الفصل الثاني
لم تستطع نور كبح فضولها، فانتظرت حتى نام إياد وسرقت مفتاح القبو من سترته. فتحت الباب بصوت أزيز صدئ، واندفعت رائحة عتيقة ممزوجة برماد قديم.
في الداخل، كانت الجدران مغطاة بصحف قديمة عن حادثة حريق دار الأيتام. حملت إحداها، وقرأت العنوان الذي جمد دمها:
“حريق دار الأيتام: مقتل جميع الأطفال... باستثناء فتاة واحدة فُقدت آثارها.”
وتحت العنوان... كانت صورتها.
صوت هادئ اخترق الصمت:
"كنت أعلم أنكِ ستجدين الحقيقة."
استدارت لتجد إياد واقفًا عند باب القبو، عيناه داكنتان لكن فيها ومضة ألم.
"أنقذتكِ من ذلك الجحيم، نور. لكنكِ... لم تكوني الوحيدة."
اهتزت الغرفة بصدى كلماته، وبدأت ذاكرتها تعود كحطام يتطاير: كانت تلك الطفلة التي بكت في الحريق... أختها الصغيرة. وتذكرت اليد التي انتشلتها من النيران... لم تكن يد إياد، بل يد طفلة أخرى... أختها التي تركتها خلفها.
صوت بكاء خافت صعد من ركن القبو... انقبض قلبها وهي تقترب... لتجد فتاة صغيرة، لا تزيد عن عشر سنوات، بشعر فوضوي وعينين تشبهانها حدّ الرعب.
"نور... أختي!"
جثت نور على ركبتيها، عيناها تغرورقان: "كيف...؟"
أجاب إياد بصوت مكسور: "أنقذتها أيضًا... لكنها فقدت النطق، وفقدت الثقة بالعالم. أبقيتها هنا... لأحميها."
لكن فجأة، دوى صوت كسر نافذة، ودخل رجل بملامح قاسية يحمل سلاحًا:
"إياد... ظننت أنك دفنت الماضي."
علمت نور فورًا أن هذا الرجل هو من تسبب بالحريق، وأن إياد كان يحميها طوال الوقت.
اندلعت معركة عنيفة، دافع إياد بكل ما لديه، لكنه سقط مصابًا. شعرت نور بالغضب يجتاحها كعاصفة، أمسكت بقطعة حديد وهاجمت الرجل بكل قوتها، حتى أسقطته فاقدًا للوعي.
ركضت إلى إياد، دماؤه تصبغ الأرض:
"لا... لا تتركني!"
ابتسم إياد رغم الألم: "الآن... أنتِ تعرفين الحقيقة. أنتِ قوية... احمي أختك..."
نجا إياد بعد وصول الشرطة، وتم القبض على المجرم. عادت نور إلى حياتها مع أختها، لكن هذه المرة كانت تحمل في قلبها قوتها الحقيقية: حب العائلة التي وُلدت من الرماد.
وأدركت نور أن الذاكرة قد تحترق... لكن الحب الذي ينبعث من رمادها لا يزول أبدًا.