شئ من الندم - الفصل 49 - بقلم هند صابر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شئ من الندم
المؤلف / الكاتب: هند صابر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 49

الفصل 49

رواية شيء من الندم الفصل التاسع والاربعون فتحت سعاد فمها و ظهرت دموعها و خارت قواها و هي تنزل بصرها على ملابس جميلة و قالت بشفاه مرتجفة : "على من هذا الحداد يا جميلة؟............ لا تقولي ان؟" تدفقت دموع جميلة و هي تعانقها و تقول بصوت خافت: "مات ابوك يا سعاد" .................................................. ................................. سارت بخطى بطيئة و ضعيفة و ضائعة و وجه شاحب باهت التعابير و عينين ذابلتين و شفاه جافة في وسط ذلك البيت الصغير المتآكل الجدران وتطلعت حولها في كل مكان و كل زاوية منه و هي تشعر بالغربة و الوحشة و الانقباض ...... خلا ذلك البيت من اصحابه و تركوا خلفهم مجرد ذكريات ......... مات ابي......... و ضاع مجاهد وهدلت اكتاف امي و انحنى ظهري بفقد طفلي........... دفعت باب غرفة والدها لترى سريره الفارغ لكن رائحة حنانه مازالت تملأ الاركان......... مدللتي سعاد............... انا مدللتك سعاد يا ابي التي لم تجلس عند رأسك و لم تمسك يدك في اخر لحظات حياتك... لم تحضر وفاتك و لم تشهد خروج جنازتك و لم تلبس السواد و لم تبلل دموعها قبرك......... جلست على سريره و مررت يدها على وسادته و قالت بهمس: "متى رحلت؟.... قبل شهر؟..... قبل شهرين؟......... قبل اسبوعين؟........ البارحة؟..... لا ادري انا لا ادري ...... سامحني يا ابي كنت محتجزة عند ابن علام و مجاهد هناك في سجون ال مالك...... ابنك الوحيد لم يحمل نعشك..... يا لظليمتك يا ابي عشت حياتك تكد و تشقى و تتغاظى و تكتم من اجلنا و لم نرى منك سوى تلك الابتسامة التي تعود الينا بها كل يوم و كنت تجمعنا كل ليلة من ليالي الشتاء الباردة تحت عباءتك اجسادا صغارا نحتمي تحت ظلك و ننعم بدفئك و حنانك و رائحتك الطيبة ونستمع الى حكاياتك..... حكاياتك عن المحبة و الخير و حسن النية و الطيبة و الشجاعة و العطاء تربينا على مبادئك و غرزت بداخلنا جذور الطيب و الشرف و الكرم حتى ظننا ان الحياة جميلة وردية ........ كبرنا بعد ان انحنى ظهرك و نحل جسدك و ضعف عودك و خرجنا الى هذه الدنيا بكل براءة و شجاعة لنصدم بالواقع المخيف الشرس..... ليتك ربيتنا على القدرة و المكر و الخبث و كيف نحمي انفسنا من وحوش البشر........... صدقني يا ابي انا تحملت كل المصائب التي حلت بي و كتمت و اخفيت و تناسيت وضحيت من اجلك حتى لا تنكس رأسك حتى لا تشعر للحظة واحدة بشعور العار القاسي على رجولتك لم اشأ ان اقصر رقبتك امام الناس و امام اخوتك..... اخوتك الذين يتحينون الفرصة عليك ليشمتوا بك الذين قاطعوك و تبرئوا منك لأنك اعطيت سعاد لطبيب القرية و فضلته على اولادهم ..... انا..... انا نجحت يا ابي ...... انت رحلت ولم تعلم بكل ما جرى لي على يد ابن مالك" كانت امها واقفة عند باب الغرفة بجسدها النحيل و مسندة رأسها الذي غزاه الشيب على الجدار و تتطلع الى سعاد بحزن و جميلة واقفة منهمرة الدموع وهي تستمع الى كلام سعاد المؤلم و تفرك بيديها بانفعال. التفتت سعاد الى امها و قالت بتعاسة و عيون حمراء: "بالاخر مات ابي وحيدا يا امي......