ثم عاد - الفصل الحادي عشر - بقلم صبري محمد رجب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ثم عاد
المؤلف / الكاتب: صبري محمد رجب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

ثــم عــــاد الفصل الحادي عشر والأخير برمج حياتك فكلُّ يومٍ له لون جديد في الطاعة، فالطَّاعة في ديننا كثيرة ومُتنوعة، فأنجزْ كلَّ يوم شيئًا جديدًا، شرطَ أن تقوم به على أحسن وجه، مع مُلاحظة عدم الاهتمام بالكمِّ على حسب الكيف، بل نَهتم بالكيف؛ يعني: بِجودة العمل، مع الارتقاء بالكم شيئًا فشيئًا والاستكثار من الخيرات والطَّاعات والتشبُّع بأعمال البر، وترك الذنوب صغارها وكبارها، واعلم يا أحمد، أنَّ العبدَ عند بداية استقامته يَجد قوة تَحثُّه على السير، وتدفعه إلى الخير، ويشعر بلذة إن لم يستغلها ويُحافظ عليها بالطاعات، ستذهب عنه ولا عزاء، قال: إنَّني بالفعل أشعر بما تقول، هذه الرغبة العارمة في فعل الخير، وذاك المذاق في قلبي ما أجمله! أجبته: لذلك وجب علينا أنْ نستغلَّ بَهَاءَ البداية، وهذه القوة الدَّافعة، فصحة الانتهاء من صحة الابتداء، وفساد الانتهاء من فساد الابتداء، فمن كانت له بداية محرقة، كانت له نهاية مشرقة. قال أحمد: فكيف إذًا نرتقي بإيماننا، ونرفع منسوبه؟ قلت: من فضلِ الله - يا أحمد - أنه لا يكلف نفسًا إلاَّ وُسعها، فجعل كل ما يُحب في مقدور العبد، فكل سبب في زيادة الإيمان هو من المتاح لكلِّ عبد، فمُستقِل ومُستكثر، فالذي يريد النَّجاة يتزود بكلِّ ما أوتي من قوة، وهذا مما يُحبه الله؛ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، وهناك حد أدنى من الطاعات لا تراجع عنه، وهي تحصينات مجربة تُزكي الإيمان، وتربيه، وتُحافظ على القلب وتحييه، ومثل ذلك: عمل اليوم والليلة قال: ماذا تقصد بعمل اليوم والليلة؟ قلت: المؤمن الذي يبحث عن الكمال، ويسعى في تحصيل السَّلامة له برامج دائمة من الطاعات والقربات، منها عمل اليوم والليلة، وهو البرنامج اليومي، وهناك برنامج أسبوعي، وشهري، وأربعيني، وبرنامج عمري، وآخر سنوي، وفي هذه البرامج بعض من أهم العبادات، وإلا فالقربات أكثر من أن تُحدد، ولكن هذه البرامج أمثله قابلة للزيادة والتطوير، ومن المهم جدًّا أن نضع نصب أعيننا أن الفرائض مقدمة دائمًا على رأس قائمة الاهتمامات، ثم السنن الراتبة، فالنوافل المطلقة، ولنحذر - يا أخي - من عشوائية التعبُّد، فنهتم بالنوافل على حساب الفرائض. البرنامج اليومي: وفي الحديث القدسي: ((... وما تقرَّب إلَيَّ عبدٌ بشيء أحب إلَيَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إلَيَّ بالنوافل حتى أحبه))، ومن أوَّل الاهتمامات اليومية للعبد الصلاة، "فهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأفضل الأعمال بعدهما، وهي رأس العبادة البدنية، بل إن الطريق إلى الفلاح والتمكين يبدأ من المحاريب، وللأسف الشديد لقد صار المصلُّون بالنسبة إلى جملة المنتسبين إلى الإسلام قليلين، والذين يشهدون صلاة الجماعة من هؤلاء أقل، والخاشعون في صلاتهم أقل من القليل، واعلم - يا أخي - أن الصلاة النافعة هي الصلاة الخاشعة؛ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1 - 2]. وهَيَّأَ لنا أسبابَ الخشوع، فينهى النبي  عن الإسراع في المشي إلى المسجد، ونهى عن الصلاة بحضرة طعام، كذلك وهو يدافع الأخبثين؛ دفعًا لما يطرد الخشوع، وجعل ((مَن خرج من بيته مُتطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، وصلاة على أثر صلاة لا لغوَ بينهما كتاب في عليِّين)). يتبع الحفاظ على صلاة الفريضة الحفاظ على السنن الرَّاتبة القبليَّة والبَعدية، "وهذه النوافل كالخنادق التي تُحفر لحراسة الحصن، أو كالسُّور الذي يقام حول المدينة، فلا يَمسها سوء، ولا يصل إليها عَدو، حتى يَجتاز هذه الخنادق، أو يقتحم السور، فمَن حافظ عليها، كانَ أجدرَ به أن يُحافظ على الصَّلوات المكتوبة، كما أنَّها تكمل ما وقع في الفريضة من نقصٍ، وتَجبر ما طرأ عليها من كسر". وعن أمِّ حبيبة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله : ((ما من مُسلم يُصلي لله - تعالى - في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا، إلاَّ بَنَى اللهُ له بيتًا في الجنة))، وهي صلاة "أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر". قال أحمد: وماذا نفعل في البرنامج اليومي بعد الاهتمام بأمر الصلاة؟ صنع على عين الله: الصُّنع على عين الله، وبهجة النفس في قراءة القرآن الكريم؛ ((من قرأ منه حرفًا، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))، وتأمَّل معي - يا أحمد - في سورةٍ من أقصر السور في القرآن الكريم، وكم فيها من الحسنات! وكم نستغرق من الوقت في قراءتها؟ سورة الإخلاص بالبسملة (66) حرفًا بضربها في 10 = 660 حسنة في 15 ثانية تقريبًا، فكم نضيع من الحسنات، وقد حثَّ الله عبادَه على تلاوة القرآن، فقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]. "وتلاوة القرآن - يا أحمد - تعني شيئًا آخر غير المرور على كلماته بصوت أو بغير صوت، تعني تلاوته عن تدبُّر ينتهي إلى إدراك، وتأثر، وعمل بعد ذلك، وسرور، ومن ثَمَّ يتبعها بإقامة الصلاة وبالإنفاق، رجاؤهم بذلك تجارة لن تبور". وقد امتثلَ الصالحون من السَّلف إلى هذه الوصايا، فنجدهم حريصين كلَّ الحرص على تلاوة القرآن، ولهم عادات مُختلفة في قدر ما يَختمون فيه قراءتَهم للقرآن غير أنه أساس في البرنامج اليومي، فنجد بعضهم يَختم في كل شهر ختمة، وبعضهم في كل عشر ليالٍ ختمة، وبعضهم في كل سبع، وعند كثيرين في كلِّ ثلاث ليالٍ، وأقل القليل - يا أخي - جزء في اليوم بمعنى ختمه كلَّ شهر، وقد قال النبي  لعبدالله بن عمرو: ((واقرأ القرآن في كل شهر)). لماذا نقرأ القرآن: ومن أجل تَحصيل أكبر قدر من الحسنات والفائدة - لا بُدَّ أن نقرر لماذا نقرأ القرآن، فكلَّما تعدَّدت النوايا، عَظُم الأجر، فمثلاً: "نقرأ القرآن؛ لأنَّ الله يُحب ذلك"، ونقرأ القرآن؛ لزيادة الإيمان؛ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، ونقرأ القرآن بقصد الهداية؛ ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1 - 2]، ونقرأ القرآن بقصد التدبُّر؛ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، ونقرأ القرآن بقصد الاستشفاء من أمراض القلوب والأبدان؛ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، نقرأ القرآن بقصد ذكر الله، وقد قال النووي - رحمه الله -: "أفضل الذكر قراءة القرآن، ولن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه". * نقرأ القرآن بقصد العلم؛ قال ابنُ مسعود : "إذا أردتم العلم، فانثروا هذا القرآن، فإنَّ فيه علمَ الأولين والآخرين"، نقرأ القرآن بقصد أن يَجعله الله شفيعًا يومَ القيامة؛ ((الصيامُ والقرآن يشفعان للعبد يومَ القيامة)). قال أحمد: سبحان الله! لقد كنت أقرأ القرآن من أجل الثواب فقط، ولم أكن أعلم كل هذه المقاصد. إنَّها وحْدَها حصن حصين تزيد الإيمان، وتبعدُ الشيطان، بل لو كانت وحْدَها في البرنامج اليومي، لكفت، ولكني أظنُّ أن لها أخوات، فما الطاعة التالية في البرنامج اليومي؟ ولذكر الله أكبر: أجبته: إنَّه الذكر الذي يُرضي الله، ويَطرد الشيطان، وهو من أسهل العبادات وأخفها، ولم نطالب بالإكثار من شيء من العبادات إلاَّ الذكر؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، والذكر يصحُّ في كل المواقف، في السرِّ والعلن، في المرض والعافية، في السفر والحضر، في السلم والحرب، وقد وعد الله عبادَه بذكرهم إذا ذكروه، فقال - سبحانه -: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، وليس العَجب من فقيرٍ يسأل غنيًّا، أو ضعيفٌ يستعين بقوي، ليس العجب من قوله: ﴿فاذكروني﴾ إنَّما العجب