الفصل 1
يُحكى أنه في زمن الخليفة المعتضد بالله العباسي سنة 281 هجرية كان لشيخًا من التجار ببغداد دين عند أحد الأمراء ، وهو ليس بالدين القليل ، وكان كلما طلب المال يرفض الأمير ويمنعه من مقابلته حتى وصل به الحال أن أمر غلمانه بطرده وأذيته حينما يأتي للمطالبة بماله ، فاشتكى التاجر ذلك إلى الوالي ، ولكنه لم يفعل شيئًا ، فلم يزد الأمير ذلك إلا منعًا وجحودًا .
فآيس الرجل من المال الذي عند الأمير ، واعتلاه الهم من جهته فبينما هو كذلك حائر لمن يشتكي أمره ، قال له رجل تقي لما لا تشتكيه إلى فلان الخياط إمام المسجد ، فتعجب التاجر وقال لم يقدر عليه الوالي فماذا عسى الخياط أن يفعل في هذا الأمر ، وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه أمرًا .
فقال له الرجل إنه أقطع وأخوف عنده من كل من اشتكيته إليهم ، وبالفعل ذهب التاجر إلى إمام المسجد ، وحكى إليه ما فعله الأمير من حجب الدين عنه وإيذائه ، فقام معه الخياط وذهبا سويًا إلى الأمير ، فلما رآه الأمير احترمه وأكرمه .
فدنا منه الخياط وقال له : ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت ، حينئذ تغير لون الأمير وعلى الفور رد إلى التاجر حقه فور ، فتعجب التاجر من ذلك أشد العجب ، وتساءل في نفسه : كيف لتاجر فقير مع رثاية حاله وضعف بنيته أن يأمر الأمير وينطاع له ، ولم يكتم الرجل فضوله وسأل الخياط عن خبره .
فقال الخياط : إن سبب ذلك حادثة وقعت مع أمير تركي كان يسكن في جوارنا ، فمرت به ذات يوم امرأة لها من الجمال قدر كبير ، وكانت قد خرجت من الحمام لتوها ، فقام إليها وهو في حالة من السكر يريدها عن نفسها ، وحاول أن يدخلها منزله فأخذت تصرخ وتستنجد بالمسلمين قائلة : يا مسلمين أنا امرأة مسلمة ، ومتزوجة ، وهذا الرجل يحاول أن يدخلني منزله بالقوة .
فقال الخياط : فقمت إليه أنكر عليه فعلته ، وحاولت تخليص المرأة من بين يديه ، فضربني بدبوس فى يده فشج رأسي واستطاع بقوته أن يغلب المرأة على نفسها ويدخلها منزله رغمًا عنها ، فعدت إلى المسجد ، وغسلت الدم ثم عصبت رأسي وبعدها صليت بالناس العشاء ، ولما انتهيت أخبرت المصلين بما فعل ، وطلبت منهم أن يقوموا معي لننكر عليه فعلته ونخلص تلك المسكينة من بين يديه .