
: لطيييييييفه .. مبروكين يا ختيه ما دبرتوا .. والله ما صدقت بومحمد يوم خبرني .. بالبركه بالبركه
(مبروكين ما دبرتوا = تقال تهنئةً عند الخطبة او الزواج)
التمعت عينا ام سعيد بـ سعاده متفجرة واجابت: علني افداج موزاااانه .. الله يبارج فيج ياربي .. والفال لكل بناتنا ان شاء الله ..
عاده اسمحيلي الغاليه والله ما كنا ندري بالسالفة .. نحن كنا يلوس في الصالة وما وعينا الا بـ بطي حادر علينا شرا الشاهين .. وقال المليج خاري ويبا شما ..
(يلوس = جالسين)
الله يهداهم خذونا بشراع وميداف هههههههههههه
(خذونا بشراع ويداف = مقولة تعني انهم استعجلوا الامر علينا ولم يتنسى لنا العمل/التفكير بروية)
ام محمد: لا امييه لا مسموحين علني افداكم .. وتبين الصدق احسن يا ختيه .. زين ما سوى ولد ظاعن ... ربي يتمم لـ شما على خير ان شاء الله ..
بعد ان فرغ المجلس من الرجال ... توجه أبا سعيد لحجرته كي ينام قليلاً قبل ان تحين صلاة العصر .... لم يكن في الحقيقة يرغب بأن ينام قبل ان يرى ابنته ويبارك لها .. ولكنه يعلم تمام العلم ان ابنته الآن في حالة نفسية سيئة حتى لو انها في الحقيقة تستطيع ببراعة كتم ما فيها من انفعالات ..
يعرف ابنته كما يعرف ذاته .. فـ شما لم ولن ترضى أن يسيّرها أحد بمحض ارادته .. وان رضت بهذا فهناك امر يكمن خلف هذا الخضوع ..!!!
هو ليس بـ مغفل كي لا يدرك ان موافقة ابنته على سلطان سببه امر عظيم ..
سبب كان ورائه ابنه الداهية بطي .. ولكنه ولنقل "متغافل" .. واحسن بـ تغافله ...
فإذا كان بطي قد تمكن من فعل ما عجز هو عن فعله .. لم بحق الله يتدخل ويعترض ..!!
فلتجري الامور كما تشاء وليرى إلى اين ستصل ..!!!
في النهاية .. هذا لمصلحة ابنته ..
أليس كذلك ..؟!!
هتف بحزم بعد ان قطب حاجباه وهو يلمح ابنه احمد قريباً منه: احمد بتخبرك .. حرمتك عوشة وين ..؟؟
ما ريتها من كم يوم ..؟!!
زفر أحمد بـ عمق وقال بـ نبرة هادئة مبطنة بغضب/استياء مما يجري له: في بوظبي عند هلها .. بتيلس عندهم كم من يوم وبترد ان شاء الله ..
ابوسعيد بـ نظرة متفحصة/متوجسة: أحمد ابويه .. شي مستوي على حرمتك ..؟!
رد احمد بسرعة: لا لا ما بلاها شي .. هي بس متولهة على امها واختها ..
هتف أبا سعيد بصرامة: ابويه احمد حرمتك هب ياهل .. ما يوز تودر بيتها وعيالها وهم عندهم مدارس .. وامك تدريبها حرمة عوده ويبا من يشل ويحط عنها .. ما فيها شدة شرات اول عسب ترابع ورا العيال ولعوازهم ..
(مافيها شدة = ليس لديها قوة) (لعوازهم = ازعاجهم/امورهم الشخصية التي تجلب العبأ والجهد)
تلون وجه احمد من الحرج الشديد ... وقال معتذراً: ادري علنيه افداك والله .. السموحة منكم ..
خلاص ان شاء الله باجر هي رادة ..
انحنى برأسه ليقبل رأس اباه ثم اضاف: لا خليت منك ومن امايه يا تاج راسي ..