من قوله: ﴿أذكركم﴾، وقد دَلَّ النبيُّ  أمَّته على أتَمِّ صور الذِّكر، فقيَّد - عليه الصلاة والسلام - أذكارًا، وأطلق أخرى؛ بمعنى أنه خَصَّ بعض الأوقات والأحوال بأذكار معينة، وعلمنا كيف نذكر ربَّنا فيها، ومن أبرز هذه الأذكار أذكار الصباح والمساء. وموعد أذكار الصباح من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأذكار المساء من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ومن الأذكار الموظَّفة كذلك ذكر دخول المنزل، والخروج منه، ودُخول الخلاء، والخروج منه، ولبس الثوب، وركوب الدَّابة، وأذكار النوم، وغيرها من الأذكار، ويُمكنك - يا أخي - أن تصحب كتابًا تقرأ منه هذه الأذكار؛ حتى توفق إلى حفظها. سنة الإشراق: وهى من أعمال البرنامج اليومي، فعن أنس  قال: قال رسولُ الله : ((مَن صلى الصبحَ في جماعة، ثم قعد يذكُر الله حتى تطلُعَ الشمس، ثُمَّ صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعُمرة تامة تامة تامة)). سنة الضحى: عن أبي الدرداء  قال: قال رسول الله : ((من صلى الضُّحى ركعتين، لم يكتبْ من الغافلين، ومَن صلى أربعًا، كتب من العابدين، ومن صلى ستًّا، كفاه الله ذلك اليوم، ومن صلى ثَمانية، كتبه الله من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة، بنى له اللهُ بيتًا في الجنة)). قيام الليل "دأب الصالحين": عن أبي أمامة قال: قال : ((عليكم بقيام الليل، فإنَّه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)). وبالوالدين إحسانًا: برُّ الوالدين، والإحسان إليهما - من آكد الأعمال اليومية؛ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، ومن البر اليومي الزيارة لهما، وقضاء حاجتهم، وأقل القليل اتِّصال تليفوني يومي. صلاه الوتر: عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النبي  قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا))، وهذا ليس كل شيء - يا أحمد - إنَّما هي أمثلة تحضيرية، وباب الخير فسيح، ومَن يتحرى الخير يعطه، وهنا عاد صوت التكبير يُحرضنا على الخوض في غماره، قطعنا حديثنا، وسبحنا مكبرين: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، خرج الإمام، فانتصب المصلون متابعين لإمامهم، انتهت الصلاة، واعتلى الإمام منصة العيد؛ ليخطبَ المسلمين، وزعت الهدايا والحلوى على الأطفال، نزل الإمام من على منصته، وتعاون المسلمونَ على جمع سجادات الصلاة، وأفلوا راجعين إلى بيوتهم، بقيت أنا وعصبة من الشباب من أصدقاء أحمد حملتهم في السيارة، وقبل أن نتحرك، بادرني أحمد: هل سنتكلم عن البرنامج الأسبوعي للمسلم؟ أجبته: بالطبع - يا أخي - وأول هذه الأعمال. العيد الأسبوعي: يوم الجمعة، فعن أوس بن أوس الثقفي  قال سمعت رسول الله  يقول: ((من غَسَّلَ يوم الجُمُعة واغتسل، وبَكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها))، ومن السنة يوم الجمعة كثرة الصلاة على النبي  والذهاب مبكرًا للمسجد يوم الجمعة، والتطيب، ولبس أحسن الثياب وقراءة سورة الكهف، فعن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله : ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين))، وكذلك فإنَّ في يوم الجمعة ساعة إجابة، ويُرجى أن تكون الساعة الأخيرة بعد عصر الجمعة، قال أحمد: ما أجمله من يوم جامع للخيرات! إنَّه حقًّا عيد لكل مُسلم، زدني زادك الله من الخير. صيام الاثنين والخميس: قال : ((تُعرض الأعمال على الله يومَ الاثنين والخميس، وأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم))، وقال : ((من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا))، هذا غير ما للصوم من آثار تربوية من تهذيب للنَّفس، وكسر لحدة الشهوة. هدية الأربعاء بعد صلاة الظهر: عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: "دعا رسولُ الله  في هذا المسجد (مسجد