الفصل 34
رواية شيء من الندم
الفصل الرابع والثلاثون
تحركت و قلبها مفعم بالامل و قررت العودة لن تنتظر اكثر انه لم يأتي.............. قالت بهمس و هي تحيط وجهها: "الحمد لله....... الحمد لله"
شهقت و جفلت عندما قال داغر من خلفها: "حبيبتي"
التصقت بالجذع و التقطت انفاسها و هي تضع يديها على صدرها بفزع.
تغيرت ملامحه و قال بقلق: "ما بك يا سعاد؟......... انت خائفة جدا"
تلفتت من خلفه و من خلفها و ابتلعت ريقها ثم قالت بانفاس متلاحقة: "انت.............. وحدك؟"
اقترب و قال بتأمل: "لا تخافي........ انا بمفردي تماما"
اضطرابها شحوبها و تلاحق انفاسها و شرود عينيها جعله يتجهم و يتجول ببصره في المكان ببطء ثم التفت اليها و قال بتفحص و بعيون ضيقة: "ما الامر؟............. ان كان المكان يثير رعبك هكذا لماذا اخترته بالذات؟"
هزت رأسها و قالت باضطراب و تلعثم: "لا.... لا ادري"
تقدم خطوة اليها و اصبح قريبا جدا منها و قال و هو يتطلع بوجهها و بجسدها و بنظرات ارتياب واضحة : "لا داعي لكل ذلك الخوف..... لا داعي يا........... اخت مجاهد"
انزلت بصرها و تطلعت بالسلاح الذي يضعه بحزامه و تأملته بحرج و حيرة و خوف. كان بكامل اناقته و قيافته كالعادة و ربما اكثر اعتناء و تأنقا هذه المرة و هذا دليلا على ثقته بها فلم يساوره الشك ناحيتها و اذعن لمشاعره اعتقادا منه ان سعاد ابنة الفلاح و قعت في حبه و انبهرت بشخصيته و جبروته و سلمت له و توقفت عن الصد و المقاومة لم يعلم انها ليست بالبراءة و الطيبة الذي يتوقعها ......... شعرت بريبته و لمعان بريق الشك و الغضب المكتوم بعينيه ......... خفقت اهدابها ثم قالت بضعف: "داغر........ انا.......... لا اعرف ماذا اقول لك......... انا"
هو و مقاطعا كلامها المشتت و بملامح جامدة : "لا داعي لتقولي لي شيئا......... لأقول انا......... كنت انوي ان...... اخبرك انني........ سأتزوجك"
اتسعت عينيها على اشدهما عندما لاح لها خيال احدهم خلفه ........... و هو يتطلع بعينيها انزل يده ببطء كأنه اراد ان يصل الى المسدس قالت رغم عنها و دون وعي صارخة: "داغر........... انتبه"
و اثناء عبارتها احاط رجل يضع اللثام على وجهه عنق داغر بذراعه و بيده الاخرى رفع الخنجر ليحز رقبته!
و بما ان داغر كان مرتابا فكأنه كان متأهبا للدفاع عن نفسه اذ امسك يد الرجل بعنف و ضرب بطنه بيده الاخرى مما جعل الرجل يخفق في محاولته و اسقطه داغر ارضا و قبل ان يستدير ظهر له رجل اخر من خلفه و يخفي وجهه ايضا لكن سعاد عرفته من عينيه و هيئة جسده انه مجاهد و عندما التفت داغر اليه شهر السكين عليه.........وضعت يديها على وجهها و صرخت ببكاء: "لا............. لا"
طعنه بصدره بقوة و نهض الرجل من خلفه ليطعنه بظهره........ كانت تصرخ مما جعل مجاهد ياتي اليها و يغلق فمها بعنف و كل شيء انتهى على هذه الصورة اذ اصيبت بالاغماء و لم تعد تعي شيئا و كأنها ماتت.
.................................................. .................................
امسكت جميلة وجهها و هزتها بقوة قائلة بصوت خافت و توسل: "ارجوك يا سعاد لا تفضحي امرنا........... منذ يومين و رجال مالك يمشطون المكان لا تزرعي بقلبهم الشك ناحيتنا.......... الكل ينادي ان رجال من بنو حجير داهموا القرية"
كانت ترتجف كليا و تقول دون توقف و بانهيار: "لقد قتلوه......... قتلوه........ قتلوه امامي........ انا السبب......... انا قتلته..... انا قتلت داغر"
اغلقت جميلة فمها قائلة ببكاء: "سعاد......... سعاد استحلفك بالله اسكتي............ لو سمعوا شيئا من كلامك لاقتحموا بيتنا و قتلونا جميعا....... اسكتي يا اختي....... تماسكي"
امسكت يدين جميلة و قالت عبر دموع منهمرة و شفاه جافة شاحبة: "لماذا قتلوه؟.... داغر ليس كما تتوقعين..... انه......... انه يحبني.......... اراد ان يتزوجني و يصلح كل شيء معي"
اومأت جميلة موافقة و قالت لها بهمس: "اعلم... اعلم حبيبتي لكن اغلقي فمك الان........... الدنيا مشتعلة في الخارج و رجال علام في كل ركن و زاوية........... و مأمور المقاطعة هنا و اقارب داغر يحومون حولنا"
دخلت امينة مسرعة و هي تضرب بيدها على فمها عدة مرات و تقول بخوف : "اسكتا......... اسكتا............ لو تفوهت بكلمة يا سعاد ساتبرأ منك ليوم الدين"
اخفت سعاد وجهها و هي تقول بهمس: "اكرهكم........ اكرهكم جميعا"
.................................................. ............................
