الفصل 52
رواية شيء من الندم
الفصل الثاني والخمسون
تطلعت به و قالت بنظرة حزن و صوت باهت: "لا يمكنك ان تفعل شيئا لهما يا داغر....... بينهما طفل...... بثينة حامل... و ان كنت تود حمايتنا كما تدعي اتركهما هاربين"
صر على اسنانه و بقي صامتا و هو يتطلع بسعاد ثم قال بغيظ مكتوم: "حامل ايضا؟........ و المطلوب مني ان احميكم هذه المرة ايضا و احمي مجاهد..... اليس كذلك؟"
ثم اقترب بسرعة منها و قال بحدة : "انا اسف......... هذه المرة لا شأن لي يا سعاد....... الشيخ علام يتوعده بالقتل و قتل بثينة ايضا......... و انا سأجلبهم بنفسي......"
ثم ابتعد و اتجه الى الباب بخطى غاضبة الا انه توقف دون ان يلتفت اليها عندما اسرعت خلفه قائلة بضعف و نبرة يشوبها الخوف: "داغر"
وقفت خلفه و فركت يديها قائلة و هي تقاوم دموعها: "لن ادافع عن مجاهد هذه المرة و لم اطلب منك ان تنقذه........ مجاهد ليس بطفل و لست مسئولة عن تصرفاته و انا .......... انا خضعت له و سعيت لمساعدته اكثر من مرة يكفيني ذلك....... ليتحمل نتيجة افعاله ....... لكن........ لي طلب واحد منك"
ادار وجهه اليها ببطء قائلا: "وهو؟"
قالت و هي تتأمل بوجهه المترقب: "انت.......... لا تتدخل......... اترك الامر لهم و لا تشارك بالبحث..... لا تشترك بتلك الجريمة....... لا تكن السبب بقتل و تدمير عائلة...... افعل ذلك من اجلي"
اسدل اهدابه و زم شفتيه ثم رفع بصره قائلا بتأمل: "شيء واحد سافعله لاجلك يا سعاد....... و هو ان احميك انت..... فقط"
و ادار وجهه و خرج.
بقيت تراقب الباب الذي خرج منه بملامح حزينة و سحبت نفسا عميقا ثم التفتت عندما سمعت امها تقول بعتاب: "تخليت عن اخوك؟......... لا افهم قصدك و راء ابعاد ابن علام عن القصة و كأنك تتأملين شيئا منه"
تلاحقت انفاسها و قالت بصراخ: "مجاهد........... مجاهد......... كفى...... الى هنا وكفى يا امي..... اخي حطمني و لم يفكر مرة واحدة بنا.... لا يفكر سوى بنفسه.........مجاهد اناني...... انا فعلت ذلك من اجل ابني و ليس من اجلي غدا عندما يكبر و يعلم ان"
وقطع حديثهما طرقا على الباب........ التفتتا معا و اسرعت لتفتح الباب بتوتر و استغربت قائلة: "عفاف؟........ تفضلي"
دخلت عفاف بخطى بطيئة و كانت بحالة سيئة جدا اذ بدت محتقنة العينين و انفاسها غير منتظمة........ امينة و بسرعة: "ما بك يا عفاف؟....... احصل مكروه لابنتي؟"
هزت رأسها نفيا و قالت بنبرة مخنوقة و هي تجلس على الاريكة و تزيح حجابها: "لم يحصل شيء لبنتك........... الذي يحصل ....لي انا .......انني تدمرت و تحطمت............ انا اسفة يا سعاد لأني لم استمع اليك سابقا"
اسرعت اليها سعاد و قالت بتأمل و قلق: "ما الامر؟"
عفاف و بدموع و انكسار: " حاولت الصمود طيلة الفترة التي مضت............ لكن بعد ان علمت بهروب مجاهد مع ابنة مالك لم احتمل لقد تعبت......... انا متورطة مع مجاهد.......... تزوجني منذ فترة .......... لقد تورطت معه بذلك الزواج.......... لا اعرف مصيري معه بعد"
شهقت سعاد و التفتت الى امينة بصدمة بينما امينة اغمضت عينيها و هزت رأسها اسفا و استنكارا.
امسكتها سعاد بعنف و هزتها بانفعال قائلة: "غبية..... عمياء........ غبية"
عفاف و ببكاء: "لا اعرف ما جرى لي..... لم اشأ ان اخسره....... انا احب مجاهد و ضيعت نفسي معه......... اهلي لا يعلمون شيئا عن ذلك الزواج و اخوتي وافقوا على الرجل الذي تقدم لخطبتي و حددوا موعد معه..... لا اعرف ماذا افعل....... لا تتركوني ارجوكم......... ارجوك يا ام مجاهد انقذيني من هذه الورطة"
عضت سعاد على اناملها و هزت رأسها مستنكرة فعلة مجاهد.......... لماذا...... لماذا يا اخي تفعل بنفسك و بنا كل ذلك؟
.................................................. .................................