ابتسمت عينا ابوسعيد بحنان .. فهذا الـ أحمد يعجز القلب عن وصف لطافة روحه وسماحة نفسه ..
هتف بـ حزم دافئ: ربيه يرضى عليك دنيا وآخرة ..
يلا انا ساير ارقد .. نششوني حق الصلااااه ..
(نششوني = ايقظوني)
أحمد: ان شاء الله فديتك ..
اخرج انفاسه الغاضبة من أنفه وهو يفكر بطريقةٍ يحقق فيها ما تفوه به امام والده للتو ..!!
كيف يُرجَع عوشة الى العين غداً ..!!
كيف وهي الى الآن لا ترد على اتصالاته ولا على رسائله ..!!
وبعد ان دار في الصالة مفكراً بغير وعي منه ... قرر ان يذهب بعد صلاة العصر الى ابوظبي ويحدثها وجهاً لوجه ..!!
سيحدثها ويُفهِمها الأمر الذي جرى وستنصت إليه .. !!
حتى لو اضطر ان يذيقها صفعة أخرى ..!!
كانت ترتجف بشكل معدوم الارادة ..
لم تكن خائفة أو حتى جزعة .. انما هي فقط مرت للتو بموقف اثار فيها جميع انواع الانفعالات ..
غضب .. خيبة .. آسى .. قلة حيلة .. وقبلها .. شعور يتصاعد تدريجياً في روحها بأنها ولأول مرة تشعر بأنها ليست جميلة .. وان ملامحها التي "تفتن الناظرين بالعادة" ليست بالجذابة ابداً ...
شعور أنثوي غريب .. لم يتنسى لها الفرصة من قبل ان تدخل في طياته وتفهم مفاهيمه ..!!!
لا تعرف هل حقاً هي ليست جميلة ام مجرد احساس اعتراها لما قاله ذلك الرجل لها ..!!
زمت فمها بامتعاض وهي تسترجع كلماته ...
ذلك المتعجرف الوقح ...
ياله من مغرور .. ألأن الله لم يسلب منه نعمة النطق .. يحق له ان يسخر بلسانه على خِلقته عز وجل ..!!
ما أوقحه ..!!!
كيف كان عبيد يتحمل ثقل دمه ..!!!
زفرت بألم ما ان دخل شقيقها مسار تفكيرها المسترسل ..
ثم رفعت عيناها ما إن سمعت عمتها ام العنود تسألها بنبرة رقيقة: العسولة شو فيها ..؟!!
ابتسمت موزة بهدوء ثم اشرت بنعومة: ولا شي عموه .. افكر في شما فديتها ..
ما شاء الله كل شي صار وياها بسرعة ..
ام العنود بنظرة باسمة مبطنة بخبث غامض: هيه ما شاء الله .. ربي ايتمم الها على خير ..
موزة: اللهم آميييين ..
وأضافت ام العنود بـ حنان بالغ الدفء: والفال لج يا قلبي ..
طرق جانب من قلبها طرقة قوية .. ولأول مرة تشعر بالخجل العذري يغزو احمرار خديها الطبيعي .. فهي منذ ان سقطت صريعة البُكم لم تواجه موقفاً مماثلاً كهذا .. أي منذ اربع سنين تقريباً ..!!!
لم تكن لترغب بفعل اي شي يندرج تحت مسمى الواجبات الاجتماعية .. لم تحضر اي حفلة زواج او خطبة او حتى المناسبات الاجتماعية المتنوعة .. حرصت كثيراً ان تعتزل الجميع لأنها كانت مغموسة بحالة نفسية مزرية حد الوجع السرمدي ...
ولكن الآن .. تشعر بأن الأنثى التي بداخلها بدأت تطل بخجل من عتبات صدرها الصغير ..
الا ان سرعان ما ازاح "الانثى الصغيرة المطلة" شعور آخر مرير ..
شعور يقول لها بسخرية وازدراء انها بكماء ..
