الفصل التاسع
ثــم عــــاد
الفصل التاسع
مخلصين له الدين
حُزن قد علا قلبي في بداية هذه الليلة من رمضان، لَمَّا نظرتُ إلى السماء فوجدتها قد أوشكت على ابتلاع قمرِها، وهو قد تآكل في كَبِدِها؛ إيذانًا بدُنُوِّ أجل هذا الشهر الكريم.
اللهم اجبُر كَسْرَنا على فِرَاق شهرنا: دعوة كأني أسْمعُها من كل لسان قد تلا كلامَ الله في هذا الشهر، كأنِّي أراها في كل عين دَمَعَت في تهجُّده، كأنَّها في كل قلب نَبَضَ في صيامه، اللهم اجبُر كسرَنا، قطع سهمٌ بصري نحو السماء صوتُ أحمد: السلام عليكم، أجبته: وعليكم السلام ورحمة الله، ما هذا الحزن الذي يعلو وجْهَك يا أحمد؟ قال: لقد بقيت ليالٍ معدودة، ويُطوى رمضان.
قلت في نفسي: يا إلهي، إنَّ أحمد قد شعر بما أشعُر به، وكأنَّ ما سمعته كان حقًّا، وما رأيته كان صدقًَا، أجبته: إنْ شاء الله نجتهد فيما بقي من ليالٍ، إنَّما الأعمال بالخواتيم، والعبودية مُستمرة مدى الأزمان، حتى تفارق الأرواحُ الأبدان، ولكن هل ما زلت تذكر عن أيِّ عمل قلبي نتحدَّث اليوم؟
عادت البسمة إلى وجهه، فأجابني: نعم، عن مصفاة الأعمال نتحدَّث، عن العُملة النادرة، أخْبَرتني، كيف أنسى؟ قلت: يا أخي، إنَّه الإخلاص يتحدَّث عن نفسه، فهو الصفاء والنَّقاء والتنَزُّه عن الأخلاط، فالشيء الخالص هو الذي ليس فيه شائبة مادية، أو معنوية، وأخلصُ الدين لله قصدُ وجهه - سبحانه.
والإخلاصُ كذلك هو صدق النيَّة مع الله - تعالى - بل هو نسيانُ رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، فالإخلاصُ هو روح الدِّين ولبابُ العبادة، فلا يرتفع عمل أبدًا ما لم تصحَبْه نية صالحة، وما لم يقرن بإرادة وجه الله وحدَه، بل إنَّ التدين الذي تكتنفه الأهواء ضربٌ من العوج النفسي والالتواء الخلقي، يثير التقزُّز والاشمئزاز، ولك أن تعلم - يا أخي - أن الإخلاص خلاص، وحرية، وفرار من كلِّ قيود الأرض؛ قال - تعالى -: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]، فمن صَلَح فِرارُه إلى الله، صحَّ قرارُه مع الله، الإخلاصُ فرارٌ من الأثقالِ، والأغلالِ، والأوهان، والقيود، التي تشد النفسَ البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق، فيجيء هتاف الإخلاص قويًّا: "لا، لا، يا قيودَ الأرض، إنا نريد وجهَ الله، ونرغب إليه، فلا تحبسينا".
ومن علو شأنِ الإخلاص أنَّ الله يصرف عن صاحبه السوء والفحشاء؛ قال - تعالى - عن نبيه يوسف - عليه السَّلام -: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، فنجَّى الله عبدَه ونبيه يوسف بإخلاصه، وإحسانه، ومراقبته لربه، وعلى مستوى الأمة يَحفظها الله، وينصرها بإخلاص رجالها، وقد قال : ((إنَّما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتِهم، وصلاتهم، وإخلاصهم))، وما ذلك إلاَّ لأنَّ القلبَ المعنيَّ بأمر الله في علوٍّ من الله، وحتى الشيطان الرجيم، نعوذ بالله منه لا سُلطانَ له على المخلصين؛ قال - تعالى - عن الشيطان وإغوائه لمن في الأرض: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 39-42].