في اليوم التالي خرجت من الغرفة بسرعة عندما سمعت امينة تقول بنبرة مستضعفة و مصدومة: "اتيت بنفسك؟......... ت..تفضلي...... تفضلي"
دخلت تلك العجوز و بملامح كئيبة و عيون معاتبة و تطلعت بسعاد ثم بامينة و قالت بنبرة استياء و حزن: "لم اتوقع كل ذلك منك و من اولادك يا امينة............. فعلتموها واحدة بواحدة اليس كذلك؟............ انتقمتم من داغر بهكذا فعل؟........وضعتم رأسكم برأسنا؟........ لو كنت اتيت لي يا امينة منذ ذلك اليوم الذي اعتدى فيه ابني على ابنتك لكنت تصرفت و ساعدتكم و لتداركنا حمل البنت قبل ان يبان...... لكن يبدو انكم كنتم مسرورين بذلك الحمل و جاء لصالحكم ظنا منكم ان تورطوا ابن كبير ال مالك حتى يتزوجها و لما لم يتحقق مأربكم ماذا فعلتم؟....... ارسلتم مجاهد ليغرر بأبنتنا و يخدعها مستغلا برائتها و طيبتها ليورطها معه و يتزوجها بالسر و الخفية ليس بدافع الحب كما يزعم و انما انتقاما و ثأر و حقد........... ارجعوا ابنتي يا امينة........ وانا اعدك ان ........ ان اعيد لسعاد طفلها و اجعلكم ترحلان من القرية و اوفر لكما سكن في المدينة و ارسل لكما مصروف شهري او سنوي لتربية الطفل"
ابتسمت سعاد بتوتر و استخفاف و هزت رأسها غير مقتنعة بما تقوله تلك القاسية.
امينة و بحزن: "ماذا تقولين يا حاجة؟......انت تتهميننا فقط...... مجاهد لو كان يعلم ماذا حصل لسعاد على يد ابنك لقتلها و قتله دون تردد ........... نحن لا نعرف اي شيء عن قصة مجاهد مع ابنتك المحترمة....... ابنتكم ليس بطفلة..... انها راشدة و قادرة....... الاجدر بها ان تصون سمعتكم و لا تتورط مع ابن فلاح........... اللوم لا يقع علينا يا حاجة نحن لم نتعدي او نغتصب كما فعلتم بنا.......... ابنك لم يتركنا بحالنا و احتار ماذا فعل بنا حتى يخضع سعاد له و لم يقدر ......... سعاد ليس بسهلة المنال كما............... فعلت ابنة الاكابر"
تجهمت انصاف بشدة و سرى بريق غضب بعينيها الضيقتين...... اقتربت منها سعاد و قالت بخشونة: "اخرجي......... اخرجي من بيتنا..... لم ترحميني في بيتك حتى تطلبي منا مساعدتك........ قبلت حتى قدميك حتى ارى طفلي الذي سرقته مني حتى دون ان اراه لم ترحميني.......... الان بكل بساطة علي ان اصدق انك ستمنحيني طفلي بمجرد عودة بثينة اليك............ كاذبة............ كاذبة"
امينة و بنبرة يائسة: "لو كان بامكاني اعادة ابنتك لفعلت............ لو كنت علمت بقصتها مع ابني لما رضيت و لما ساعدته على افعاله و لوقفت ضده........... طلبك ليس عندنا يا حاجة.......... نحن لا نملك لنفسنا الحلول و الامان و القدرة حتى نقدم العون لغيرنا"
انصاف و بضيق و تعاسة و خذلان: "لا تعرفون ماذا سيفعلون بهما لو امسكوا بهما........... سيذبحون ابنك بالحال و يقتلون بثينة...... الشيخ علام اصدر امرا ان يأتوا بأ خوات مجاهد و يهدروا شرفهن اذا لم يرجع مجاهد في غضون ثلاثة ايام....... لديك ابنة متزوجة و لو اعتقلوها سيطلقها زوجها لا محالة و سعاد ستنتهي و تضيع على ايدي رجال ال مالك المكلفين بالاعتداء عليهن جزاء لفعلة مجاهد........ ما زال امامكم طريق للنجاة يا امينة و ساترككم ترحلون فقط دليني على مكان ابنتي"
وضعت امينة يديها على صدرها خائفة من كلامها و بما يتوعدونهم و قالت بهمس: "حسبنا الله و نعم الوكيل"
سعاد و بتأمل: "لا افهم كيف تريدين ان تسلمي ابنتك لوالدها و انت تقولين انه يتوعد بقتلها؟"
انصاف و بتركيز: "من قال اني ساسلمها له......... انا ساخفيها عنه بمعرفتي و ساسفرها خارج البلاد بعد ان ازوجها من ابن اخي......... انا اريد ان اصل اليها قبل ان يقبضوا عليهما"
سعاد و بغضب: "و اخي يضيع بالاقدام اليس كذلك؟.......... يا لك من امرأة قادرة يا حاجة...... و مستعدة لفعل اي شيء لحماية اولادك لو على حساب حياة الناس"
.................................................. ...........................