وان حياتها والذي تمر به قد اسقطها معطوبة بوابل جمري وسط صباها وربيع انوثتها ..... وان الذي سيفكر بالزواج بها .. لن يعيش الا مع حطام فتاة احتضرت على انقاض والدٍ مجرم .. وأم مقتولة .. وشقيق لحقهم بكل قلب أعمى الى القبر ..
لن يعيش "تعيس الحظ هذا" الا على انقاض فتاة توقفت ذكرياتها عند ذلك اليوم المترمد المعتم ..
أخذت قسم كبير من الهواء الثقيل وحاولت الابتسامة من غير غصة مرتجفة ثم ارسلتها بثغر مرتعش لـ عمتها الغالية ..
على درب العين – أبوظبي
قطب حاجباه باستغراب وهو يخرج يده من نافذته ويتناول كيس الماء والعصائر من ابنه ذياب الذي قرر التوقف عند محطة البترول للشراء .. ثم قال بـ قلق أبوي: الذيب بلاها يبهتك وارمة ..؟!!
وضع ذياب اصابعه السمراء بخفة على جبهته ثم ابتسم بخفوت "ذات مغزى" وقال: ههههههه شو نسوي الوالد اليوم نحن امره مدوخين .. وانا اييبليه بندول رضخت بعامود جدا موتريه ..
(رضخت = دعمت)
أبا ذياب بذات قلقه الحاني: يوم نرد البيت سِر دهن يبهتك بمرهم ولا شي ..
ذياب بابتسامة مطمئنة: خفيفه خفيفه يا بوذياب تطمن ..
دخل سيارته وهو يعطي عمه سلطان عصيره المفضل "الاناناس" ثم قال بمرح: مع انك قلتليه ما تبا شي لكن ما هان عليه والله ما اييبلك ويانا ..
ابتسم سلطان وهو يرمق ابن اخاه نظرة ساخرة لطيفة: يا حنوووون انته ..
غمز له ذياب برجولية شقية واجاب: شفت انت عاده .. يلا يوزوني انا بعد ..
ضحك الرجال الثلاثة على ظرافة ذياب ثم قال اباه: يلا انت عزّم وابد فاااالك طيب .. باجر انّقيلك الحرمة ونيوزك ..
هتف مصبح بعد ان شرب القليل من الماء: ههههههههههه الله ايعين اللي بتاخذك .. يبالها كورسات مكثفة كيف تتعامل مع مزاجيتك العالية ..
رفع ذياب حاجب واحد بسمة قصيرة تعلو ثغره .. ابتسامة خرجت ما ان تذكر "تلك العسلية الصغيرة" ..
ثم رد على زوج عمته مصبح: تحمد ربها وتشكره يوم ان ذياب بن هامل بياخذها ..
ضحك ابا ذياب ومصبح بمرح وهم يستمعون لكلمات ذياب المتغطرسة المازحة بينما اكتفى سلطان بشرب عصيره وابتسامة تلوح على شفتيه من احاديثهم ...
كان تفكيره في الحقيقة منحصر على سؤال واحد ..
سؤال مهم رغم تأخره ....
ما الذي جعل "تلك" توافق على الارتباط به .. وتقبل ان يعقد القران اليوم ...!!!
أليس الامر مريب ...!!!
بعد ان حلّ الليل على الجميع
دخلت الى غرفتها وهي تضغط على الزر الذي سيحولها على رقم زوجها ..
لم تكن تريد الاتصال به .. خاصةً بعد ان علمت انه اتصل بـ ميرة الظهر ولم يتصل بها هي ..
من اين تتزود بهذه القساوة بحق الله يا هذا ..!!
ليتني اعرف بما اقترفته يداي لأعاقب ذاتي كما تعاقبها انت واشد ايضاً ..!!!
آآآآآآآآآه ..
سمعت صوته الخشن/الجليدي من خلف السماعة وهو يهتف: ألووووو ..
تنحنحت بثقل وهتفت بصوت مرتجف محاربةً دموعها كي لا تخونها وتسقط: هلا سيف .. شحالك ..؟!
