شئ من الندم - 53 والاخير - بقلم هند صابر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شئ من الندم
المؤلف / الكاتب: هند صابر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: 53 والاخير

53 والاخير

رواية شيء من الندم الفصل الثالث والخمسون والأخير افلت يديها و هو يقبل عنقها و وجهها و رفعت يديها بسرعة الى صدره لتبعده لكن اصابعها شدت على قميصه بدلا من ان تبعده تشبثت به و كأنها تطالبه بالمزيد من الحب و تلك المشاعر المتوهجة. امسك وجهها بكلتا يديه و قال و هو ينظر بعينيها و بانفاس مضطربة: "اخيرا...... اخيرا يا سعاد قلتها....... اردت ان اسمعها منك منذ نبض قلبي بحبك..... لا تعرفين ماذا فعلت بي يا سعاد الان باعترافك بمشاعرك........ انت وهبتني حياة بأكملها و قوة و أمل و جرأة كنت افتقدها" قالت و هي تضع يديها على يديه: "لا اصدق انك تريد ان تتزوج و تتركني!..... كيف تفكر بذلك مع انك تحبني و بيننا طفل؟.... كنت بانتظارك يا داغر..... ظننت انك ستأتي الي بأي لحظة لتخبرنني عن زواجنا نحن و ليس من امرأة اخرى" مرر يديه على شعرها و قال بمنتهى الصراحة و بريق من السعادة بعينيه: "كنت اشك بمشاعرك نحوي يا سعاد و لا مرة اظهرت لي مودتك و لامرة لمست رغبتك بي دائما هاربة مني و خائفة من قربي..... تنظرين لي بجفاء و نفور و دائما اشعر بنظرة احتقار بعينيك و دائما تطالبيني بالابتعاد عنك....... كنت اترقب تلك الكلمات من شفتيك و احلم بها كل يوم........ حتى الطفل تمسكت به بقوة حتى يكون حبل الوصل الذي يربطني بك طول العمر .......... يكفيني انه ابن سعاد حتى احبه اكثر و اضعه بعيني و وسط قلبي .... بالاخر فكرت ان ابتعد لأنني لم اشأ ان اظلمك اكثر و ان اجبرك و اكرهك على محبتي........ كنت اخشى على الدوام ان تظهري لي محبة مزيفة من اجل الحصول على ابنك....... ما زلت لا اصدق انك تحبينني من اجلي فقط و دون اهداف اخرى....... لا اكاد اصدق........ كأنني في حلم....... سعاد لا تخذليني مجددا....... ارجوك" وضعت رأسها على صدره و قالت بهمس: "لا تتركني ابدا...... لن اسمح لك ان تبتعد عني........... و الله احبك و الله لم اعرف غيرك بحياتي....... اقسم بالله و بغلاة ابننا ان زواجي من فوزي كان اسميا فقط خشية من ابي و مجاهد و من كلام الناس و فوزي كذب عليك لأنه كان مقهورا و مستاء منك و اراد ان يحرق قلبك و يؤذيك مجرد ردة فعل من قبل انسان عاجز و مضغوط و ليس له الا الكلام ليسترد به شيئا من كرامته" امسك يديها و قال بسرعة و بريق حزم بعينيه: "تعالي معي يا سعاد" هي و بقلق: "الى اين؟..... داغر......... داغر ارجوك عليك ان" كان يسحبها بأصرار حتى توقفت عن الكلام و تركت لنفسها حرية الاختيار بدون تأثير اي ضغوط اخرى........ ستكون مسؤولة عن نتيجة افعالها و استسلامها لداغر. .................................................. ................................. كانت دموعها محبوسة بين جفنيها و العبرة تخنقها و كل الذكريات الاليمة مرت بذاكرتها بهذه اللحظات و هي تجلس امام داغر و تنظر بعينيه و المأذون الشرعي يخوض بأجراء تزويجهما و داغر يبتسم ابتسامة باهتة و هو يتمعن بعينيها و كأنه لم يصطبر بعد على اي لحظة تبعده عنها. اتخذ قراره بأن يتزوجها و لم يعد يأبه لكل شيء و كأنه تبرأ من قبيلته و نسي مواعظ امه و جبروت ابوه و جرأة مجاهد و خطبته لابنة عمه جاسر! ... نسي كل شيء و لم يرى امامه سوى سعاد ابنة الفلاح والدة ابنه........و هي رغم كل المآسي و الذكريات القاسية اغمضت عينيها عندما انتهت الاجراءات و غمرتها الفرحة لأنها اصبحت اخيرا لداغر ابن علام الذي احبته حبا لا يوصف رغم ذنوبه و قسوة افعاله ياله من عشق هذا الذي تعشقه لهذا الرجل! انها اليوم صدقت كل كلمة قالها و رفرف قلبها بين ذراعيه .... و مؤمنة انه تغير........... تغير كثيرا و بدى لها رجل محب مضحي و اظهر لها رقة و رومانسية سلبت فؤادها ........ شعرت بصدق حبه بكل لمسة من يديه و بكل همسة من شفتيه و بكل دقة من قلبه........ نعم انها لمست العاطفة المتقدة بداخله كلما اقتربت منه. .................................................. ............................. بنفس الليلة عادت الى بيتها و تأملت بوجه امها و هي تسير متجهة الى غرفتها ببطء و كانت امينة جالسة على سجادتها امام القبلة مرتدية الثياب البيضاء و بقيت تنظر الى سعاد بنظرات غريبة مليئة بالريبة و النفور و كأنها تتهمها و تشك بأفعالها. توقفت قبل ان تدخل الغرفة عندما قالت امينة بتخاذل و احباط و غضب: "رحل الاب..... و غاب الاخ...... و عجزت الام و رخصت البنت" التفتت اليها بسرعة ثم هزت رأسها و اسرعت اليها و ركعت امامها و تناولت يدها المرتجفة و قبلتها قائلة بدموع: "لا....... لا تقولي ذلك.... ما زال هناك الامل يا امي........ لم ارخص لأحد و داغر لم يتركني ارخص....... داغر تزوجني و بأرادتي لأني احببته و لأني اريد ابني....... ارجوك لا تغضبي مني...... دعوني ارى نفسي مرة واحدة فأنا تحملت بما فيه الكفاية و ضغطت على نفسي و كتمت و دست على كل ما بداخلي من اجلكم كلكم و لم ارضخ مرة واحدة لأي شيء يسيء اليكم......... الليلة تزوجت داغر و لست نادمة" .................................................. ............................. في اليوم التالي و قبيل الغروب سمعت سعاد طرقا خفيفا على الباب و عندما فتحته قطبت جبينها عندما رأت امامها امرأة منقبة و لم يظهر لها سوى عينيها....... قالت بأستغراب: "من انت؟." فوجئت بالمرأة تدخل الى الداخل بسرعة قائلة: "اغلقي الباب ارجوك" شهقت و تبعتها قائلة بصدمة: "بثينة؟!" ابعدت بثينة النقاب عن وجهها و بدت خائفة و شاحبة و عينيها حمراوين و كأنها قد بكت كثيرا و قالت بشفاه جافة و بقلق و رعب: :"سعاد....... انها معضلة و كارثة........ انها كارثة" اتسعت عيني سعاد و اسرعت اليها امينة قائلة بفزع: "ماذا حصل يا ابنتي؟" سعاد و بسرعة: "هدئي من روعك و التقطي انفاسك........ اخبريني على مهلك انا لا افهم ماذا تقصدين و لماذا اتيت متنكرة هكذا و اين مجاهد؟" بثينة عبر دموعها و هي تمسك بطنها: "لم اكن اعلم ان مجاهد سيفعل بي كل هذا بعدما فعلته من اجله....... لم اكن ادرك نوايا مجاهد......... لا وقت لدينا يا سعاد حتى نتحدث جئتك هاربة منهم........ اعني من بنو حجير" شهقت سعاد و قالت امينة بصدمة: "لا تقولي انكما كنتما " بثينة و بدموع الندم: "انا ساعدت مجاهد و هربته و لم اعلم ان له تواصل و تعاون مع بنو حجير....... كنا طوال الفترة عندهم........كنت عند اعداء قبيلتي........ علينا ان نوقف ما يحدث يا سعاد.... لم استطيع الذهاب الى اهلي لتحذيرهم لأني خائفة منهم و ادرك انهم سيقتلونني حالما اصل....... مجاهد الليلة سيهاجم فيلا الشيخ علام ...... سيغير على بيتنا بيت ابي و اخوتي هو و رجاله و بمساعدة بنو حجير......... لم اكن اعلم انه يخطط لتلك المؤامرة طوال الوقت ........ لديه مجموعة كبيرة من الرفاق الاشداء المجهزين بالسلاح و يريدون قتل ابي و عمومتي و اخوتي........ يا سعاد انا وقعت ضحية حبي لمجاهد واليوم وجدت نفسي اقف مع اعداء قبيلتي الذين يخططون للاغارة على اهلي و قتلهم....... مجاهد لم يأبه لما فعلته من اجله و لم يأبه للطفل الذي احمله و لا يريد ان نعيش معا بهدوء و سلام........ انا ضحيت من اجله بكل شيء و تبعته و ساندته ضد ابي و كل ال مالك و بالنهاية وجدته مجرد مجرم يفكر بسفك الدماء و يضع يده بيد عدونا......... هربت منه لأني لم اعد اطيق ما يفعله....... انا متعبة يا سعاد....... حتى انني انزف طوال الطريق........ انقذي اهلي يا سعاد و انقذي مجاهد من مغبة ما سيحصل من كارثة و فجيعة" ثم امسكت بطنها و انحنت و كأنها تتألم بقوة. وضعت سعاد يديها على صدرها بفزع و قالت امينة بخوف كبير: "يا الله......... يالله....... البنت ستفقد الطفل ماذا سنفعل يا سعاد؟" اسرعت سعاد راكضة لتغطي رأسها و هي تقول بقلق: "تصرفي يا امي و اجلبي القابلة لتساعدها ........ اتركيني انا ارجوك.......... انها مصيبة كبيرة" تبعتها امينة و امسكت ذراعها قائلة بهلع: "أ جننت؟تريدين الابلاغ عن مجاهد؟......... تريدين ان تنقذي ابن مالك؟" انتزعت يدها قائلة بانفاس متلاحقة: "اتركيني" و ركضت مسرعة حتى انها تألمت في معدتها و بطنها لأنها كانت تهرول بكل ما لديها حتى تقابل داغر و تبلغه بالامر. طوال طريق المزارع و هي خائفة و مترددة ترى أ صواب ما تفعله؟......... ماذا سيفعل داغر لو علم؟....أ سيؤذون مجاهد و يقومون بقتله ام سيتداركون الامر بطريقة اخرى؟ ماذا حل بها ؟......... لماذا اصبحت تأمن لداغر و تريد ان تسلم له رقبة اخيها؟ تريد ان تحبط كل مخططات مجاهد الذي كان يشقى و يسهر حتى ينجحها و يتحمل شتى انواع العذاب؟ انها ستقضي على عمل مجاهد لمدة اشهر طوال وعلى مؤامرته الكبيرة....... حلمه الذي كان يسعى لتحقيقه طوال الوقت. ترى لو علم مجاهد بأنها السبب وراء فشله سيسامحها؟ تعرق وجهها و عنقها و كل جسدها و هي تركض حتى بدأت تتكاسل الخطى و تتعثر بأفكارها و مخاوفها و خيط الظلام اسدل على المزارع و بدأت الرياح تهب هبوبا بطيئا و خفيفا. تريد ان تحبط كل مخططات مجاهد الذي كان يشقى و يسهر حتى ينجحها و يتحمل شتى انواع العذاب؟ انها ستقضي على عمل مجاهد لمدة اشهر طوال و مؤامرته الكبيرة....... حلمه الذي كان يسعى لتحقيقه طوال الوقت. ترى لو علم مجاهد بأنها السبب وراء فشله سيسامحها؟ تعرق وجهها و عنقها و كل جسدها و هي تركض حتى بدأت تتكاسل الخطى و تتعثر بأفكارها و مخاوفها و خيط الظلام اسدل على المزارع و بدأت الرياح تهب هبوبا بطيئا و خفيفا... وقفت في منتصف الطريق و اغمضت عينيها..... عليها الاختيار و فورا تعود ام تواصل؟........ تذهب الى بيت علام الظالم المعدوم الضمير الذي يؤذي الناس و يستنفذ اموالهم وجهودهم و يقتلون الابرياء و يتجبرون و تخبره عن هجوم مجاهد و ذلك من اجل داغر حبيبها و زوجها و والد ابنها؟....... مجاهد يريد ان ينقذ القرية من شرهم و من حكمهم المتعسف و لطالما رأته يضرب اليد باليد من شدة ظلمهم و يتنهد و يتحسر ربما لهدف نبيل في نفسه و الا لما يضحي و يضيع سنوات من شبابه و يتخلى عن عفاف و يضطر ان يتزوج من بثينة و يربط نفسه بعدة قيود من اجل الناس........ كانت تتهم مجاهد دائما بالانانية وحب الذات و الجنون لكنها تشك بقرارة نفسها بنواياه ربما كانت مخطئة و ربما مجاهد لديه اهداف لم تفهمها....... لكنه اخطأ ...... اخطأ كثيرا بتحالفه مع العدو...... بنو حجير يريدون فرض هيمنتهم على اراضي ال مالك و ايقاع رجالهم بالاسر ...... لا........ لا يمكن ان تعرض داغر للأسر و القتل....... مستحيل. وصلت الى مشارف الفيلا في وقت متأخر بسبب اعتلالها و مخاوفها و بتعب ارتمت على الاسوار الحديدية و تأملت الحديقة ذات المصابيح الخافتة و تطلعت الى المشارف العالية و ابتلعت ريقها و نادت على احد الحراس قائلة بانفاس لاهثة: "انت يارجل........... اريد مقابلة السيد داغر لأمر هام و ضروري ارجوك............. اتوسل اليك ابلغوه بوجودي هنا" تطلع بها الرجل من الاسفل الى الاعلى و قال بعدم الاكتراث: "اذهبي يا فتاة السيد داغر غير موجود" قالت بتوسل: "ارجوك.... دعني اقابل اي شخص هنا .....انت لا تعلم ماذا سيحدث الليلة........... ارجوك دعني ادخل" قال الحارس الاخر: " اليست هذه هي ذاتها الفتاة المجنونة التي امرتنا الحاجة بطردها ان اتت و طلبت الدخول؟" قالت بانفاس متقطعة: "بنو حجير سيهاجمون القرية الليلة...... سيهاجمون الفيلا و" ضحكا معا و اشار احدهما للأخر بأنها فاقدة عقلها و تتفوه بالحماقات...... و بعد ان بالغت بالحاحها قال احدهما بجدية: "السيد داغر خرج قبل ساعة........ و الحاجة الكبيرة سافرت فجر اليوم الى المدينة........ هيا اغربي يا فتاة ممنوع الدخول" قالت بدموع: "يا الهي....... ارسلوا الى السيد داغر اي خبر بالله عليكم الامر بغاية الخطورة ......... اخبروه اني انا سعاد بانتظار عودته امام الفيلا لأبلغه امر بمنتهى الخطورة" تطلعا احدهما بوجه الاخر و بقيا صامتين و هي تفرك بيديها حتى تراجعت كالطير المكسور الجناح لا حيلة لها........ ماذا ستفعل؟..... الوقت مر و تدارك و لا تعلم بأي لحظة سيأتون و يداهمون الفيلا و هي ما زالت خائفة و حائرة ما بين العودة او البقاء او ربما عليها الذهاب الى قصر جاسر القريب من هنا؟....... الاختيار صعب بين اخوها و داغر و ابنها....... و هي الان بصمتها ستخسر الثلاثة و لو تكلمت لا تعلم من سينجو منهم؟........... لا يرضيها هلاك مجاهد ابدا و لا موت داغر و ضياع ابنها و يتمه........ ابنها؟....... من يدري ربما ابنها هنا؟!........ يا الهي! عليها ان تتصرف و تبحث عن داغر ركضت بسرعة مبتعدة لمسافة بسيطة عن الفيلا و دموعها تنهمر ماذا تنتظر؟ ..... توقفت فجأة و اتسعت عينيها و هي تشعر بشخص يمسكها و يقيد يديها من الخلف و يحيط عنقها بذراعه القوي جدا! ثم سحبها الى الشجرة الكبيرة و همس بأذنها صوت مجاهد و هو يقول بغيظ: "حقيرة يا سعاد....... جئت لأبلاغه؟ تريدين احباط اخوك؟..... ما كنت اتصورك هكذا من اجل عشقك لأبن مالك تضحين بي و بأهلك و اقاربك و اهل القرية الابرياء ....... سأكتم فمك و اجعلك هنا تنظرين ما سيحدث امام عينيك و اجعل قلبك يحترق بالجحيم الذي سأضرمه في هذه الفيلا و احرق من بداخله......... لا تستهيني بقدرات اخوك" كان يخنقها بذراعه و قبل ان تنطق اي كلمة كمم فمها و قيدها على الشجرة و هو لا يريد سماعها...... تريد ان تقول له شيئا و لو كلمة واحدة دون جدوى انه مصر بكل ما لديه حتى انها تلفتت حولها فوجدت رجاله مختبئين بالظلام و منتظرين منه اشارة للأقتحام و قتل حراس الفيلا........ كلهم مسلحون و يضعون اللثام على وجوههم متمثلين بزي رجال بنو حجير. اختفى مجاهد و ساد الصمت و لم تعد ترى احدا منهم او تسمع شيئا حتى تحركت بقوة شديدة عندما شاهدت سيارة داغر تتوقف امام باب الفيلا و شاهدته ينزل و كم تعذبت لأنها قريبة و لا تستطيع الكلام او تحذيره...... رأته يدخل الى الحديقة و تدفقت دموعها عندما رأت ابواب الفيلا تغلق و بدأ رجال مجاهد يتحركون و بأعداد كبيرة فوق ما توقعت و رأتهم يتلقون التعليمات من مجاهد و يتهامسون. اغمضت عينيها و هي تشعر بالانهيار ليت الحراس اخبروا داغر شيئا عن مجيئها. هزت رأسها استنكارا و رفضا عندما انطلقت الرصاصة الاولى لتعلن بدأ الهجوم و بعد ذلك سمعت الاطلاقات تأتي من كل الارجاء على الفيلا حتى سقطوا الحراس قتلى و اضرمت النيران امام باب الفيلا الامامي و الخلفي و يبدو ان نفس الهجوم كان على قصر جاسر ......... هكذا سيحرق قلبها بحرق تلك الفيلا على اصحابها. كان مجاهد متألق الليلة بمعداته و استعداده لتلك الحرب التي بدى فيها الرابح و المنتصر لا محالة لأنها اتت بغتة على ال مالك. خفقت اهدابها المبللة بدموعها عندما فجأة تغير الحال و انقلب السحر على الساحر! حيث ظهر اعداد كبيرة من المسلحين من كل مكان و اطلقوا الرصاص على رجال مجاهد حتى من اعالي مشارف البناية و حدث شباك لا يعلم نهايته الا الله وحده. احمرت السماء من شدة القصف و الاصوات