في اليوم التالي سارت سعاد في المزارع و قت الغروب و هي تشعر بالكآبة و العجز ...... مرت على بيت فوزي المحترق من ثم على عيادته المغلقة و هزت رأسها بأسف و مضت تسير و هي مختنقة و لا تعلم اي مسافة قطعت و هي شاردة بافكارها و حيرتها..... الخطر يحيط بهم من كل جانب و متوقعة بأي لحظة يقتحمون بيتهم و يأخذونها و المسكينة جميلة ايضا ستضيع مأخوذة بذنوب اخوتها....... ذلك الظالم علام و سياسته المخيفة الدموية لينتقم الله منه و يأخذه اخذ عزيز مقتدر.
فزعت و اسرعت خطاها عندما شعرت بشخص يسير خلفها حتى التفتت بخوف ظنا منها انه احد رجالهم جاء لاختطافها.... قال الرجل لها بهدوء: "السيد داغر يريد رؤيتك.......... انه ينتظرك في ذاك البيت الصغير الذي سبق و ان التقاك به في السابق.......... ان شئت اذهبي اليه"
ثم استدار و ذهب......... تنفست الصعداء و امسكت صدرها محاولة السيطرة على انفاسها و تطلعت الى الشارع المؤدي الى ذلك البيت و احتارت....... تذهب اليه؟...... او ربما ذلك فخ لها و كمين لاعتقالها او الاعتداء عليها من قبلهم؟..... ماذا يريد منها؟....... لا لن تذهب.... و اسرعت خطاها لتعود الى بيتها ثم سرعان ما ابطأت السير حتى استدارت مرة اخرى و عادت الى ذلك الطريق المؤدي الى المكان المقصود.
وصلت الى ذلك البيت و شعرت بالانكماش بسبب الظلام الذي يلف المكان ثم تذكرت لقائها السابق مع داغر عندما اوهمها ان والدها متعب و استدرجها لرؤيتها فقط..... ترى ماذا يريد داغر؟......يريد ان يقول لها شيئا؟......... شيء من الامل اعتراها لعله يحمل لها خبرا سارا او يريد ان يجعلها ترى طفلها؟
اسرعت و فتحت الباب و دخلت ........ كانت الصالة مضاءة بنور شمعة و كان داغر واقفا......... تأملته تحت الانارة الخافتة و ابتلعت ريقها قائلة بصوت باهت: "طلبتني؟"
اي موضوع سيبحثه معها؟.... اي كلام سيدور بينهما؟..... ليست مستعدة للانفراد به و التحدث معه انها متعبة للغاية و ضعيفة لقائها به سيتعبها اكثر...... ما كان عليها ان تأتي....... انها جبانة و خائبة و الظروف اضعفت قواها و الصراعات ملأت رأسها و جعلتها عبارة عن كتلة من التناقضات بين الرفض و القبول و الحب و النفور ...... كأنها جائت لتعاقب نفسها ان سمعت منه اي شيء يؤذيها و يزعجها.