أجاب بصوت جامد ساكن: بخير ربيه يعافيج ويسلمج .. انا بأحسن حال يا ام مايد .. انتو شحالكم شو مسويين ..؟!
ابتسمت العنود ابتسامة مستهزئة على الحال الذي وصل إليه كلاهما .. فبعد ان كان يهمس لها بأرق الكلمات وينعتها بأعذب الالقاب .. صار لا يحادثها الآن الا بكل رسمية يتقنها .. وكأنها إحدى الموظفين الذين يعملون تحته ..!!!
اجابت بـ هدوء خلفه اعاصير عاتية من انفعالات لا تنتهي: كلنا بخير وعافية الحمدلله ..
سيف: وشحال العروس ..؟!
التمعت مقلتا العنود لاارادياً من فرط سعادتها بزواج عمتها وهتفت "بروحٍ انتعشت للتو": فديت عموه شماااا ياربي .. اسميني يا سيف فرحت الها اليوووم وفرحتي ماعطيها لحد .. اللهم لك الحمد والشكر .. ما بغيت اشوفها عروووووس ..
ما إن سمعها تهدر بحماس يقطر نعومةً من فرط سعادتها حتى أغمض عيناه ببطئ وأخذ يتخيل هيئتها الآن ..
بشعرها الاسود الفاحم القصير بعيناها الناعستان المغلفتان بصف اهداب من الفتنة/الاغراء بفمها اللذيذ الممتلئ بلون وردة متفتحة ..
بكل ملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب وروح عاشق ..
هتف بهمس أجش مثقل بسكرة لم يستطع كبح سيطرتها: انتي ليش جيه ..؟!!
اتسعت عينا العنود بـ دهشة ثم هتفت بتساؤل بريئ: شو ليش جيه ..!! ما فهمت ..
همس بذات مشاعره المُخدرة المثقلة: انتي ليش جيه عذا........
: بوماااااااااااايد .. بوماااااااااااايد .. إلحق إلحق الهاموره بتفلت من ايييييييدك ..
انتفض جسده بخفة وهو يخرج من اعصار فكري لذيذ كان من صنع "صوتها" .. ثم تنحنح بقوة وهو يُخرج ذاته ظلماً من سكرة لم تدم الا ثواني معدودة .... وهتف بخشونة لم يتعمدها: ام مايد برايج .. ردي السلام على الاهل كلهم .. مع السلامة ..
ما زالت العنود متسعة العينين ولم تفهم أي شيء مما قاله زوجها او فعله .. حتى انها لم تكن تسمعه بوضوح بسبب صوت البحر القريب منه ..
اجابته بـ استغراب: سلامن يبلغ ان شاء الله .. الله يحفظك ..
أغلقت خط الهاتف بعد ان ارتاح قلبها قليلاً ..
حسناً .. هي لم تشبع من صوته الرجولي الطاغي .. ولم تخرج شوقها المجنون له كما يليق لروحها هي .. ولكن على الاقل علمت انه بخير وبأحسن حال ..
جلس على ركبتيه أمام والدته وانزل رأسه أكثر ليقبل ركبتيها الاثنتين وقال بحزم قوي تخلله اعتذار رجولي صادق: واللي خلقج يالغناة انيه ما بغيت السالفة جيه تستوي بس اضطريت والله ..
رفعت ام هامل رأس ابنها بعد ان تنهدت تنهيدة مؤلمة ... وقالت: نش فديتك نش .. انا خلاص هب زعلانة .. لجني بغيت اعرف شو خلاك جيه تسوي .!!
يعني ما رمت تخبرنا اول عسب نفرح وياك ..؟!
وقف سلطان قليلاً ثم جلس بقرب والدته مبرراً بصوته الخشن الهادئ: ما رمت يا امايه صدقيني .. انتي الحينه هب المهم عندج اعرس .. هاذوه ها عرست وخذت بنت الناس ..