انا السبب.................... انا السبب بكل ما حصل لنا" ثم نهضت وتطلعت الى جميلة و واصلت: "انا السبب يا جميلة........ كل ذنبي انني تمسكت بالمثل و القيم و الدين و الشرف" ثم هزت رأسها قائلة بتمرد: "بماذا انتفعت بكل مبادئي و شرفي و كرامتي؟.... ابنة فلاح تصون جسدها و تدافع بكل شراسة عن شرفها... مجرد غبية .............. لو كنت بعت جسدي لأبن مالك منذ البداية لما حصل لي كل ذلك لما تمرمرت و تعرضت لكل ذلك العنف و القسوة...... لما دخل مجاهد السجن و لما ذل ابي و تخرم وجهه من الهوان و لما تعبت امي....." ثم وضعت يدها على فتحة ثوبها و شقته بقوة و هي تقول بصراخ: "كم يساوي هذا الجسد الرخيص حتى امنعه عن داغر لو كنت اعطيته كل شيء لنجوت " اسرعت جميلة و احتضنتها قائلة بهمس: "سعاد انت متعبة ارجوك لا تفعلي بنفسك هكذا.......... سعاد" و جذبت ملابسها عليها و ربتت على شعرها. قالت بصراخ: "لقد احرقوا قلبي و رموني كالقمامة...... افقدوني طفلي.... و قتلوا ابي بحسرته و حرموني من رؤيته و هو على فراش الموت ........... طفلي مات يا جميلة.......... لا لا......... لم يمت انهم خطفوه.......... و ربما مات و ربما لا..... لا اعلم........ لا ادري" و صرخت و هي تضرب على رأسها حتى جذبتها امينة و احتضنتها بقوة و هي تقول بصمود: "كفى........ كفى......... ارحمي نفسك" .................................................. ................................. بعد مرور بضعة ايام كانت حالتها الصحية في تدهور حتى انها استيقظت من نومها على صوت بكاء طفلها الذي سمعته و كانت واثقة انها سمعته و انهم خدعوها ازاحت شعرها ببطء و هي تتنهد و تقول بهمس: "طفلي....... لقد خدعوني" قالت جميلة بسرعة: "سعاد انهضي و اغسلي وجهك ان عمومتي جائوا من اجلك تعالي حبيبتي" .................................................. ............... قال ناصر بنبرة صارمة: "نساء وحدهن في البيت هذا لا يجوز في عرفنا........ مجاهد لا نعرف مصيره و الطبيب لا نعرف ماقصته و لماذا هجروه ال مالك من القرية هو واهله و احرقوا ديارهم و طلاقه من سعاد الذي وضع رأسنا في الطين امام الناس و اخي و رحل عن هذه الدنيا ..........فمن واجبنا ان نحرص على بناته........ اغلقوا ذلك البيت و بيتي مفتوح لكم........ عدنان يريد سعاد ......... جميلة و الحاجة ام مجاهد ستعيشان عندي " قال علوان مقاطعا و بغضب: "ماذا تقصد؟....... انا الكبير و بيتي مفتوح لهم كما ان يحيى مصر على عودة جميلة....... و ليس لجميلة ان تبقى على عنادها فزوجها اولى بها في هذا الوقت العصيب" ناصر و بثورة: "جميلة لن تعود الى يحيى حتى يأتي الي و يستسمحني لأن جميلة ستبقى عندي سأرد لها اعتبارها بعد ان عرضنا ابنك لكلام الناس بسبب تعامله معها و هجرها" علوان و بصراخ: "لن اسمح لك ان تتدخل بحياة ابني الشخصية ........ليس يحيى من عرضكم لكلام الناس يا اخي......... انما سعاد المطلقة....... كله بسبب شعلان يرحمه الله منحها لذلك الغريب و لم يأبه لنا" كانت سعاد جالسة في وسطهم و تنظر في الفراغ و هم يقسمون و يوزعون الادوار و يقررون مصيرهم ........ اين انت يا شعلان لترى ماذا يفعل اخوتك........ يريدون ان يقفلوا بيتك و يمحو اسمك و كأنك لم تؤسس ذلك البيت طوال عمرك و تكون عائلة و اسم معروف بين الناس..... حتى بعد موتك مسلوب حقك يا شعلان و اخوتك يتشاجرون كعادتهم على بناتك ليس محبة و حنان بل عناد و حماقة و غيرة. نهضت امينة قائلة بنبرة حادة: "لا احد يجرؤ على ان يقفل بيت ابو مجاهد......... ابني سيعود و هذا البيت سيبقى مفتوح و جميلة لن تعود الى يحيى الا اذا رغبت هي بذلك.......... غدا سيأتي مجاهد و يقرر مصير اخواته........... و الان............. الى اللقاء" نهضوا و تطلعوا بها بشراسة و تجهم و قال ناصر باستياء: "تطردينا يا ام مجاهد؟......... حسنا نحن ليس لنا سلطة عليك لكن بنات اخونا من حقنا............ و عدنان سيكتب على سعاد خلال هذا الشهر و الذي سيعترض ساقطع لسانه" نهضت امينة قائلة بنبرة حادة: "لا احد يجرؤ على ان يقفل بيت ابو مجاهد......... ابني سيعود و هذا البيت سيبقى مفتوح و جميلة لن تعود الى يحيى الا اذا رغبت هي بذلك.......... غدا سيأتي مجاهد و يقرر مصير اخواته........... و الان............. الى اللقاء" نهضوا و تطلعوا بها بشراسة و تجهم و قال ناصر باستياء: "تطردينا يا ام مجاهد؟......... حسنا نحن ليس لنا سلطة عليك لكن بنات اخونا من حقنا............ و عدنان سيكتب على سعاد خلال هذا الشهر و الذي سيعترض ساقطع لسانه" عندما خرجوا تهاوت امينة على الاريكة و قالت بهمس محدثة نفسها: "اين انت يا مجاهد؟.......... ماذا فعلوا بك الظلمة؟....... اي عذاب تتلقاه على ايديهم؟....... لما لا تأتي و ترى ما حل بنا بعد موت ابوك" .................................................. ................................. في اليوم التالي قالت سعاد بحسرة: "قالوا انها منصفة و كريمة و مختلفة...... ظننتها سترحمني ...... ماذا فعلت بي؟........ ذهبت تخطب لابنها و ابعدته عني و اشرفت على ولادتي بنفسها و كان في بالها ان تأخذ ابني مني......... لكنه مات....... طفلي مات و لم اره..... لم اره" جميلة و بمواساة: "حاولي النسيان يا سعاد انت متعبة جدا و تبدين لي بصحة سيئة هذه ارادة الله......... لم يشأ ان ينشأ طفلك في ظل تلك الظروف العصيبة" كانت جالستين في الصالة و توقفتا عن الكلام عندما طرق الباب....... نهضت جميلة و غطت شعرها و اتجهت لتفتح الباب ...... قطبت سعاد جبينها عندما رأت احد رجال ال مالك واقف عند الباب و نهضت بانفعال و غضب عندما قدم مغلف لجميلة قائلا: " هذا المال بعثه السيد داغر اليكم" اسرعت سعاد و ازاحت جميلة بقوة لتاخذ المغلف من يده و تقول بثورة و صراخ: "لعنة الله عليك و على سيدك...... لسنا بحاجة الى امواله" وفتحت المغلف و قطعت جزء من المبلغ و رمته على وجهه قائلة بانفعال و غضب: " على اي مقابل هذا المال؟.ا........ ذلك الحقير يظن نفسه شيئا اذهب و اخبره انه بكل مايملك كان و ما زال لا يساوي عندي فرد نعل" حمى الرجل وجهه منها عندما رمت عليه المال و خفض بصره لتتغير ملامحها و تبتلع ريقها عندما ظهر لها داغر من خلفه و تطلع بها بوجه خال من التعابير ثم نظر الى المال المتناثر على الارض و اشار الى الرجل ليذهب. تراجعت الى الداخل و استدارت الى الناحية الاخرى و هي تحيط جسدها و لا تعرف ما الذي اصابها عند رؤيته شعور اختلجها و اشعرها بعدم الثقة و الخوف. دخل خطوات و قال بهدوء: "البقاء لله" ضاقت عيني امينة و هي تتطلع به و اقتربت جميلة من امها و كأن وجوده الجم الالسن. سار خطوات ليصبح بوسط الصالة و قال بنبرة هادئة: "يا سعاد هذا المال ليس منحة مني انه اجر ابوك المتراكم و حقوقه عندنا" وضعت يدها على جبينها و شعرت باستفزاز كبير و التفتت صارخة: " يال امانتك و عدالتك و انصافك حتى تعيد لنا الامانة.......لماذا حرمتني من رؤية ابي؟......... لما لم تخبرني بموته ايها المجرم الظالم" احتدت نظرته و قال بجمود: "على مهلك علي يا سعاد....... لم احرمك من رؤيته بالعكس انا فعلت الصواب انا اخفيتك عنه فلا يجب ان يراك و انت حامل و بكلا الحالتين لكنت بعيدة عنه ام نسيت انك كنت على وشك السفر مع.......... الطبيب....... لو سمعت بخبر موته وقتها ما كنت رجعت اليه" و انزل بصره على جسدها مواصلا: " ببطنك الكبير..... اليس كذلك؟...... كما اني فعلت الصواب ايضا عندما اخفيت الامر عنك........ خشيت عليك ما كنت تحملت الخبر و انت وحدك و صحتك متعبة......... خشيت عليك فحسب" قالت ببكاء و ضعف: "اكرهك يا داغر....... اكرهك" اقتربت امينة و قالت بحدة: "لسنا بحاجة الى المال يا ابن الاكابر........ اننا نريد مجاهد......... ابني الوحيد الذي لا اعرف مصيره و لم يحضر جنازة ابوه....... اعيد لنا مجاهد" اومأ ببطء و هو ينظر الى امينة و احتدت عينيه و قال كاتما غيظه: " اعيد مجاهد؟....... احمدي الله يا حاجة انني لم اقتله بعد....... يبدو انك نسيت ما فعله ابنك معي.......... ان كنت نسيت ساشرح لك......... ابنك الغبي اعد العدة هو و رفاقه و نصبوا لداغر ابن علام فخ لقتله بل لنحره تدفعهم بذلك قوة الحقد و الغيرة على اسيادهم و حكام قريتهم و ماذا فعل ايضا؟....... استخدم اخته كطعم لي.......... قام باغرائي بأخته الكاذبة و جمالها لتستدرجني الى المكان حيث كانوا بانتظاري و هي شهدت الجريمة و رأت كل شيء بعينيها .............. ظننتم انني مت و انتهيت لتقيموا حفل زفاف في بيتكم في نفس الوقت معلنين عن احتفالكم بالخلاص من ابن علام" امينة و بدموع : "لكنك دفعتهم الثمن غاليا الم تكتفي؟..... هذه ابنتي امامك ماذا فعلت بها؟...... دمرتها و عذبتها و افقدتها وليدها لتعيدها الينا هائمة كالمجنونة من شدة الجور و الظلم الذي سلطته عليها انت و والدتك.... الا تتركها بحالها يا ابن الاكابر لم يبقى بها ما تطمع به" تجهم بشدة واستدار ليذهب لكن جميلة قالت فجأة: "ارحمنا من عمومتنا يا سيد داغر انهم يهددوننا و يريدون ان يغلقوا بيت ابونا و يشتتونا مستغلين ضعفنا و وحدتنا بلا رجالنا......... يريدون سعاد غصبا لابن عمي" اتسعت عيني سعاد و هي مصدومة من موقف جميلة الغريب....لم تجد هذه المجنونة الا داغر حتى تستنجد به؟..... كأنها متعمدة ان تخبره بكل ذلك؟! و بهتت ملامح امينة و هي تنظر الى جميلة باستغراب........... التفت داغر بسرعة و تطلع الى جميلة التي كانت تفرك يديها بتوتر و رفع حاجبه ثم ضاقت عينيه و نظر الى سعاد ثم اعاد بصره الى جميلة قائلا بنبرة خافتة: "ليس لهم ذلك" ثم جذب طرف عباءته بقوة و خرج صافقا الباب ورائه...... صكت سعاد على اسنانها و اسرعت الى جميلة و انهالت عليها بالضرب قائلة بغضب: "ايتها الغبية....... ايتها الغبية ماذا فعلت؟ تطلبين العون من داغر؟....... ذلك الرجل ذبحني و اجرم بحقنا جميعا كيف تجرأت لتطلبي منه الحماية؟.... ماذا فعلت" قالت جميلة و هي تحمي وجهها بذراعيها و بتبرير: " داغر الوحيد القادر على ردعهم......... لنفكر بمصلحتنا قليلا يا سعاد داغر يده طائلة و سيضعهم عند حدهم.... صدقيني يا اختي ما قصدت الا مصلحتك غدا سيضعونك بيد عدنان و تعيشين مآساة اخرى كما حصل لي مع يحيى و يتحكمون بمصيرنا..... امستعدة للزواج من عدنان؟" توقفت عن ضربها و قالت بشفاه مرتجفة: "مرحى... داغر الرائع..... داغر المنقذ......... تريدون ان تجننوني ما بالكم؟" واخفت وجهها قائلة بتعاسة: "مابالكم ايها الناس سأفقد عقلي" .................................................. ......................... في اليوم التالي....... تقلبت في السرير عدة مرات ثم اغمضت عينيها بقوة و صرخة طفلها لا تفارق خيالها حتى انتفضت و وقفت فجأة و فتحت الخزانة و غيرت ملابسها. اعترضت طريقها جميلة قائلة : "ما الامر يا سعاد الى اين العزم؟...... يا سعاد لا تخرجي ما زلت معتدة امام الناس......... سعاد.... انتظري سآتي معك" شعرت بضعف ساقيها و هي تسير في الشارع و بدأت الدنيا تلف بها فما زالت ضعيفة و منهكة لكنها ستصمد...... جميلة و باستياء: "تريدين ان تجري المرأة للهلاك هي الاخرى" التفتتا معا و تنهدت سعاد و قطبت جميلة جبينها و هما تتطلعان الى بيت ذلك الطبيب........ طبيب القرية..... حبيب جميلة....... الرجل الشهم الذي وقف معهم بكل معاناتهم خطوة بخطوة و وضع الحلول المناسبة لكل حادثة تمر بها ...... المنقذ المتسامح الذي منح المودة بلا حدود....... الذي ابى ان يخرج من حياتها دون ان يذيقها شيء من المرار ....... الذي امسك يدها وجذبها من الهاوية ليوصلها الى بر الامان و ما ان كادت ان تصل حتى افلت يدها و تركها تسقط في القعر من جديد...... نظرتا الى بيته المحترق و هزت سعاد رأسها باسف ثم ابعدت بصرها الى الطريق امامها............. قالت جميلة بضيق: "ما ان عاد فوزي من حبس ال مالك حتى ذهب فورا الى عمومتي و اعلن لهم ان ال المالك طلقوه منك عقابا لمجاهد الذي اشتبه به متورط بمحاولة اغتيال داغر و انك هناك تحت يدهم........ ماذا كان رد عمومتنا الافاضل؟....... التزموا الصمت جميعا ما ان سمعوا اسم ال مالك ..........حتى انهم لم يسألوا عنك و عن مجاهد و ما ان عدت حتى اتوا متظاهرين بالحنان ورغبتهم بحمايتنا و سمعتنا" قالت بشرود: "لا ادري لما انتقم مني فوزي هكذا؟....... ما زلت لا اعلم هدفه بعد ان كان الصدر الذي يحتويني و يحميني" جميلة و بحزن عميق: "سياط ال مالك يا اختي...... انها لاذعة و مؤلمة.... اخرجوه من صوابه و اوصلوه الى الانفجار" اومأت سعاد قائلة بهمس: "لن انسى له معروفه....... كما لم انسى ظلمه لي" طرقت على باب ذلك البيت الجميل الصغير عدة مرات حتى ظهر لها صبي ابن السادسة.......... قالت بابتسامة باهتة: "اريد مقابلة والدتك يا حبيبي" دخل و بعد دقائق عاد قائلا: "تفضلا في الصالون" حالما جلستا على الاريكة حتى نهضت سعاد بسرعة عندما اقبلت سميرة التي تغيرت ملامحها برؤية سعاد في بيتها و تجهمت. اقتربت سعاد منها قائلة: "اعلم ان مجيئي الى بيتك خطأ و اعلم انك لا تودين رؤيتي خشية من داغر........ لكن" سميرة و هي تتاملها بضيق: "ارحميني يا سعاد...... ارحميني" قالت بدموع متساقطة: "ارحميني انت و قولي لي ماذا حدث؟....... لا استطيع النوم وصوت طفلي يتردد على مسامعي كل لحظة........ اخبريني فقط و اريحيني....... اكاد اموت من الحيرة و القهر...... اناشد ضميرك انصفيني و اخبريني ماذا حدث لطفلي" ابتلعت سميرة ريقها و نظرت الى جميلة التي كانت تتطلع بها بحزن ثم اعادت بصرها الى سعاد قائلة ببهوت: "لماذا لا تريدين ان تصدقي ان طفلك مات؟........ سعاد انت" سعاد و ببكاء و توسل: "ابني حي؟.......... طفلي عندهم؟......... اتقي الله و اريحيني" سميرة و بسرعة و انهيار و كأن لا قدرة لها على الصمود اكثر: "نعم يا سعاد...... ابنك عند داغر......... انه تام الخلقة و معافى ........ اخذته الحاجة الكبيرة و طلبت من عندنا ان نغلق فمنا..... و داغر اجبرنا ان نوهمك انه مات حتى لا تبقى تتعذبي و انا رضخت لأني فكرت ان ذلك لصالحك" فتحت فمها بذهول ثم التفتت الى جميلة و اومأت قائلة بعدم اتزان: "سمعت........ ابني......... ابني حي.......... الم اقل لكم اني سمعته....... ابني موجود يا جميلة......... خطفوه مني........ اخذه داغر مني" ثم ضحكت عبر دموعها ....... وضعت الطبيبة يدها على جبهتا و هي تنظر الى سعاد بعيون دامعة و اومأت جميلة قائلة بسرعة: "نعم...... نعم حبيبتي........... ابنك حي...... نعم يا سعاد" وضحكت سعاد و هي تهز برأسها و بدت بحالة غير طبيعية و كأن اعصابها مضطربة ثم بكت و نزلت على الارض بالتدريج و هي تقول بهمس: "انه حي" تطلعت سميرة الى جميلة بقلق و قالت بسرعة: "اختك متعبة و بحاجة الى المهدئات........ اجلسيها هنا ساعطيها حقنة تساعدها على الاسترخاء اعصابها مشدودة و ذلك ليس بصالحها ابدا" .................................................. ............................ عندما وصلتا الى البيت كانت سعاد باردة الملامح و كأنها في حالة سكر و بالكاد وصلت و كأن الحقنة بدأت تعطي نتائجها لكنها جفلت فجأة و اتسعت عينيها عندما قال يحيى بقوة: "سعاد المطلقة و زوجتي معها خارج البيت و نحن لا نعلم شيئا عنهما" قطبت جميلة جبينها و قالت وهي تنزل شالها الى كتفيها: "ما الذي جاء بك يا يحيى؟............ ليس من عادتك الزيارة" ثم امسكت ذراع سعاد و ساعدتها على الجلوس...... تطلع بسعاد بعيون ضيقة ثم قال بنبرة مزعجة: "كيف تخرجين دون اذني يا جميلة ام نسيت انني زوجك؟........ و كيف تخرجين مع سعاد بالذات؟....... الم انبهك من الابتعاد عنها..... انها سيئة السمعة" خفضت سعاد بصرها و اغمضت عينيها و هي تشعر بالدوار و النعاس و قالت امينة بشراسة: "اخرس..... الجم لسانك يا ابن علوان ان التي تتكلم عنها ابنة عمك لحمك و دمك........ سعاد اشرف منك و من اهلك" نهضت سعاد و قالت و هي تسير باتجاه الغرفة: "عن اذنكم......... اريد ان انام" و شهقت عندما جذبها يحيى من ذراعها بعنف قائلا: "تعالي هنا و اخبريني اين كنت؟ و ما به حالك؟........ تظنين انك اصبحت طليقة و لا رجل يحكمك" *** ** *