قال و التوتر باديا على نبرة صوته: "اريد ان اقول لك كلمتين و اذهب"
شعرت بالضيق و ادركت ان ما وراء هذه النبرة امر ما ........اقتربت منه حتى وقفت امامه و لم يبعدها عنه الا خطوة فقط و قالت بتردد: "و انا اسمعك"
قال و هو يضع يديه خلف ظهره كعادته و بتمعن: "ان الامر لم يعد بأرادتي........ اخوك لم يترك لنا اي فرصة لصالحنا.......بغض النظر عما اشعر به به و اتمناه و اريده فأنا مرغم على الابتعاد و من المستحيل ان تسوى الامور......لصالحنا....... انا احافظ على حياتك....... سعاد..... انا اتيت لأعترف لك بكل اخطائي و ذنوبي اتجاهك....كم كرهت نفسي..... انا بمنتهى البشاعة و لا استحق حتى الحياة..... و الان اشعر بالاسى على ابننا لأنه سيضطر ان ينشأ تحت وطأة ال مالك و تربيتهم المتغطرسة و"
قالت مقاطعة و بحدة و قلبها يرتجف بين اضلاعها: "لماذا جئت؟.. .. لتخبرني بهذا الكلام؟......... لا بأس اعرفه....... اشكرك... ادرك انك تحمينا و انك لا تستطيع ان تتخذ اي قرار بسبب خوفك من جبروت عائلتك و قبيلتك.............. اسمح لي ان اقول لك............ انك جبان جدا و مدلل لدرجة انك كلاطفال عاجز و خائف"
زم شفتيه و بقي يتطلع بها لثواني ثم قال بصوت خافت: "جئت لأخبرك ....... انني احبك و كل تصرفاتي السابقة نابعة من هذا الشعور........ كنت الاحقك بكل مكان بسبب لهفتي و شوقي اليك و اغضب منك حد الانفجار عندما تظهرين لي كراهية....... لكن ........لا استطيع ان اتزوجك....... هذا واقع ....... انه واقعي......... يفرض علي قيودا بأختيار الزوجة......... و خرق تلك القيود يعني الخسارة لكل شيء ........... كل شيء احبه بحياتي لا اريد ان اخسره............. الفتاة التي احبها بصدق........ بمجرد طرح فكرة زواجي منك ستحاك ضدك الف مكيدة ......... و لن اعلم كيف و متى سينفذونها.......... انا عاجز كما قلت و جبان ايضا و متعب و اختلق بيننا الف حاجز و حاجز لحمايتك........ لست قاسيا نحوك ابدا........ قد اكون غبي و مذنب و مخطأ كثيرا لكني لست بخشن القلب ضدك......انا اعشقك و اتمنى ان تكوني...... زوجتي......... عليك ان تتفهمي شعوري نحوك و لا تتركي الاوهام و الظنون تبعدك بعيدا"
كان قلبها يذوب بنارها تدريجيا و انفاسها تضطرب و تتلاحق و تختنق بغصتها و لم تعد قادرة على حمل نفسها و لا تمالك انفعالاتها و تشعر انها ستنفجر بأي لحظة.
قال و هو يتطلع بها بعمق: " جئت...... لأخبرك ايضا انني........ سأتزوج و"
الى هذا الحد و فقدت القدرة و انهارت و قطعت كلامه قائلة بصراخ و ببكاء هي تضربه على صدره بكلتا يديها: "ايها الحقير ايها الحيوان جئت لتخبرني بذلك بعد كل ما حصل .... انت جبان...... جبان لماذا تفعل بي ذلك؟ يالقسوتك"
كان واقفا و يتطلع بها مكتفا يديه خلف ظهره و لم تبدر منه اي مقاومة لها و هي تضربه بشراسة على صدره و لم يتغير اي تعبير بوجهه فقط جامدا و ينظر اليها بتجهم.
قالت و قلبها يعتصره الالم و ينزف بجراحه المتقرحة : "انت كاذب..... لم تحبني يوما..... كاذب.... و غبي جدا لدرجة انك لم تعلم شيئا عن مشاعري اتجاهك......... انا احبك ........ احبك يا داغر"
فجأة امسك معصميها و قيدهما خلف ظهرها بيديه و اسكتها بقبلة مجنونة ليظهر لها مدى لهفته و شوقه الى شفتيها و قد اطفأ نار غضبها ليحل محله الصمت...... فكرت بالمقاومة و همت بها لكن شعور قاهر اوقفها و سيطر عليها..... ابعدت شفتيها ببطء و قالت بصوت خافت جدا و متردد: "دعني"
افلت يديها و هو يقبل عنقها و وجهها و رفعت يديها بسرعة الى صدره لتبعده لكن اصابعها شدت على قميصه بدلا من ان تبعده تشبثت به و كأنها تطالبه بالمزيد من الحب و تلك المشاعر المتوهجة.
امسك وجهها بكلتا يديه و قال و هو ينظر بعينيها و بانفاس مضطربة: "اخيرا...... اخيرا يا سعاد قلتها....... اردت ان اسمعها منك منذ نبض قلبي بحبك..... لا تعرفين ماذا فعلت بي يا سعاد الان باعترافك بمشاعرك........ انت وهبتني حياة بأكملها و قوة و أمل و جرأة كنت افتقدها"
***
**
*