رمقته والدته نظرة غاضبة من تحت رموشها وقالت: يا فضيحتنا في العرب .. ثرك انت ومصبح مسويلهم علوم هناك ومربشينهم
(مربشينهم = جعلتموهم في حالة ارتباك وقلق)
ابتسم سلطان بخفة وهو يتذكر كيف انه ادخل مصبح في هذه المعمعة .. فـ مصبح هو من جلب الشيخ الذي عقد القران بطلب منه وكان يعرف بمخططه منذ البداية .. ولكنه لم يخبر أحد .. بطلبٍ منه أيضاً ..
هتف من بين ابتسامة شفتيه: لا تفتضحين ولا شياته .. ثرنا نحن شو مسوين يا ام هامل .. !!
هتفت بتساؤل ما إن رأته يقف: بتخبرك سلطان .. ومهر البنية شو صار عليه ..؟!
رتب غترته البيضاء بخفة قبل ان يهتف بنبرة حازمة واثقة: المهر وصل للعرب من البارحة ..
حطيته في حساب ابوها ..
ام هامل بتساؤل اختلط مع فضول الانثى فيها: وكم حطيت ...؟!
رفع سلطان حاجباً واحد بسخرية مرحة وقال: لا تحاتين ام هامل .. سلطان دومه مبيض ويهج بين الخلايج ..
(الخلايج = الخلائق)
لانت ملامح ام هامل لتتكرر سؤالها بإصرار باسم: كم انزين يا ولد ..؟!
ضحك بخفة قبل ان يستدير ليخرج: ههههههههههه اسميكن انتن يالحرمات فضوليات .. قلتلج انيه مبيض ويهج ..
ريحي فوادج واطمني ..
خرج من عندها قبل ان تتنهد تنهيدة اخرجت كل ما كان يعتمل صدرها من انفعالات ..
لن تكذب وتقول ان فعلة ابنها لم تجرحها وتجرح امومتها ومكانتها العظيمة في حياته .. ولكن في أقصى بقعة في قلبها هي فرحت للذي حدث وفرحت بشدة لأن ابنها الآن في عداد المتزوجين ..
لطالما كان هذا حلمها ولطالما كانت هذه اللحظة من اللحظات المقدسة في حياتها ..
قررت بينها وبين نفسها ان تجعل الامور تمر بسلاسة .. ففي النهاية هي تؤمن وبشدة ان ابنها ما كان ليفعل ما فعله لولا امر قوي اضطره لهذا ..
تعرف ابنها وتعرف حرصه الشديد على رضاها ..
وبعد دقائق .. كانت هي على خط الهاتف تحادث ام سعيد وتتبادل معها التهاني والتبريكات .. ولم تغلق الهاتف حتى وعدتها انها وبأقرب فرصة ستزورهم في العين بإذن الواحد الأحد ..
تشعر بإرهاق حقيقي ... فاليوم كان طويلاً وقد عملت كثيراً هي وباقي الفتيات في المنزل .. لذا قررت ان تصلي العشاء والوتر ثم تنام فوراً ..
وتظن بأنها أحسن فكرة كي يتسنى لها النهوض غداً مبكراً لمراجعة الامتحان الذي ستقدمه يوم الاحد ..
انتهت من فرضها ووترها ثم اندثرت تحت لحافها الدافئ ..
احتد فمها بقوة محاولةً السيطرة على رغبتها التي خرجت للتو ..
لا .. لن افعلها ابداً .. لن افعلها ..!!
حاولت كثيراً إلهاء نفسها بالاذكار وظلت على هذا الحال حتى فقدت الأمل نهائياً بالنوم ..
تأففت قبل ان تتذمر بصوت عالي عندما فُتح باب غرفتها لتدخل اختها حصة بخفة ..
قطبت حصة حاجبيها وهي تهتف بقلق: ميراني حبي بلاج ..؟!!