الفتح) يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستجيب له بين الصَّلاتين من يوم الأربعاء"، قال جابر: ولم ينزل بي أمر مهم غائظ، إلاَّ توخَّيت تلك الساعة، فدعوت الله فيها بين الصلاتين يوم الأربعاء إلاَّ عرفت الإجابة". قال العلامة الألباني - رحمه الله -: لولا أنَّ الصحابي أفادنا أن دعاء الرسول  يومَ الأربعاء، كان مقصودًا - والشاهد يرى ما لا يرى الغائبُ - وليس الخبر كالمعاينة، لولا أنَّ الصحابي أخبرنا بهذا الخبر، لقلنا: إنَّ هذا قد اتُّفق لرسول الله  أنَّه دعا، فاستُجيب له في ذلك الوقت من ذلك اليوم، لكن أخذ ذلك الصحابي يعمل بما رآه من رسول الله  يومًا ووقتًا، ويُستجاب له، علمنا أنَّه سنة تعبُّديَّة لا عفوية، وهذا أمر فهمناه بواسطة الصحابي  فسبحان مَن لا تنقطع عطاياه! صلة الرحم: كثير من النَّاس يشتكي من جفاء أقاربه، ويبحث عن الحل؟ والحل أن يبدأ ويصلهم، فعن أبي هريرة  "أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابة، أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويَجهلون عليَّ، فقال : ((لئن كنت كما قلت، فكأنَّما تسفهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دُمْتَ على ذلك)). ونقترح إعدادَ قائمة بأسماء الأرحام تَحتوى على أسماء الأعمام والعَمَّات والأخوال والخالات، معها العناوين، ومن أفضل الصِّلة الزيارة، ولك - يا أحمد - أنْ تَصِلَهم بالمهاتفة والمراسلة، والأحسن تنويعُ صور الوصل حسب الاستطاعة. طلب العلم: عن معاوية  قال: قال النبي : ((من يُرِد الله به خيرًا، يفقهه في الدِّين))، قال العلامة ابن باز - رحمه الله -: "معنى هذا أنَّ من لم يرد الله به خيرًا، لا يفقهه في الدِّين، وتتنوع - يا أخي - صور طلب العلم هذه الأيام من دروس في المساجد، وزيارة المكتبات، وسماع الأشرطة، والإسطوانات المدمجة، ومن أعظم فوائد طلب العلم تحصيل الخشية من الله - تبارك وتعالى -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فأشدُّ الناس خشية لله هم العلماء، وهنا قال أحد أصدقاء أحمد ممن استقلُّوا معنا السيارة: عفوًا ممكن أن أنزل هنا؟ توقَّفنا بالسيارة جانبًا، وقال: بكل صراحة الحديث مفيد للغاية، إن شاء الله أراكم قريبًا السلام عليكم، أجبنا: وعليكم السلام، ثم قال أحمد: سننتقل الآن إلى البرنامج الشهري؟ أجبته: هيا إلى البرنامج الشهري. ثلاثة أيام من كل شهر، عن أبي هريرة  قال: "أوصاني خليلي  بصيام ثلاثة أيام من كل شهر"، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وقال : ((صوم ثلاثة أيام صوم الدهر)). أذكار رؤية الهلال: عن طلحه بن عبدالله قال: كان  إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربُّنا وربُّك الله)). البرنامج الأربعيني: إدراك تكبيرة الإحرام: عن أنس بن مالك  قال: قال : ((من صلى لله أربعين يومًا في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النِّفاق)). النظافة وسنن الفطرة: عن أنس  قال: "وُقِّتَ لنا في قصِّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة - أنْ لا نتركَ أكثر من أربعين ليلة". البرنامج السنوي: صيام رمضان: عن أبي هريرة  قال: قال رسولُ الله : ((مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدَّم من ذنبه)). الزكاة: وهي فريضة؛ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: 20]، وهي طهرة للمال وزكاة للنفس. العمرة: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله : ((عمرة في رمضان حجة معي)). التراويح: عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه)). صيام عرفة: عن أبي قتادة قال: سئل النبي  عن صوم يوم عرفة، قال: ((يكفر السنة الماضية والباقية)). صيام يوم عاشوراء وتاسوعاء: عن أبي قتادة قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يومِ عاشوراء قال: ((يكفر السنة