البدايه
---
عنوان الرواية: "ذكريات في الزمان البعيد"
في أحد أحياء بغداد القديمة، حيث الوجوه التي طالما اعتادت أن تبتسم في وجه الحياة، كان هناك شاب اسمه "حيدر". حيدر كان طيب القلب، لكن حياته كانت مليئة بالفقدان والوجع الذي لا يراه أحد.
كان حيدر يعيش مع أمه، "أم حسين"، التي كانت بالنسبة له كل شيء. كانت هي القوة التي تُبقيه على قيد الحياة، رغم قسوة الأيام. كان حيدر يشتغل في ورشة صغيرة، يساعد والده المتوفي على مر السنين في توفير لقمة العيش.
لكن، لم يكن يعرف أن الأيام القاسية لا تتوقف عند حد. في أحد الأيام، وبينما كان حيدر يعود من العمل متأخرًا، جاءه خبر مفجع: "أم حسين توفيت".
الخبر كان كالصاعقة، كما لو أن الأرض اهتزت من تحت قدميه. لم يستوعب حيدر ما سمعه، كان يقف هناك، في الشارع المظلم، وعينيه مليئة بالدموع التي لا تستطيع أن تنهمر. كيف يمكن أن يخسر كل شيء؟ كيف يمكن أن يكون الفقد أكبر من فقدان الأم؟
رجع إلى البيت، والكل كان يبتعد عنه، يشعرون بحزنه العميق. دخل إلى الغرفة، ورأى مكان أمه الذي كان يعج بالدفء والحب. الآن، كل شيء أصبح باردًا، وكل زاوية في المنزل تذكره بصوتها وضحكتها.
كان حيدر يعرف أن الفقد هو جزء من الحياة، لكن لم يكن يعرف كيف يواجه الحياة بدونها. كانت أم حسين هي التي تعلمه كيف يواجه كل يوم، وكيف يحتمل الصعاب، وكيف يرى الأمل في أصعب اللحظات. لكن الآن، تركت حيدر في عالم مظلم لا يعرف كيف يخرج منه.
مرت الأيام، وحيدر أصبح يعتكف في غرفته، لا يخرج إلا للعمل، وقد أصبح مثل الغريب في بيته. لا شيء يفرحه، ولا شيء يطمئنه. كان الناس في الحي يتساءلون عن حاله، لكنهم كانوا يعرفون أن حيدر لم يعد كما كان.
وفي أحد الأيام، بينما كان يمشي في الشارع وحده، رأى مجموعة من الأطفال يلعبون. بدأ يراقبهم بصمت، وعينيه مليئة بالحزن. تذكر كيف كانت أمه تقول له: "حبيبي حيدر، الحياة صعبة، بس إذا ما ضحكت في وجهها، بتخسر كل شيء." ابتسم حيدر ابتسامة مريرة، وكأن تلك الكلمات كانت تطارده في كل لحظة.
كان هناك حلم قديم في قلب حيدر، حلم كان يشترك فيه مع أمه. كانا يخططان معًا أن يفتحوا محلًا صغيرًا للزهور في الحي، ولكن الحلم توقف بعد أن غابت أمه عن عالمه. كيف يمكن لحلم أن يتحقق بدونها؟
في تلك اللحظة، شعر بحزن عميق، كأن روحه انفصلت عن جسده، وكأن الحياة كانت تكذب عليه. لكنه لم يستطع أن ينكر شيء واحد: في قلبه كان يعلم أن أمه كانت تريده أن يحقق حلمهما معًا.
قرر حيدر أن يعيد إحياء هذا الحلم. بدأ يجمع كل ما يستطيع من المال، وحاول بكل قوته أن يفتح محل الزهور. كانت البداية صعبة، لكنه كان مصممًا. وأخيرًا، وبعد عدة أشهر من الكد والتعب، فتح المحل في مكان صغير، قريب من بيته القديم.
لكن رغم أن الحلم أصبح واقعًا، إلا أن حيدر كان يشعر بأن شيئًا ما ينقصه. كان دائمًا يضع الزهور في المكان الذي كانت تضع فيه أمه الورود، ويتمنى أن تشاركه تلك اللحظة. لكنه كان يعرف أن هذا الحلم لا يمكن أن يكتمل بدونها.
ومع مرور الزمن، أصبح حيدر يفتح محل الزهور كل يوم، ويدعو أمه في قلبه أن تكون هناك، في كل لحظة، تراقب حلمهما يتحقق.