الفصل 41
رواية شيء من الندم
الفصل الحادي والاربعون
سعاد و بدموع: "انت محقة........ انها الحقيقة لا املك ان اتنفس حتى"
سميرة و بتأمل: "راقبوا عيادتي و سجلوا ترددك علي و اخبروه...... دخل معي باستجواب خانق حتى اعترف له عن اسباب زيارتك لي و انا بحكم مهنتي التي توجب علي حفظ اسرار مرضاي لم اقل له شيئا عن حملك....... خشيت عليك منه خشيت ان يلحق بك الضرر و اكون مدانة امام الله........... و النتيجة انه غضب من موقفي لعدم تعاوني و لأني اخبرته ان ليس لي ان اسرب اي معلومة تخص مريضة عندي اقفلوا عيادتي كعقوبة لي........ قطعوا مصدر رزقي....... و اليوم قابلني داغر شخصيا و اخبرني انه علم بما كنت اخفيه عنه و احرجني ......موقفي كان صعبا جدا امامه......... طلب مني ان"
خفقت اهداب سعاد بسرعة و ابتلعت ريقها قائلة مقاطعة و بخوف و صدمة: "ماذا؟...... طلب منك ان تجري لي العملية؟"
بقيت سميرة تتأمل بوجهها لثواني ثم اثرت الصمت و هي تجري معاينة لها و سعاد تنتظرها و بنفس الوقت لا تريد ان تسمع منها شيئا لأن قرار داغر بقتل طفلها بمثابة اعدام لكل مشاعرها و عواطفها و سيكون اصعب و اقسى عقاب يتخذه بحقها و مستحيل ان تخضع له مهما كلفها ذلك فأن اتخذ خطوة كهذه فسيثبت لها ان قلبه ميت تماما و لا امل مرجو منه.
سميرة و بابتسامة فاترة: "ما بك شحبت هكذا؟........ تخشين من اجراء العملية؟... لماذا؟..... كنت تتضرعين الي حتى اجهضك قبل فترة؟.... اليس هذا الطفل هو من دفعك للانتحار؟....... تريدين الاحتفاظ به؟..... تريدين ان تنجبين ولدا من داغر؟....... الا تخشين من العواقب؟..... انت ابنة فلاح و داغر ابن كبير قبيلة مالك... ماذا تتوقعين يا سعاد؟ ان يعترف بك اما لأبنه؟...... عندك القدرة ان تمنحيه الطفل و تختفي من حياته؟"
اثناء كلام الطبيبة القاسي كانت دموعها تتساقط بغزارة لا تعرف الاجابة عن اي من اسئلتها........ ما معنى كل ذلك؟..... واصلت سميرة بكل هدوء: "كوني متوطنة للقادم يا سعاد داغر ليس بهين.......... نعم انت جميلة ربما اجمل فتيات القرية و هذا ما جعلك فريسة دسمة لداغر لكن جمالك ليس كافيا عند ال مالك و لن يشفع لك عند قومه......... انت مجرد ابنة فلاح لغاية التسلية و العبث و ينتهي دورك و حتى و ان فكر ان يتزوجك فذلك الزواج محكوم عليه ان يبقى تحت الستار حتى ينتهي دون علم احدا من اهله و"
قالت ببكاء و انفاس لاهثة: "طلب منك ان تتخلصي من الطفل اليس كذلك؟"
ربتت الطبيبة على كتفها و قالت بتركيز: "لا.......... داغر يريد الطفل"
بقيت تتطلع بوجهها و مسحت دموعها قائلة و بارقة من الامل غزت كيانها: "حقا؟...... هو...... هو قال ذلك؟"
اومأت سميرة موافقة و قالت: "بالطبع........ ساشرف على حالتك و وضعك الصحي لغاية موعد ولادتك"
وضعت سعاد يدها على صدرها و قالت بابتسامة عبر دموعها: "الحمد لله....... الحمد لله"
سميرة و بتحديق: "لكن من واجبي كأمرأة خبيرة ان احذرك.......... كوني متوطنة لكل شيء...... توقعي منه ان ينتزع طفلك من بين يديك و يرميك"
شهقت و هزت رأسها رافضة تلك الفكرة المرعبة و قالت بضعف: "بالله عليك لا تخيفيني هكذا"
ابتسمت سميرة ابتسامة باهتة و قالت: "لا اريد ان اخيفك يا سعاد و انما اريد ان اصلد قلبك......... ما دامك عرفت داغر عليك ان تتصلدي امام المصائب"
ابتلعت ريقها و اومأت ببطء ثم التفتت اليها و قالت بتلهف: "بما انك اتيت اليوم من منطقتنا اخبريني بالله عليك كيف الوضع هناك........ ماذا حل بأهلي........ بفوزي؟"