ففي الإخلاص غناء عن الانشغال بمُحاربة الشيطان والشَّهوات، وإنَّما تخلص لله، فيكفيك الله كلَّ أعدائك دنيا ودين؛ قال أحمد: وكيف لنا أنْ نتربَّى على الإخلاص، ونغرسه في قلوبنا؟ أجبته: إنَّ التفكُّر في عظمة الله ووقاره، وتدبُّر أسمائه الحسنى وصفاته العُلى - هو أولى الخطوات في غرس الإخلاص في النُّفوس، فلو أنك تفكَّرت على سبيل المثال في اسمِ الله الغني، فتستحضر فَقْرَنا وغناه، وأنَّنا نحن الْمُعْوِزُون المحتاجون للغني - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، فيظهر لك معنًى يُزلزل نفسَ كل من لم يُخلص؛ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] يُرافق ذلك التجديد المستمر للنية واستصحابها قبل العمل، وأثناء العمل، وبعد العمل.
قال أحمد: وما سياسةُ كَتْمِ الحسنات التي أشرتَ لي إليها ذات مرة؟ أجبته: هذه أيضًا من عوامل تَحصيل الإخلاص، وتتمثَّل في التقليل من الحديث عن الإنجازات الشخصية والأعمال المهمة في حياة العبد، وقد قال أحد السَّلف: "إنِ استطعتَ أن تكتم حسناتك، كما تكتم سيئاتِك، فافعل"، فالإنسانُ لا يأمن على قلبه من الرِّياء، فالقلوبُ ضعيفة، والفتنة خطافة، وكان من شدة حرص السلف - رحمهم الله - على إخفاء أعمالهم أنْ أخفى بعضهم عملَه عن ذويه، فهذا أيوب السَّخْتِيَانِيُّ ينتحب في الليل باكيًا من خشية الله، وإلى جواره امرأته، فإذا انتبهت، قال: ما أشدَّ الزكام!
وكان يَعِظُ أصحابه قائلاً: "لا تعدَّ كلَّ ما ظهر من عملك، وإن عَدَّه الله لك، والمعنى أنَّ كلَّ خير تعمله - وإن تقبَّله الله منك - لا تعده؛ لأنه مظنة الشوب والكَدَر، وعلى العبد أن يَجتهد في ستر كلِّ خير يفعله، فهو أقرب إلى السلامة.
والإخلاص يا أحمد، "إذا حلَّ بالقلوب الواهية ينفخ فيها الرُّوح، ويُتيح لها أن تتلقى قبس الحياة من جديد، وما من مسلك يَسلكه صاحبُه أو منزل ينزله إلاَّ ويترك فيه أثرًا من نور".
ولنا أنْ نعلمَ - يا أحمد - أنَّ نَيْلَ الإخلاصِ ليس مستحيلاً، فمن يتحرَّ الخيرَ، يُعطَه، ومن يتوقَّ الشر يُوقَه؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقبل أن نودع الإخلاص - يا أخي - نقول له: "ما أطيب عطرك! وما أبهى شيمك! تراك ترضى بقلوبنا أن تزرع فيها، وبنفوسنا أن تسكن إليها، والله، لقد أحببناك، عش بيننا، تصدَّق علينا؛ إنَّ الله يجزي المتصدقين، وسنعمل جاهدين حتى نكون أهلاً لحملك".
وهنا قال أحمد وقد انفرجت أساريره: والله، إنَّ أعمال القلوب حديقة غناء، دانية القطوف، غوث لكل مَلهوف نَحتاج لوضع كلِّ خميلة من خمائلها تحت المجهر؛ لتكبير كل دقائقها، والعمل بمقتضاها، فهل لي بمرجع يكون لي بمثابة السُّقيا للظمآن أتعاهدُه دائمًا، فأُقوِّي هذه العبادات في قلبي؟، أجبته: آتيك به إذًا - إن شاء الله - كي تبدأ بذور هذه العبادات في النَّماء، ودون توقُّف - إن شاء الله - قال: ولكن السؤال المحير: ما دامت كل هذه الجواهر والماسات من الدين، فما هذه النظرة الحولاء في دُنيا الناس اليوم؟ وما هذا التصوُّر الفاسد في كل دروب الحياة؟ مع ضياع المبادئ والقيم؟
المسلم ليس بأعور:
اعلم - يا أحمد - أنَّ أمتنا لا تشكو فقرًا في المبادئ أو القيم؛ حيث إنَّ المبادئ التي جاء بها الإسلام ستظل قادرة على تلبية الأشواق الفطرية للإنسان، كما أنَّها ستظل قادرة على إقامة التوازُن بين جوانب الحياة المختلفة، ولكن المشكلة التي نعانيها هي انخفاض مستوى فاعلية تلكم المُثُل والمبادئ؛ مما جَعَلَ واقع المسلمين، وكما ذكرت أنت - يا أحمد - فيه نوع من الحَوَل، بل وتطور الأمر من الحول إلى العَوَر والنَّظَر إلى الأمور بعين واحدة، والمسلم ليس بأعور، بل هو مأمور بشمولية النَّظرة، فقال - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]؛ أي: تحت جميع شرائع الإسلام وبصورة متوازنة.