الماضية))، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع)). صيام ستة من شوال: عن أبي أيوب قال: قال رسولُ الله : ((مَن صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر" الأضحية: وهي الشاة التي تذبح يوم العيد تقرُّبًا إلى الله عن أهل كل بيت مسلم قادر عليها، وفي الحديث: "كان الرجل يضحي بالشاة عنه وأهل بيته". البرنامج العمري: أداء فريضة الحج: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وعن أبي هريرة  قال: قال رسولُ الله : ((من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق، رَجَع كيوم ولدته أمه)). صلاة التسابيح: عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال رسولُ الله  للعباس: ((يا عباس، يا عمَّاه، ألاَ أصلُك، ألاَ أحبوك، ألاَ أنفعُك، تصلِّي يا عمِّ أربعَ ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحةِ الكتاب وسورة، فإذا انقضتْ القراءة، فقل: الله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا إلهَ إلاَّ الله خمسَ عشرةَ مرة قبل أن تركع، ثم اركع، فقلها عشرًا قبل أن ترفع رأسَك، ثم ارفع رأسك، فقلها عشرًا قبل أن تسجد، ثم اسجد، فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسَك، فقلها عشرًا، ثم اسجد الثانية، فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسَك، فقلها عشرًا قبل أن تقومَ، فتلك خمس وسبعون في كلِّ ركعة، وهي ثلاثمائة في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج غَفَرها الله لك إنْ لم تستطعْ أن تصليها في كل يوم، فصلها في كل جمعة، فإنْ لم تستطع فصلها في كل شهر، فإنْ لم تستطع، فصلها في كلِّ سنة، فإن لم تفعل، ففي عمرك مرة". التفتَ إليَّ أحمد كأنَّه في عالم غير العالم، شارد ببصره في الأُفُق، فبادرته قائلاً: فيمَ تفكِّر يا أحمد؟ قال أحمد: أتدري فيمَ أفكر؟ إنَّني أستنكر كلَّ لحظة قضيتها هناك بين أشباح الظلام، كيف كنت أحيا بين جُثَثِ الأحياء في هذا اللَّيل الرهيب، الذي لا صبحَ له، لقد كنتُ أمتطي صهوةَ الموت، وأظنُّ أنني على قِمَّة الحياة، لا أستطيع أن أصف لك طعم الحياة هناك، قاطعته: أحمد أنت الآن هنا، كنت هناك، ثم عدت، فاحتضنِ اللحظةَ الراهنة، يومَك يومَك، أنت الآن تَمتطي صهوة الحقِّ والخير، وليلك صبحه قريب، أنت الآن تستجمع قُوَّتك من جديد، وتستمد هذه القوة من هذه الأعمال الصالحة، التي يرتقي معها الإيمان، حتى تتربع حقيقة على قمة الحياة؛ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. وتَعَوَّذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ، ما زلت ألمح في عينيك كلامًا، أجابني: أريد أن أهتف من أعماقي لكلِّ مَن يعيش هناك، هنا العيشُ وإلاَّ فلا، كما أريد أن أهمس في أُذُن كل مَن كان هناك، ثم عاد صبرنا الله وإياكم على الطاعة، ثم قال: هل من كلمة أخيرة قبل الوداع؟ قلت: أحب أن أقول لك: يا أحمد، لقد تمتَّعت كثيرًا بهذه الحوارات التي دارت بيننا، ولا تنسَ أنَّ كلَّ ما تكلمنا فيه وَمَضاتٌ وأسس، يَجب أن تبحث في معانيها جيدًا، ثم اعلم أنه لا وداعَ بيننا ما دُمنا هنا سنلتقي دائمًا. وأسأل الله كما جمعنا في الدُّنيا على طاعته أن يَجمعنا في الجنة برحمته؛ إنَّه أكرم مَن سُئِلَ، وأجود من أعطى، وهو بالإجابة جدير، قال أحمد: والله، لقد أحببتك في الله، ثم طرح أحمد نفسه على كتفي معانقًا، وانحدرت دَمَعاتُه، فهيَّجَت دَمَعاتي، والتقت دمعاتنا، فتعانقت مُودعة هذه الأوقات الغالية، شَدَدْتُ على يد أحمد مصافحًا: أستودعك الله يا أحمد، يا حبيبي، أجابني: السلام عليكم، قلت: وعليكم السلام، أدرت مُحرِّك سيارتي، وانطلقت وأنا أؤمل أن يبقي أحمد هنا، ولا يلتفت إلى هناك، لعلنا أن نلتقي في الأخرى هناك. سطرت أحداث هذه القصة في الإسكندرية 13 جمادى الثاني1430، الموافق 6 يونية 2009. وكتبه صبري محمد رجب *** ** *