المرعبة و بدأت حرب كبيرة بقدوم قوات من بنو حجير و الدخان ملأ الجو و رأت ابواب الفيلا تفتح و يدخلون رجال بزي بنو حجير و يقتحمون الداخل بينما يخرجون ايضا جنود ال مالك و يشتبكوا معهم فكلا القوتين لا يستهان بها و استمر الشباك قرابة ساعتين حتى شاهدت مجاهد يركض اليها و قد خلع لثامه و اقترب منها و ابعد الكمام عن فمها قائلا بانفاس متلاحقة: "عليك ان ترحلي بسرعة يا سعاد ربما ستقتلين هنا....... ارحلي" قالت ببكاء و هو يفك وثاقها: "ماذا فعلت يا مجاهد لقد اشعلت الدنيا ارأيت انهم لا يستهان بهم.......... يا مجاهد كفى و انسحب و اهرب........ اهرب كفاك........ يا مجاهد ارحمنا كفى.......... ان" قاطعها احد الرجال جاء يهرول قائلا و بانفاس لاهثة و متقطعة: " مجاهد ........ لقد ابدنا رجال جاسر جميعا لكننا لم نجد لا جاسر و لا اولاده بالداخل......... لقد هربوا" ضرب بقبضته على جذع الشجرة بغضب و قال بصراخ: "فشلتم...... فشلتم" ثم التفت الى الفيلا و قال بصراخ: "سأقتلهم جميعا.......... سأقتل علام بيدي" ثم جذب سعاد بقوة عندما شاهد الرصاص ينبعث من كل جانب....... تمسكت بياقته قائلة بتوسل: "مجاهد.... أمرهم بالتوقف ارجوك و اهرب........ لا اريد رؤيتك ميتا اليوم........... تعقل يا اخي نحن الخاسرين" تطلع بعينيها و شعرت بتأثره و كأنه يفكر بكلامها خاصة بعد ان استشعر الهزيمة بالتدريج و التفت الى الفيلا ليرى ظهور جنود ال مالك و بأسلحة جديدة و بأعداد اكبر ثم نظر الى سعاد و استشعرت الضيق بنظراته قالت و هي تهزه: "اهرب........... اهرب" أومأ برأسه موافقا و قال بسرعة: "عودي الى البيت من ذاك الطريق و انا سأهرب يا سعاد....... لا اريد الاستسلام و لن اسمح" وتوقف عن الكلام و التفتا معا و بسرعة عندما سمعا صوت عفاف تصرخ و تنادي على مجاهد و هي متجهة الى الفيلا و بمنطقة الخطر. قال بغضب و هو يشير اليها: "ارجعي يا عفاف...... لا تقتربي....... ارجعي" كأنها لم تسمعه و كانت تخطو صارخة و ظهر رجل قائلا: "مجاهد اقتحمنا بعض غرف الفيلا و قتلوا رجالا بعض من ال مالك و الان ماذا سنفعل؟" قبل ان يتفوه مجاهد بكلمة ركضوا بعض رجال ال مالك و اطلقوا الرصاص حتى سقطوا رجال بنو حجير قتلى و منهم الرجل الذي كان يتكلم لتوه. بهذه اللحظة ركض مجاهد الى عفاف ليتلقفوه بالاطلاقات و هو يصل الى عفاف ليحميها من الرصاصات التي تلاقها كلها بظهره و صرخت عفاف و هي تحتضنه و بهتت ملامح سعاد التي كانت متوقعة تلك اللحظة منذ البداية و انهمرت دموعها و هي ترى مجاهد قد مات و هو محتضنا لعفاف التي اصيبت بجبهتها و ماتت هي الاخرى. بقيت تراقب النيران التي تتصاعد و احاطت فيلا علام من كل جانب و قالت بهمس: "رحماك يا الله.......... ابني" شيئا فشيئا انتهت هذه الثورة التي احدثها الفارس........... فارس القرية مجاهد بعد ان قتلوا كل رفاقه و انسحبت قوات بنو حجير و بدأ يشاع بكل مكان مقتل الشيخ علام و الناس كلهم مجتمعين ينظرون الى نهاية ثورة مجاهد و اصوات الهتافات و