الفصل 1
وقعت أحداث تلك القصة بمستشفى النور بمكة المكرمة ، وبالتحديد في غرفة الطوارئ حين تم استدعائي لحالة طارئة فقد وصلت للمستشفى امرأة مغربية دخلت في حالة إغماء وهي تؤدي مناسك العمرة ، كانت أصابع قدميها ورجلها زرقاء بل تكاد تكون سوداء ، واتضح لي من التشخيص أنها مصابة الجرجرينا .
لم يكن هناك حل لتلك الحالة سوى بتر الجزء الميت من الأصابع والقدم قبل أن ينتقل المرض لباقي الأطراف ، خاصة وأن السكر كان مرتفع لدى المريضة ، الأمر حقًا كان صعبًا للغاية وما زاده صعوبة هو موقف زوج المريضة ؛ الذي رفض التوقيع على ورقة تفيد بموافقته على إجراء العملية ، وإخلاء مسئولية الأطباء في حالة إجراءها ، وكان هذا هو الإجراء المتبع في مستشفيات العالم أجمع .
فانتابني الفضول لمعرفة سر إصرار الرجل على الرفض رغم خطورة حالة زوجته وهي مازالت في منتصف العمر ، وذهبت إليه كي أقنعه بالتوقيع لأن في الانتظار خطورة على صحة الزوجة فقال لي : الأمر ليس بيدي أيها الطبيب ، فتعجبت من ذلك إنها زوجته وهو الوحيد الذي يحق له التوقيع .
فأكمل قائلاً لكي يزيل علامات الاستفهام التي على وجهي : إنها تعلم بأمر مرضها وقد أخبرنا الأطباء في المغرب بكل ما أخبرتمونا به ، ولكنها رفضت التوقيع هناك وجئنا بالأمس للعمرة طالبين من الله الشفاء ، وقد أقسمت عليا زوجتي ألا أوقع على بتر أي طرف من أطرافها لسر في قلبها ، أخبرتني أنها ستقوله لي فيما بعد .
فحاولت مرارًا أن أقنعه بالتحلل من يمينه خاصة أن الأمر ملح ، وقد تموت الزوجة إن لم يتم بتر قدمها ولكنه لم يرضخ لمحاولاتي ، فطلبت منه الذهاب للحرم وأخذ فتوى الشيوخ في الأمر ولكن دون جدوى .
كنت أظن في بادئ الأمر أن الزوجة أرادات الموت والدفن في مكة أرض الله الطاهرة ، والزوج يساعدها على ذلك لأنني رأيت حالات عدة لحجاج ومعتمرين كان كل أملهم الوحيد هو الموت في الحرمين الشريفين والدفن بجوار الرسول صلّ الله عليه وسلم ، وهو بالطبع تصرف خاطئ ينبغي ألا نشجع عليه .