شئ من الندم - الفصل 27 - بقلم هند صابر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شئ من الندم
المؤلف / الكاتب: هند صابر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 27

الفصل 27

رواية شيء من الندم الفصل السابع والعشرون بهتوا جميعا و تطلع مجاهد الى السيارات بالخارج المعباة بالرجال المسلحين و قال بعيون حادة و ثاقبة: "لا داعي لكل هذه الجلبة ....... اساليب غبية......... اذهبوا و انا قادم......... لنرى ماذا هناك" بقوا واقفين بالخارج و ذهب معهم بخطى حازمة و غاضبة. عاد شعلان و تهاوى على الكرسي و وضع يده على صدره و تنفس بصعوبة و قال بضعف: "امينة......... الدواء بسرعة" اسرعت هي و امها لمساعدته و كان معتل الصحة و سار معهما الى السرير و هو يقول بانفاس متقطعة: "ماذا يريدون من ابني؟....... اخشى ان يؤذونه كما فعلوا مع ابن غانم........ الله على الظالم...... الله على الظالم ابن علام" هزت رأسها و انسابت دموعها و هي ترد الغطاء على جسده المنهك و قالت بهمس: "لا تفعل هذا بنفسك يا ابي..... ان...... ان مجاهد معتاد على اساليبهم و بعون الله سيعود قبل طلوع الصباح" خرجت من حجرته بخطى متخاذلة و جلست في الصالة و هي تشعر بالمحاصرة و الخوف........... انه يضيق الحياة عليها و على اهلها. قضت ما تبقى من الليل تفكر بمصير مجاهد الان و في المستقبل عندما يعلموا بتورطه مع بثينه......... لماذا القوا القبض عليه و هو اساسا يعمل عندهم و ملقين على عاتقه بعض امورهم و شؤونهم؟..... ترى اي تهمة لفقوها لذلك المسكين الان؟ في اليوم التالي اخبرتها امينة ان شعلان لم يستطيع الذهاب الى عمله بسبب توعكه و انه قلق بشأن مجاهد الذي لم يعرف عنه شيئا لحد الان. مرت ساعات اليوم طويلة و حزينة و هم منتظرين و مترقبين سماع خبر عن مجاهد و عودته اليهم بأي لحظة لكن يبدو انهم سينتظرون طويلا. ماذا تراه يفعل داغر بهذا؟......... ايظنها سوف تستسلم له تحت الضغط الذي يسلطه على اهلها؟ ليبقى ذلك حلمه هي لن تمنحه ذلك الامل مهما فعل و استبد بظلمه حتى يسئم و يتراجع. لقد خيب ظنها بعد ان توقعت انه تغير و كان صادقا معها..... استمال قلبها بكلماته الرقيقة و نظراته المحبة............. انه ذئب كما وصفته والدتها داغر مستحيل ان يعرف الرحمة و الانسانية و لسوء حظها انها تحمل ابنه ليتها تخلصت منه على يد النساء القاسيات اللواتي بعثهن سابقا. .................................................. .................................................. ................... طرق باب دارهم بقوة و كل طرقة ترهبهم لكونهم ادركوا من الطارق بفعل الضجة التي حدثت بالشارع حيث الكل ينبأ بقدوم داغر شخصيا. بقيت هي في الحجرة و سمعته يقول بنبرة احتقار: "ايها العجوز لماذا تهمل عملك؟......... لم ارك طوال يومين؟" قطبت جبينها و زمت شفتيها و هي تستمع الى اجوبة شعلان السلبية جدا امامه حيث قال بنبرة تملق كعادته: " يا سيدي انا منهك القوى و لا قدرة لي على العمل منذ غاب ابني مجاهد و انا طريح الفراش.......... حسنا الان سارتدي ملابس العمل و اخرج لو كنت اعلم انك ستأتي بنفسك ما بقيت هنا....... انا اسف" امينة و بنبرة رجاء: "اين ابني يا سيد داغر؟....... منذ القيتم القبض عليه لم نراه لحد الان؟" قال بجفاف: "ابنك موجود عندنا نحن بحاجته" ثم قال بطغيان: "اما انت يا شعلان فبامكانك البقاء في بيتك لأنك مطرود من العمل و الى الابد......... و لا فرصة عمل اخرى بعد الان بأي محل" وضعت يدها على صدرها كان ذلك بمثابة طعنة لشعلان الذي قال بتوسل و تضرع: "لا ارجوك يا سيدي الا ذلك فمن اين لي ان ارتزق........ الرحمة ياسيدي" قال داغر و هو يتجول في الدار و بحدة: "كان عليك ان ترسل لي اشعارا بعدم قدرتك على المجيء ام انك مستخف بي ايضا؟" وقفت خلف الباب و كان قلبها متسارع النبضات و بقي شعلان يتملقه و يتوسل حتى قالت امينة بانفعال: "لماذا تفعلون بنا كل هذا؟...... الا ترحم رجلا كبيرا........ اخذتم ابني و اليوم اتيت لتقطع رزق زوجي...... الا تخشى الله" ساد صمت و فركت سعاد يديها بشدة و ارتباك و خشيت ان يتعرض لوالدتها و يسيء معاملتها..... قبل ان يقول شيئا خرجت هي من الغرفة و رفع بصره اليها و عندما رآها تحركت اهدابه الداكنة ببطء ثم ابعد بصره و اشار الى رجاله ليخرجوا من البيت. كان منظر شعلان مثيرا للشفقة اذ كان حائرا كيف يرضي سيده المتعصب و هادرا كرامته امامه....... اثر ذلك في نفسها كثيرا و حقدت على الكون كله لهذه الطبقية...... لماذا يا الله يحصل هذا لهم لقد بلغ الغضب اوجه من اولئك الرجال و قدرتهم و سطوتهم. فجأة اسند شعلان يده على الجدار و ابعد داغر بصره الى الناحية الاخرى عندما هرعتا اليه و عندما ادخلتاه الغرفة خرجت هي و قالت بغضب شديد: "غرضك دنيء و فعلك قبيح......... تضغط علي باسلوب رخيص...... انت جبان و ابوك و اهلك........ حقير" اشعل سيجارة و قال بصوت خافت: "ساؤذيكم كثيرا و اجعلكم خاسرين......... ساجعلكم اضحوكة المنطقة يا سعاد....... سادمركم" خفقت اهدابها و قالت بشيء من الضعف: "تعقل يا داغر...... هذا طغيان اتق الله" انتزع السيجارة من فمه و رماها على الارض و قال بانفعال: "لا يوجد عقل بعد....... لقد فقدته تماما..... اما انت و اما التنفيذ" تلاحقت انفاسها و بقيت صامتة و ادركت مدى زناخته اذ يساومها على شرفها بكل وقاحة. ثم اقترب و قال بغضب مكتوم: "انا الان كالمجنون و عنادك يعذبني و يثير غضبي و من اجل امتلاكك افعل اي شيء يخطر ببالي و لا يهمني احدا......... لأن لا قلب حي عندي و لا ضمير يعمل... انا معروف بذلك و اعتقد انك اكثر واحدة تعرفين ذلك" تنفست بصعوبة وقالت بامتعاض: "اخرج...... اغرب عن وجهي انا اكرهك" ابتسم بعصبية قائلا بتهديد: "ساغرب......... سأغرب بالتأكيد" و سار بخطى قوية ثم فتح الباب و اشار الى رجاله مخاطبا قائدهم بنبرة قاسية جدا: "دمر هذا البيت على اصحابه و احرق مزرعتهم هذه و لا تتردد ثانية" شهقت و تدفقت دموعها و تطلع اليها بجبروت ثم اتجه الى سيارته.... لحقت به راكضة و قائلة بضعف و توسل: "لا ارجوك ليس هكذا ......... اسمعني....... اسمعني يا داغر" و قبل ان يصعد سيارته امسكها احد رجاله بعنف و دفعها الى الباب قائلا: "لا تنادي سيدك باسمه يا فتاة" تراجع جسدها و اختل توازنها ثم سقطت على الارض! التفت داغر بسرعة على اثر ذلك و تطلع بها و اتسعت عينيه و تغيرت ملامحه ثم خطى الى الرجل قائلا بهياج و فقدان صواب: "ايها الكلب" وصفعة بقوة شديدة ادمى فمه حتى سال الدم على ذقنه و سادت لحظة من البهوت و الذهول على وجوه الجميع و اولهم سعاد. و قبل ان يصعد سيارته امسكها احد رجاله بعنف و دفعها الى الباب قائلا: "لا تنادي