قال أحمد: وما الطَّريق الذي نسلكه للشِّفاء من هذا العور؟ أجبته: إنَّ من أهم سُبُل تحقيق الشمولية - يا أخي -:
أولاً: إنصاف الناس، وعدم هضم حقِّهم، فعندما يشب الخلاف، وتثور العداوات، يُصبح كثيرٌ من الناس عاجزًا عن الإبصار بعينين، فهو لا يرى إلاَّ المثالب والمساوئ، وحين تَهب رياح المودة، فإنَّ كثيرين أيضًا لا يُبصرون إلاَّ بعين الرِّضا، ومن هنا جاءت دَعوة شعيب لقومه واضحة صريحة للخلاص من هذه النَّقيصة حين نصح قومه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: 85]، فهذا من جهة تصحيح النَّظرة في العلاقات الاجتماعية، وعدم الحكم على الناس من ناحية واحدة، فيكون حكمًا أعورَ.
ثانيًا: النظرة التفصيليَّة: من أكبر الأخطاء التي تنافي التصوُّر الرشيد إصدارُ الأحكام العامَّة دون البحثِ عن تفصيل الحَدَث، وفي هذا الصَّدد يقول - سبحانه -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:10 - 11].
فقد وُجد الكفر في بيت نبيِّين من الأنبياء الكرام، وخرج الإيمانُ من بيت أعدى أعداء الله، وفي ذلك تبصرة لأولي الألباب؛ حتى لا يُصدروا حكمًا عامًّا قبل النَّظرة التفصيليَّة، قال أحمد: تصوَّر أنَّني شخصيًّا أقع في هذا الخلل، وأظن أنِّي صاحب تصور سليم، قلت: إنَّ التصور السليم والنظرة الشاملة تأتي بلبس نظارة الإسلام، فتكون الرُّؤية من خلالها؛ لذلك كانت سِمَة أخرى من سمات الإسلام سببًا في بناء التصوُّر الصحيح، وهي:
ثالثًا: الدِّقة، فإنَّ التصوُّر السليم لأي قضية لا يتمُّ إلاَّ وَفق توصيف دقيق لها، ومن هنا غرست تعاليم الإسلام كلها في نفس المسلم ما يَجعله دقيقًا في كل حركة في حياته، إذا ما هو نَفَذَ إلى ما وراء الظَّاهر، فالعباداتُ التي هي في الأصل تعبير عن الخضوع للخالق أحيطت بإجراءات صارمة في كثير من الأحيان تَمْسَى الدِّقة جِبِلَّة في المسلم لا ينفكُّ عنها، فالصلاةُ موقوتة بأوقات مُحددة، ومثلها الزكاة، فهي ذات أنصبة مُحددة، والصيام كذلك، ولو أن مسلمًا صام 20 ساعة، ثم أفطر قبل الغروب بدقائق، لَما صح صيامه، وهكذا لا بُدَّ من تحري الدِّقَّة في بناء التصور الصحيح.
يُلازم الدقةَ ملمحٌ رابعٌ في صياغة التصوُّر السليم هو:
رابعًا: فضيلةُ المرونة الذهنية، فهي توجد للإنسان مساحات للحركة يوازن فيها بين الخير والشر، فيحاول من خلالها النَّفاذ إلى تصور سليم، ومن النَّماذج القرآنية التي تؤسس هذه السمة الحميدة في الرحلة التعليمية، التي قام بها موسى - عليه السَّلام - مع الخضر، قام الخضر بقتل الغلام، وخرق سفينة المساكين، وقد اعترض على ذلك موسى - عليه السَّلام - لما في عمله من إتلاف النفس والمال، فأجابه الخضر بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 79 - 80].