استقامت ميرة واسندت ظهرها على ظهر سريرها وهي تحك عيناها بنعاس: لا ما بلاني شي بس نودانه ابا ارقد ..
(نودانه = نعسانه)
اشعلت حصة نور الغرفة ثم جلست بقرب أختها: انزين ارقدي ..
لاحظت ان اختها الصغيرة تمسك بأبهامها الأيمن بقوة .. فهمت حصة مالذي يجري ببديهية سريعة .. وسألتها بنظرة ثاقبة: ما تقدرين ترقدين من سالفة صبعج ..؟؟
انزلت ميرة رأسها بـ خجل حقيقي/استياء/ضيق ثم هزت رأسها وهي تجيب بصوت مختنق: هيه .. تعبت حصوه والله .. كل ما اقول خلاص ما بمص ما بمص .. اشوف روحي لا ارادي محطيه صبعي في ثميه وامصه ..
امسكت حصة ابهام ميرة الذي كان منتفخاً جراء مص ميرة له منذ الصغر .. كانت حصة الوحيدة التي تعرف بعادة ميرة السرية ..
فـ لا احد من العائلة على علم بأن ميرة للآن لا تستطيع النوم الا وابهامها في فمها ..
حتى امها ..
حاولت على مر السنين التوقف عن هذا الفعل لكنها لم تستطع .. وحاولت كثيراً اخبار والدتها بالامر ولكنها شعرت بالحرج الشديد وآمنت ان هذه العادة ستزول ما ان تكبر قليلاً ..
ولكنها كبرت كفايه لتدرك انها لن تتمكن من التوقف من هذه العاده بسهولة كما كانت تتوقع ..!!!
حصة بحزم: قلتلج ميرة من اول .. هالشي يباله عزيمة وارادة قوية منج .. لازم تتحملين شوي لين ما ترومين تودرين هالعاده ..
حكت ميرة عيناها الحمراوان مرة أخرى لتقول بنبرة ناعسة مرهقة: ما مصيت اليوم عسب جيه بعدني ما رقدت ..
لانت ملامح حصة بـ حنان بالغ .. ثم دفعت ميرة برفق لتتمدد ... وقالت بعدها: خلاص ترييني دقايق .. بسير اصلي وابدل ثيابي عقب بيي ارقد معاج ..
همست ميرة بفم مزموم ظهر مع نبرتها المرهقة: هيه والله حصوص تسوين فيه خير ..
خرجت حصة من عند شقيقتها الصغرى .. وظلت الأخيرة تهز أصابعها بـ توتر وخوف ..
جفلت بخفة ما ان سمعت هاتفها يرن .. وما ان قرأت الرقم الغريب وسط الشاشة حتى قطبت حاجباها ..
كان آخر شيء ترغب به الآن هو الاجابة على مكالمات من ارقام مجهولة .. وضعت هاتفها على الوضع الصامت ثم عادت لتتمدد وتنتظر شقيقتها حصة لتنام معها ..
سقط منها كوب الماء وهي تسمع صراخ آتٍ من باحة المنزل ... استدارت لابنتها بجزع وصاحت: وابوووويه حنووون هذا حس اختج عوووشه ..
لبست حنان غطاء رأسها بجزع هي الاخرى ولحقت والدتها التي هرعت الى الخارج بسرعة ..
تسمرتا بجمود مرعب وهما تنظران من بعيد الى عوشة التي تصرخ بجنون تحت يدين رجل لم تعرفا هويته في هذا الظلام الدامس .. ولكنهما علمتا بهويته ما إن صرخ بغضب أقل ما يقال
بـ "الأســــــــود" ..!!
: يالـ... .. يـالـ.. .. في ذمتييييه ماا رييييييت شرااااااااااااات خياااااااااااااسج ..
امسك وجهها بقوة حديدية بيدٍ واحدة ثم قربها من وجهه المحمر بشكل قاني مرعب يقشعر لها الابدان ... واكمل صراخه الذي وصل لآخر بيت في المنطقة: يالحححححيـ...