سيدك باسمه يا فتاة" تراجع جسدها و اختل توازنها ثم سقطت على الارض! التفت داغر بسرعة على اثر ذلك و تطلع بها و اتسعت عينيه و تغيرت ملامحه ثم خطى الى الرجل قائلا بهياج و فقدان صواب: "ايها الكلب" وصفعة بقوة شديدة ادمى فمه حتى سال الدم على ذقنه و سادت لحظة من البهوت و الذهول على وجوه الجميع و اولهم سعاد. اعتدلت و امسكت بالباب و نهضت ببطء و هي تتطلع بداغر الي جال ببصره بوجوه رجاله و بدى بموقف محرج من ردة فعله التي لا تناسبه و لا تناسب صورته امام رجاله. قال بجمود: "هيا اصعدوا" قال احدهم بتردد و خوف: "لكن يا سيدي ماذا عن حرق المزرعة و تخريب البيت؟" جفلت و تراجعت عندما صرخ بمنتهى العصبية: "قلت اصعدوا" تراكضوا امامه و صعدوا سيارتهم بسرعة....... عندما التفت اليها تراجعت و لاحظت اضطراب انفاسه ثم انزلت بصرها عندما ابتعد و صعد سيارته و عندما انصرفوا وضعت يديها على وجهها الساخن و قالت بهمس و كل اوصالها ترتجف: "الحمد لله.......... الحمد لله" جلست في سريرها و هي تضع يديها على فمها و تهز جسدها بحركة رتيبة و تحاول ان تتمالك اعصابها و خوفها........ انه موقف رهيب....... ما حصل الليلة موقف شديد لقد اخافها تهديد داغر بحرق المزرعة و البيت اخافها بشدة....... و ذلك الموقف الاخير و كيف ضرب الرجل امامها بكل وحشية حتى هشم فمه....... اول مرة تراه هكذا..... غضبه مخيف لقد ارعب قلبها الضعيف صمته مخيف حتى هدوئه ينبأ بكارثة..... اصبحت تخشاه اكثر من اي مشاعر اخرى اتجاهه. و امسكت بطنها و اتسعت عينيها و عضت على شفتها عندما شعرت بألم مصحوب بنزول دم. .................................................. ................................. قالت جميلة باحراج: "لكن ماذا اقول ليحيى ان سألني ما سبب ذهابي الى الطبيبة؟" سعاد و بالحاح: "اي شيء قولي له اي شيء.......... انا اتألم و لا بد لي من زيارة الطبيبة.......... انا متعبة يا جميلة و لا اريد ان الفت نظر رجال داغر الى اي شيء مريب تعالي معي ارجوك" اومأت جميلة موافقة و كانت مترددة جدا لكنها مضطرة امام ألم اختها فهي لا تستطيع ان تتركها تعاني و تتعذب دون ان تمد لها يد العون و بالتاكيد ستتعرض لمسائلة زوجها و استغرابه. قالت سميرة و هي تعود لتجلس امام مكتبها: "من الطبيعي ان يحدث معك هكذا عارض يا سعاد....... انت محطمة و عليك ان تتجنبي الانفعالات و الا ستخسرين نفسك" سعاد و بسرعة: "ارجوك اكتبي لي العلاج بأسم جميلة" قطبت الطبيبة جبينها و كتبت العلاج و بدت هذه المرة متوترة جدا و متضايقة اكثر من اي مرة زارتها فيها. عندما قدمت لها الورقة قالت بقلق: "سعاد......... اشعر بأن هناك شيء غامض يحوم حولي........... كأن عيادتي مراقبة......... لمحت اكثر من مرة رجال من ال مالك يقفون بالقرب" ابتلعت سعاد ريقها و امسكت يد جميلة قائلة بقلق شديد: "يا الله........ انا...... انا اسفة يا دكتورة" سميرة و بانزعاج: "هذا ما كنت اخشاه طوال الوقت.......... كان بودي ان امد يد العون لك لكن كنت خائفة من العواقب......... سعاد لا تأتي الي بعد اليوم ابدا........ ارجوك جنبيني غضب ال مالك فأنا لا اعتبر شيء امامهم" ربتت جميلة على كتف سعاد و خرجتا بموقف ضعيف و مهين و كانت سعاد تتطلع حولها في الشارع و تتلفت و حالها متغير كأنها ليست سعاد السابقة القوية المتمالكة لاعصابها المتماسكة بدت غير واثقة بكل خطوة تخطوها........ قالت جميلة بهمس: "سعاد حبيبتي لا تخافي هكذا....... لا احد هنا صدقيني انا تفحصت المكان" .................................................. ................................. وضعت سعاد يديها على رأسها في غرفتها و اغمضت عينيها بقوة و هي تستمع الى حماقات يحيى مع امها في الخارج كان يتكلم بصوت مرتفع و هو يتلفظ بكلمات جارحة على جميلة و يهدد بأنه سيقطع رجل جميلة من بيتهم تماما و انه سيخبر مجاهد و شعلان بعلاقة سعاد القديمة مع فوزي و سيخرب عليهم اي مشروع زواج. كانت امينة تحاول ان تهدأ من غضبه و تسايره الا انها انهارت في النهاية و قالت بصراخ: "كفى يا ابني يكفينا ما يحدث لنا من مصائب......... مجاهد معتقل من قبل ال مالك و لا نعرف عنه شيئا و انتم تشغلون نفسكم بالحماقات....... جميلة خرجت مع اختها بمشوار صغير لن تنقلب الدنيا لا داعي لكل ذلك التنكيل يا ابني ارحمني و خذ زوجتك و اذهب" قالت جميلة باستياء و استنكار: "لا اريد الذهاب مع يحيى..... لم اعد احتمله" يحيى و بغضب وحدة: "ابقي هنا و لن اتقبلك في بيتي حتى تأتين الي نادمة على كلامك هذا" دمعت عيني سعاد عندما صفق الباب بقوة و رحل........ عندما دخلت جميلة الى الغرفة رفعت سعاد بصرها و تطلعت بها بعينين حمراوين قائلة بخذلان و ضعف: "انا اسفة......... انا حطمت حياتك يا جميلة...... سامحيني" جلست جميلة و قالت بضيق و دموع: "انت مجبرة ليس لك ذنب يا اختي......... يحيى يعاملني اسوء معاملة و كأنه تورط بذلك الزواج و ينتظر مني ان اطلب الطلاق" .................................................. ................................. بعد مرور اسبوع على غياب مجاهد تطلعت سعاد الى امينة التي كانت جالسة تصلي و تبكي بحرقة و تدعو الله ان يرد لها مجاهد....... ثم التفت الى شعلان الذي كان جالس قرب النافذة و يتطلع بحزن امامه دون ان ينطق بأي كلمة منذ يومين و هو على هذا الحال و كأنه مصدوم لدرجة عدم الاهتمام بمن حوله. و نظرت الى جميلة التي كانت تسير ذهابا و ايابا و بدى القلق مسيطر على الجميع و كأن مجاهد لن يعود ابدا. نهضت فجأة و فتحت الباب الخارجي و عندما نادت جميلة خلفها لن تأبه. .................................................. .................................................. ..................... وصلت الى فيلا علام و تأملت الممرات و المداخل و هي تلهث لقطعها لتلك المسافة بسرعة و هرولة تقريبا. رفعت بصرها الى مشارف البناية و عجزت عن الدخول فالحراس منتشرين بكل مكان حول الفيلا. حامت حول المكان و اتجهت الى الباب الخلفي و تطلعت الى الداخل متجاهلة تركيز الحراس بها........ اومأت بيدها الى طفل جالس يلعب في الحديقة و كان بعمر الستة اعوام......... هرول اليها و قالت له بلطف و نعومة: "حبيبي الا تنادي لي الانسة بثينه........ اخبرها انني انتظرها بالخارج ....... اسمي سعاد هيا" بقي الطفل يتطلع اليها بصمت............ كررت المحاولة حتى قال بصوته الطفولي الرقيق: "عمتي ......... حبيسة" اتسعت عينيها و قالت بتفكير و استغراب: "حبيسة؟.............. ومن الذي يحبسها؟" اجاب بتأمل و براءة: "جدي........... انها مذنبة و لا يمكن ان تنال حريتها....... هكذا يقولون بالداخل" و داعب القضبان المتينة. *** ** *