بعد مرور اسبوع............. كانت سعاد جالسة امام المرآة و عفاف تسرح بشعرها و جميلة تضع لها اللمسات الاخيرة من الماكياج ومرتدية الثوب الابيض الفضفاض ليغطي على معالم حملها و عارها و فضيحتها........ بنات عمومتها يصفقن و يرقصن بالغرفة مرددات بعض الاغاني اذ ان الليلة احتفال و عرس في بيت شعلان لكن بشكل متكتم بعض الشيء ......... الليلة زفاف سعاد و فوزي الذي اصر مجاهد ان يحصل هذه الايام بالذات و امينة وافقته مع ان شعلان كان غير موافق على هذا التوقيت.
اجتمعن النساء في الصالة و هن يصفقن و يرددن الاغنيات و سعاد جالسة و كأنها في عالم اخر ليست معهم ابدا انها مسلوبة من كل كل شيء مسلوبة الارادة غير راضية عن نفسها و غير قانعة بحالها و وضعها و بمن حولها غير معترفة بشيء حتى بالطفل الذي تحمله غير معترفة بحبها لداغر و لا بكرهه و لا بنفسها و لا تعلم ان كانت هي انسانة صالحة ام مذنبة؟ مجردة من المشاعر حتى الدموع لم تعد تنزل من عينيها لم تعد هناك دموع لقد جفت مع مشاعرها..........
دخل شعلان بقامته القصيرة و بملامحه القلقة الخانعة كعادته و اسرع ليغلق النوافذ و هو يقول بصوت باهت: "اسكتن يا بنات ليس هكذا.......... من الاصول ان نحترم الظروف المحيطة بال مالك...... كيف نقيم اجواء البهجة و الفرح و ابنهم ملازم السرير و يصارع بين الحياة و الموت........... فلا يمكن ان نتجاهل محنتهم فللناس افضال علينا ....طوال عمرنا و نحن نعيش بظلهم.......... اسكتوا"
تحركت اهداب سعاد ببطء لدى سماعها كلام والدها بخصوص داغر و سحبت نفسا عميقا..... لولا الفضيحة و الحمل الذي بان عليها لما وافقت على الزواج و داغر على فراش الموت و لم يعي شيئا مما حوله مستحيل لكنها مضطرة ان تخضع و هو راقدا حتى تأمن من اعتراضه و انتقامه.......... انتقامه؟........... يالخوفها من هذه الكلمة لو شاء الله و وقف داغر من جديد على قدميه........ أ سيتركهم بحالهم؟........ اغمضت عينيها و تمنت من الله ان يمنن عليه بالصحة و العافية و لو كان بذلك نقمة عليهم........... دائما محاصرة بمشاعرها و من جميع النواحي..... ليس لها الحق بان تكره فوزي فهو منقذها و المضحي بكل شيء من اجلها بحياته بمهنته بسمعته و ليس لها ان تحبه فهي غير قادرة على ذلك... ليس لها الحق بالحزن على داغر لانه ظالمهم ومضطهدهم و لا الفرحة بما اصابه فهي غير قادرة على كراهيتة و نسيانه ليس لها ان تدعو عليه فأن قلبها يمنعها و ليس لها ايضا ان تدعو له فبذلك هلاك مجاهد و هلاكهم جميعا.... ليس لها ان تفرح بالطفل الذي تحمله لأنه ثمرة الاغتصاب و الحقد و لانه وصمة عار في جبينها و طعنة لشرفها و سمعة اهلها و هو سبب كل ما يجري لها من متاعب...... و ليس لها ان تكرهه فهو طفلها و بدأت تشعر بمشاعر خاصة حياله..... اي متاهة هذه يا سعاد؟
.................................................. .................................
عندما دخلت مع فوزي الى غرفته في داره الصغير الذي يسكنه ابوية المسنين انكمش جسدها و ضاقت نفسها كان ذلك حلم جميلة في يوم من الايام ليس حلمها و لا يمكن ان يكون حلمها......... شعور تعيس اعتراها و كبس على انفاسها و لا تعلم اي شعور يكنه لها فوزي الان؟....... ترى بماذا يفكر و هو يتزوج فتاة قد اغتصبت قبل فترة قريبة و حامل باربعة اشهراو يزيد........ ا تتقبلها نفسه ام هناك حاجز من الضيق و الحرج بداخله الان و شيء من الندم يضايقه؟
عندما تطلعت بعينيه ابتسم لها بلطف و تقدم نحوها ثم امسك يدها قائلا بنبرة هادئة و شفافة: "لكم انا سعيد اليوم لدخولك لبيتي و كل حياتي......... اخيرا يا سعاد تزوجتك و في ظروف جائت من صالحنا"
انتزعت يدها من يده بسرعة رغما عنها و تغير شيء بملامحه من تشنجها لكنه بقي محافظا على ابتسامته.
ابتعدت و جلست على طرف السرير و خفضت بصرها و هي محرجة و لا تدري كيف تصيغ له الامر لكنه مضطرة...... اقترب و جلس قربها و عندا وضع ذراعه على كتفها ابعدته ببطء قائلة: "فوزي"
هز رأسه متسائلا عما تريد قوله.......... قالت و هي تفرك يديها: "ااعلم انك رجل صالح و مستقيم و لديك مخافة الله و هدفك رضاه....... ان كنت......... ان كنت طالبا الاجر من الله من هذا الزواج لتسترني و تدرء العار و الفضيحة عن اهلي........... ف......فأتم جميلك و معروفك............ و لا تلمسني"
قطب جبينه و قال بشيء من الغضب و الانتفاض: "ماذا تقولين؟"
***
**
*