الأسف و الويلات تمر على مسامعها فالبعض يمجد بمجاهد و رفاقه و البعض يذمه و الذي اثار عجبها ان الناس كلها تهتف بخسارة الشيخ علام الرجل التقي العادل! تساقطت دموعها و هي ترى اجتماع السيارات و اقتحام الناس للفيلا و تشهد اخراج الجثث من الداخل و قلبها ذبيح لا تريد ان ترى داغر من ضمن تلك الجثث....... لا تريد ذلك. اقتربت اكثر و كانت مختنقة ببكائها و ضعف جسدها و اضعف قدرتها على الحراك و فجأة خفق قلبها خفوقا قويا عندما خرج الى الناس احد ابناء علام و قال بانفعال: "مات الشيخ علام و اخي الكبير سليم و عدد من رجالنا المخلصين لكن هذا لا يعني هزيمتنا ايها الناس ............. نحن اولاد الشيخ علام ابناء مالك سنواصل المسيرة و نتبع نهج والدنا و سياسته العادلة و بئس العاقبة للخونة و الجواسيس الذذين عملوا لصالح بنو حجير الذين فرو كالجرذان" وضعت يديها على صدرها و هي تتمالك انفعالها و تكتم بكائها و اسرعت و هوت على مجاهد و عفاف و قبلتهما قائلة بصوت خافت: "ليغفر الله لك يا اخي... قتلت نفسك بيديك" .................................................. ................................. بعد مرور عدة اسابيع على الفاجعة في تلك القرية طرق باب بيت شعلان طرق بطيء و رتيب. قالت امينة و هي تجلس بالصالة المظلمة: "لا تفتحي يا سعاد لا نريد رؤية احدا............... دعي الطارق يرحل لا نريد ان نفتح علينا باب لدخول الشر من جديد.......... لا تفتحي" بقيت سعاد واقفة في المنتصف و قلبها يخبرها ان الطارق هو و ليس من العدل الا تفتح له اذ ان مصابه مثل مصابها و لا ذنب لكليهما بتلك الحرب. قالت و هي تنظر الى امينة الثكلى: "دعيني اذهب يا امي ليس لي القدرة على التضحية بعد.......... انا واثقة من ان ذلك الذي خلف الباب هو داغر و جاء من اجلي.......... ما زلت اريده فأنا زوجته و بيننا طفل" ابعدت امينة بصرها الى الناحية الاخرى و اتجهت هي بقلب ملهوف و فتحت الباب بسرعة.......... رفع داغر بصره و تطلع بها و ساد صمت بينهما حتى قالت بصوت خافت: "تفضل" دخل ببطء و تطلع الى امينة بتجهم عندما قالت بحدة: "نعم يا ابن مالك؟......... هل لك شيئا عندنا بعد؟........ بثينة اتت اليها امك و اخذتها ولم تعد تحمل ابن مجاهد الطفل ايضا مات كأبوه و محى بذلك اسم مجاهد لم يعد هناك شيئا يزعجكم" قال ببهوت: "لم آتي غاصبا او فارضا نفسي عليكم............. جئت طالبا آخر امل لي عندكم................ سعاد" بقيت امينة تنظر الى الناحية الاخرى حيث النافذة المفتوحة ........... تقدم خطوات الى سعاد التي هي بدورها اقتربت منه و مد لها يديه قائلا: "هل من امل جديد يا سعاد...... الذي حصل هو ثمار لأخطاء كثيرة و قربان لأحقاد و اضغان نفسية..... ان لقتل ابي حرارة بقلبي وحزن يختلف عن كل شعور اخر كنت اتسائل يوميا لماذا وصلنا الى هذه النهاية؟...... ربما لو كان الشيخ علام رجلا عادلا و يحب اهل قريته لما حصل لنا كل ذلك............ عشنا طوال حياتنا اسياد على الناس نمتص بدمائهم حتى تسممنا من السم الذي يسري بدمائهم من كرهنا........ انا لا الوم اخوك لأول مرة لا الومه فبالتأكيد له دوافعه االكثيرة ............. يا سعاد يا حبيبتي انا قررت الرحيل مع ابني عن هذه القرية الى الابد لا اود ان الوث حياته بأضغان الماضي و الاحقاد الدفينة .......... اريد ان اعيش بمكان نظيف و اشم هواء نقي و يا حبذا لو كان ذلك مع الفتاة التي اعشقها......... اعلم ان طلبي هذا صعب عليك فأنا اطالبك بترك امك و اختك و رائك و احزانك و ذكرياتك ايضا........... لكني لا استطيع بعد البقاء هنا و لك حرية الاختيار فأنا لا احب ان امارس عليك ضغوطا او اوجه اوامر فقد بلي ذلك الوقت الذي كنت فيه داغر ابن علام و ولى........... انا الان داغر فقط ......... لا تفاخر بالاهالي و لا خيلاء....... اريد ان اعيش معك ومع ابننا كعائلة لا تعرف للحقد و الكراهية وجه و لا للتكبر و التعالي صورة........... انا و انت فقط" تطلعت سعاد الى امها التي كانت تنظر اليها بتجهم و بقيت تنظر اليها كأنها طالبة منها الاذن حتى تتخذ قرارها بأرتياح كأنها تقول لها اسمحيلي ان اذهب معه و باركيلي حياتي مع عائلتي الصغيرة ان داغر انسان جديد لا بأس به لديه طاقة كامنة من الحب و القدرة على اسعادها........ اومأت لها امينة ببطء موافقة و ابتسمت هي ابتسامة فيها من المرار الكثير فهي مهما سعدت الان و فرحت فصور و وجوهه الاعزاء لا يمكن ان تفارق خيالها........ شعلان....... مجاهد......... عفاف...و اخيرا ستفارق امها و جميلة....... لكن عجلة الحياة ما زالت تسير و لا يمكنها التوقف عند هذا الحد ....... وضعت يديها بيديه ثم عانقها برفق و قبل جبينها و هي تقول بجدية: "آتية معك اين ما تذهب فأنا مؤمنة بكلامك و بك و احبك" .................................................. ........................ دخلت معه الى الغرفة و كأنها تعيش لحظة خيالية بعيدة عن واقعها كثيرا و كان قلبها يخفق فرحة و غبطة و يديها ترتجفان و غير مستقرتان و كم شكرت الله على رحمته لأنه اوصلها اخيرا الى طفلها. كانت غرفة مهيبة و ضعيفة الانارة و فركت يديها بسرعة عندما رأت مهد الطفل و بقربه امرأة لترعاه و تهتم به......... اشار داغر للمرأة ان تخرج و قال لها بهدوء: "هذا ابنك......... هيا خذيه و احضنيه كما تشائين" اسرعت هي الى السرير بتلهف كبير و بشغف و تغيرت ملامحها عندما وقع بصرها على طفلها ذلك الملاك الجميل......... ضحكت بصوت مرتفع و دموعها بعينيها و هي تمد يدها اليه و تحمله برفق لقد اذهلها شكله و هيئته انه ليس له مثيل يبدو كالبدر المضيء و شعره الاسود الناعم متناثر حول وجهه........ ضمته الى صدرها و هي تبتسم و تبكي و تبدو غير متوازنة بينما داغر يراقب الامر برضى و يبتسم و قال و هو يمرر يده على شعر الطفل: "اسميته صلاح" ثم احاطها بذراعه قائلا بابتسامة جميلة: "احبك يا أم صلاح" اسندت رأسها على صدره و اغمضت عينيها و هي تشعر بأمان كبير لم تعهده من قبل. النهاية كتبتها " هند صابر " *** ** *