اجابتها بحيرة: "لا اعلم......... انا فوجئت بك مختفية عندما جاء داغر لمقابلتي....... كنت مسافرة الى المدينة و صباح اليوم رجعت و لم اعلم اي شيء عن الوضع عندكم.......... كما انني قلقة جدا بشأن الدكتور فوزي لا اعتقد ان داغر سيتركه بحاله....... ذلك الرجل الرائع النبيل.....موقفه معك كان شهما و مشرفا للغاية لقد زاده احتراما و تقديرا بنظري...... صراحة عندما سمعت بخبر زواجه منك لم استغرب فذلك الخلق الرفيع ليس بجديدا على فوزي...... ادرك الجانب الانساني عنده و لأني كنت احترمه و اقيم له وزنا وافقت ان استقبلك بعيادتي رغم خطورة الامر و لو كان الامر بيدي لاجريت لك العملية وقتها لكن يبدو ان الله اذن لطفلك ان يولد "
اومأت سعاد قائلة بامعان: "كأن الله بعث لي فوزي ليحميني و يسترني لولاه لما كنت اعرف كيف اخفي ما حصل لي انا مدينة له بحياتي"
عندما انهت الطبيبة مهمتها و همت بالانصراف قالت سعاد و برجاء: "ارجوك ارجوك ساعديني............ اخبري جميلة بما حل بي و لا تدعي امي تموت بحسرتها......... و اسأليها عن مجاهد....... سانتظر زيارتك المقبلة بفارغ الصبر حتى اعرف اخبارهم"
سميرة و بقلق: "لا تورطيني مع داغر اكثر يا سعاد انه امرني ان اغلق فمي و الا سيتخذ اجراء ضدي...... ان نقلت اخبارك و جلبت لك اخبارهم لن انجو من غضبه.......... ارحميني يا سعاد و لا تكلفيني فوق طاقتي"
.................................................. ................................
في اليوم التالي جاءت اليها امرأة كبيرة في السن تدعى الحاجة امينة و اخبرتها ان داغر بعثها لتعتني بها !
لا حظت بعد مرور اسبوع ان داغر يبالغ بالاهتمام بوضعها فتلك المرأة التي ارسلها كانت حنونة جدا معها و تعتني بها حتى اكثر من والدتها وكل من في البيت يعملون على راحتها و يعتنون بغذائها و بصحتها و بمواعيد علاجها على اتم صورة لكنه مبتعدا و لم يريها وجهه و كأنه لا يريد رؤيتها ابدا ............. استغربت من اهتمامه كل ذلك من اجل طفله؟ الهذه الدرجة داغر يريد ان يحصل على طفل؟...... ما الذي غير رأيه هكذا؟..... اليس هو من بعث لها نساء للتخلص من الجنين؟ ما باله اليوم مهتما هكذا؟
.................................................. ..........................
بعد مرور اسبوع اخر......... نظرت سعاد الى الحراس الذين يقيمون عند كل زاوية من زوايا المكان و التفتت الى تلك العجوز قائلة بضيق: "انا اختنق يا خالة........... اريد ان اخرج لم اعد احتمل بقائي بين اربعة جدران.......... لماذا علي ان ابقى طوال الوقت في هذه الغرفة"
العجوز و بابتسامة حانية: "انها اوامر السيد يا ابنتي و دون ان نسأل و نجادل علينا ان نطيع الاوامر"
تنهدت و قالت بملل: "تعالي معي لنسير قليلا في اروقة البيت........ لم اعد اطيق شيئا"
اذعنت لها العجوز و خرجت معها و سارتا على مهل و هي تتطلع في الغرف الواسعة و الشرفات الكبيرة و تتبادل الكلام الهاديء معها و تسألها عن بعض الامور حتى توقفت سعاد و هي تتطلع الى المنضدة قرب احد الارائك ثم اقتربت و نظرت الى سيجارة و فنجان قهوة......... لمست السيجارة لتجدها دافئة و التفتت بسرعة الى امينة قائلة: "من كان هنا؟"
بقيت العجوز صامتة و تطلعت سعاد الى نرجس التي كانت ترتب المكان و سألتها باهتمام.