لقد علَّمنا الخضر - عليه السَّلام - كيف نُوازن بين الإبقاء على سفينة مَعيبة وبين ذهابها بالكلية، ولا ريب أن بقاءَها مَعيبة أخفُّ شرًّا، كما علمنا أن موتَ نفس واحدة أخفُّ شرًّا من هلاك نفسين، إنَّ هذه الرؤية المرنة يحتاجها المسلم في صياغة التصورات السليمة.
خامسًا: احترام الاختصاص من سُبُل النظرة السليمة للحياة أن يُعرف الفضل لأهله، وأن يُعترف بالتقدُّم لكل من تبحَّر في مَعرفة حقيقة من الحقائق، سواء أكانت شرعية، أم كونية، أم تاريخية، من المعلوم أنَّه لولا تقييمُ العمل، لما أمكن أنْ نرى التقدم العلمي، الذي أنجزته البشرية اليوم، والإسلام حين يوجهنا إلى التسليم لأهل الاختصاص فيما يُجمعون عليه إنَّما يغرس فينا مكرمة الإذعان للحقيقة، ولمن تظن أنه أكثر إدراكًا منا، هذا لأنَّ مُشكلة ادِّعاء المعرفة من أكبر المشكلات التي يُواجهها الناس، وهو شيء غير الاجتهاد، فالمجتهدُ عن أهلية يتردَّد بين الأجر والآجرين.
أمَّا المدعي مسؤول عن نتائج ادعائه، وفي الحديث: ((أيُّما طبيبٍ تَطبَّب على قوم لا يُعرف له تطبُّب قبل ذلك، فأعنتَ فهو ضامن)).
كلُّ هذه المعاني كان غيابها سببًا رئيسيًّا في عدم وجود التصوُّر الأمثل للحياة قال أحمد: ولكن أظن أنَّ ضياع التصوُّر الصحيح حَدَث في هذه الأيام فقط، ولكنَّه لم يكن موجودًا على أيام السابقين، هل هذا صحيح؟ أجبته: بالطبع لا يا أحمد، فالتصوُّرات الخاطئة والرُّؤية الضبابية في كل زمان ومكان، ولكن الفارق هو نسبة تواجدها، وقد أعلن ابن الجوزي - رحمه الله - استياءه من ضعف التصوُّر، وتشوش الرُّؤية في زمنه.
فقال: "... رأيت كثيرًا من الناس مُشتغلين بصورة العلم، دون فهم حقيقته ومَقصوده، فالقارئ مَشغول بالرِّوايات، عاكف على الشواذ، يرى أنَّ المقصود نفس التلاوة، ولا يتلمَّح عظمة المتكلم، ولا زجر القرآن ووعده، ربَّما ظن أنَّ حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذُّنوب، ولو فهم، لعلم أنَّ الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ.
والمحدِّث يَجمع الطرق، ويَحفظ الأسانيد، ولا يتأمَّل مَقصود المنقول، ويرى أنَّه قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة، ربَّما ترخص في الخطايا؛ ظنًّا منه أن ما فعل في خدمة الشريعة يدفع عنه، وعلى هذا أكثر الناس صور العلم عندهم صناعة...".
قال أحمد: إنَّني أشعر كأنِّي طفل وُلِدَ حديثًا، وقد أتم فطامه، وتعلَّم المشي، وتأهَّل للتعلُّم في أيام مَعدودة حقًّا أنَّ الدين يرسم لنا الحياة الهانئة بكل معالمها، قلت: من الجيد جدًّا - يا أحمد - أنْ تَجد هذه المشاعر، إنَّها مشاعر العودة إلى الفطرة السليمة هنيئًا لك.