ولفح وجهها المتورم بكف عاشر اسقطها الارض بعنف ... وألم عاصف حلّ بشراسة في كل انحاء جسدها .
كان يقف وصدره العريض يتحرك للأعلى والاسفل بسرعة هستيرية .. وعيناه الحمراوان قد انتشر الدم خلالهما ما إن سمع منها الكلام الذي شطر قلبه شطرين بلا رحمة ورأفة ..
من فرط انفعاله المدمر وصدمة روحه اللامعقولة .... لم يتمالك نفسه .... لم يستطع غير وضع يده المنتفضة على باب سيارتها ... وشد قبضة يده الأخرى بجبروت قاسي ..
: عـوووووووووووشه .. عووووووووووووشه بنتيه ...
التفت للخلف بوجهٍ ماردي مظلم .... وصرخ بأقسى نبرة خرجت من آخر بقعة من حلقه الجاف: أقسم بالله اللي يقرب منهااا بزوااااااله ..
انحنى وسحب ذراعها بقوة لتنهض .. ثم جر شعرها دافعاً رأسها للخلف وزمجر بقسوة لا وصف لها .. قسوة شبيهة بـ الرعد الثائر: خبرررريني يالححححيـ...
كيف ومتى سويتي هااا كله ..!!!!
كرر سؤاله بصراخ أقسى من الحديد احست عوشة معه ان طبلتي اذنها قد انفجرتا .. وونين يسري على كامل جسدها ورأسها من الألم والوجع ..
قالت بارتجافة رعب حقيقي من بين دموعها الغزيرة: وووو .... وووالله ما سـ سـ سويت شـ شـ شي .. ووالله احمد والله ..
وبغضب أعتى من غضبه السابق دفعها بقوة لتسقط على الارض اليابسة وصرخ بعقل هارب: لا تحلفين بالله جذب يالوصخخخخخخه .. لا تحلفين بالله جذب .. انتي لو تعرفين الله وتخافينه ما سويتي اللي سويتيييييييييه ..
ثم اردف بذات غضبه العاتي وهو يدنو منها: يالخخخـ.... تتحرين محد بيعرف عن سوااااد ويهج .. لكن وووالله ثم وووالله ثم وووالله ماااا يسسسسدنيه الا نفااااااااادج يالـ.......
توقف عن صراخه ما ان باغته صراخ أبا حميد الذي رجع للتو من المسجد: احمــــــــــــد ..
شو تسوي وشو هالزعيق كله ..؟!!
نهضت عوشه وجسدها يهتز بالكامل وركضت اتجاه والدها واختبأت خلفه وبدأت تبكي بكاء عالي اوجع قلب والدها عليها .. فهو لا يتحمل ان يرى ابنته بهذه الحالة ..
حتى وان كان قد قسى عليها في الايام الفائتة .. ولكنها تضل عوشة ..
ابنته البكر .. اول فرحته واعذب هدية اتته من رب العالمين ..
امسك بابنته واحتضن كتفيها بخفة وهدر بقوة موجهاً كلامه لأحمد: بلاااااكم .. شو مستووووي خبروووني ..!!!
رمق احمد وجه أبا حميد بنظرات سوداء غير مفهومة ثم ارسل ذات نظراته للتي تختبئ خلفه ..
لم يرف له جفن .. وكأن الذي حدث ويحدث قد سلب الحياة من جفناه ..
اقترب ببطئ من الاثنان وقال بـ نبرة خلت من كل معالم الحياة وهو يقف بشموخ قامته الأبية:
بنتك طالق بالثلاث .. وتحرم عليه ليوم الله ياخذ امانته ..
وكقسوة كلماته تحرك بعيداً ليخرج وهو يسمع من ورائه صياح ام حميد وابا حميد وهو يغمغم بـ صدمة كاسحة: لا حول ولا قوة الا بالله استغفر الله العظيم واتوب إليه استغفر الله العظيم واتوب إليه ..
.
.
***
**
*