نرجس و بتأمل: "السيد داغر خرج لتوه"
خفقت اهدابها و بللت شفتيها بلسانها و قالت بسرعة: "كان هنا؟....... لماذا لم تخبريني؟............. السيد داغر كان هنا في هذا البيت و انا لا اعلم؟......... كان احدا منكم ليخبرني....... اريد رؤيته...... اريد ن اتكلم معه"
خفضت نرجس بصرها و بقيت صامتة....... اقتربت منها قائلة بانفعال: "متى جاء؟...... انت تعلمين انني كنت بانتظاره طوال اسبوعين لماذا لم تخبريني؟"
نرجس و ببهوت: "هذه رغبة السيد....... لا يريدك ان تعلمين بوجوده"
قالت بحزن و بضعف: "لماذا؟........ أ هذه المرة الاولى لزيارته؟"
نرجس و بتردد: "السيد داغر........... السيد داغر يأتي يوميا"
بهتت ملامحها و نظرت الى امينة التي هزت رأسها بدورها و كأنها كانت تعلم بوجوده يوميا في هذا البيت دون ان تخبرها شيئا عنه.
تهاوت على الاريكة و قالت بتخاذل: "ألهذه الدرجة لا يريد ان يرى وجهي؟.......... انه يكرهني"
و دمعت عينيها رغما عنها ثم قالت برجاء: "نرجس استحلفك بالله اخبريني في المرة القادمة عن وجوده........ اريد ان اتكلم معه انا بحاجة لذلك"
شعرت بحرجها و قالت باصرار: فقط اخبريني و انا ساتصرف دون ان اجعله يعلم انك من اخبرني و انت يا خالتي كنت تعلمين بوجوده و مع ذلك اخفيت عني رغم انك كنت شاهدة على انتظاري له كل يوم و كل ساعة .........لم اتوقع منك ذلك"
امينة و بنبرة اعتذار: "ليس لنا ان نخالف التعليمات........ انه لا يريد ذلك"
عادت الى الغرفة مسرعة و باستياء كبير دخلت و اغلقت الباب عليها.... وضعت يدها على جبهتها و اغمضت عينيها اي حال يضعها به داغر انه يعذبها باسلوب غريب و بطيء انه يحاربها نفسيا هذه المرة......... يتركها بحيرتها و قلقها على اهلها و يعزلها عن العالم انه يحتكرها و يتعمد ان يجعلها لا تعلم مصير مجاهد و فوزي لا يريد ان يريحها يريدها ان تموت كل ليلة بخوفها و قلقها و يجعل رؤيته كالحلم بالنسبة لها......... ستراه و رغما عنه ستقابله و تكلمه.......... انزلت يدها على صدرها و تنهدت....... انها تتوق لرؤيته.
.................................................. ...............................
في اليوم التالي و بعد الغروب اقبلت اليها نرجس بوجبة خفيفة من الطعام و عندما وضعته على المنضدة قربها همست: "انه............. موجود"
رفعت بصرها بسرعة و خفق قلبها لدى سماعها تلك العبارة ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة و تألقت عينيها الشقراوين ببريق جميل و اومأت لها ببطء و هي تدعك براحتي يديها باضطراب........ انه هنا........
عندما انصرفت الفتاة نهضت بسرعة و وجدت نفسها تتطلع في المرآة و مررت يديها على شعرها و ازاحته عن جوانب وجهها و تأملت جسدها من الجوانب ...... حملها بدى ظاهرا للعيان و شكلها تغير كثيرا و هي هنا تحفل بكل ذلك الترف و الدلال فبدت بشرتها حريرية و ناصعة و اكثر حيوية و جمالا.......أ ستعجبه؟.............. تعجبه مجددا؟
ابتسمت امينة و هي تتطلع بها و قالت و هي ترتب الملابس في الخزانة: "ما بك يا ابنتي؟......... اول مرة ترين نفسك؟"
تناولت شال سميك و وضعته على كتفيها قائلة: "اريد ان اتمشى قليلا....... عن اذنك"
اومأت امينة و بعينيها نظرة ذات مغزى و كأنها عرفت مآرب سعاد و قررت ان تتركها تفعل ما برأسها.
سارت سعاد بخطى بطيئة و انفعالات بداخلها تشتتها و تضعف عزيمتها و عندما وصلت الى حيث ذلك المكان الذي يعتاد ان يجلس به ابتلعت ريقها
و بهتت ملامحها عندما رأت جانب وجهه و هو جالس على الاريكة و يدخن بهدوء....... تحركت اهدابها ببطء و قالت بنبرة ناعمة: "داغر"
التفت اليها بسرعة و عندما التقت عينيهما تغيرت ملامحه و بهتت تعابيره و بقي يتأمل شكلها وكأنه في لحظة فراغ.
***
*