قال أحمد: بالمناسبة، لقد جرى نقاشٌ بيني وبين أحدِ مَن أعتزُّ بهم من أقاربي، وبمنتهى الصَّراحة لم أعرف كيف أجيبه: قلت: وعن أي شيء كان يدور النِّقاش؟ قال: لما علم من والدتي أنَّ نظرتي للحياة بدأت تتغيَّر، وأن توجُّهاتي أضحت دينية، جاء لزيارتنا ناصحًا، فابتدأ بتهنئتي على هذا التحوُّل الكبير، ثم بدأ في سرد نصيحته التي (وسمها بالغالية) قائلاً: أحذِّرك يا بُنَيَّ من التطرُّف والانغلاق الفكري، فديننا دين الوسطية، قاطعته: صدق والله يا أحمد، فالتطرفُ سيِّئ في كل شيء ليس في الدِّين وحسب، وكذلك الانغلاق الفكري، فهو حَجْرٌ على العقل؛ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
قال أحمد: ولكن كلامه لم ينتهِ عند هذا الحد، قلت: إذًا أكملْ، قال أحمد: ثم قال: وإذا أردت أن تعبد ربَّك، فعليك بالإسلام المستنير الإسلام التقدُّمي، لا الإسلام الرجعي، فليس هناك وجه تعارُض أن تُصلي وتصوم، وفي الوقت نفسه تذهب للسينما والمسرح، إنَّها سماحة الإسلام، إنَّه من يُسر دين أن تعبد الله، وفي الوقت نفسه تعيش حياتَك، فانتبه لنفسك يا بني، قال أحمد: فأخبرني بالله عليك، ما الإسلام المستنير؟ وكيف يصحُّ أنْ أتعبَّد وأطيع وفي الوقت نفسه أُعْرِض وأَعْصِي؟!
أجبته - وقد تأذَّيت من هذه النَّصيحة المسمَّمة -: يَجب أن تعلم جيدًا أن الإسلام واحد، هو الإسلام الذي ارتضاه الله - عزَّ وجلَّ - لنا، قاطعني: ما معنى ما قاله لي إذًا؟
سبيل المؤمنين:
أجبته: أنا أقصد أن الإسلامَ الصحيح واحد، وهو صراطُ الله المستقيم الذي ندعو في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] أن يرزقنا سبيله، والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسنة، الإسلام الصحيح شامل لا يعتوره نقص في أيٍّ من مَجالات الحياة، بل هو منهج رباني لا عَلاقةَ له بالرجعية، فخصوم الإسلام يزعمون أنَّ الاستقامة على المنهج الصحيح للإسلام هي رجعية، وهذا زعم خاطئ من جذوره، فإنَّ الاستقامةَ على الإسلام لا تتعارض مع التقدُّم؛ لأن التقدم في الإسلام تقدُّم أخلاقي يَمضي قُدُمًا في تحقيق الرِّسالة التي نيطت بها هذه الأمة مع الأخذ بأسباب العُمران المادي في نواحي الحياة كلها، فإذا نحن طالبنا (بالترقي) إلى مُستوى السلف الذين حملوا الدين من قبلنا، فإن معنى ذلك التمسُّك بالمفاهيم الإسلامية الشاملة للعقيدة والعبادة والشريعة وسائر الأنشطة الإنسانيَّة، التي منها بلا شك الحقل العلمي، وليس من المتصوَّر أبدًا أن المنهج الصحيحَ للإسلام سيَضع الأمة الإسلامية في متحف التاريخ، بمعنى إرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة للحياة العُمرانية بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعلم والطب.
إذا علمنا كلَّ هذا يا أحمد يصبح منهج الإسلام واضحًا وضوحَ الشمس، وهو "يتلخَّص في تطهير العقيدة من الشوائب والبِدَع، تربية الشخصية الإسلامية، فتح الذهن لقَبول كل جديد في ميادين العلوم التجريبيَّة إحياء العقيدة من منابعها، بعيدًا عن المذهبية الضيقة أو تطويع الشريعة الإسلامية لدعاوي التطوير الخاطئة".
كما أنَّ المسلمَ في ظلِّ هذا المنهج المبارك له وجه واحد لا يتغيَّر ولا يتلون، فهو مُستقيمٌ في كلِّ الميادين، مسلم في عمله وفي مسجده، مؤمن بكليَّات الدين وجزئياته، مذعن لأوامر الله داخل المسجد وخارجه كلما تَحرَّك، وأينما ذهب، فهو وفق أوامر الله - سبحانه وتعالى - قال أحمد: كلام في مُنتهى الوُضوح، ولكن ما الفكرة في هذا الإسلام المستنير، وما أصله؟ أجبته: لما علم أعداءُ الإسلام حقيقةَ أنَّهم لا طاقةَ لهم في مواجهة الإسلام الأصيل، فراحوا يُصمِّمون (الإسلام المودرن)، أو ما يُسمى بالإسلام المستنير، فالاسم اسم الإسلام، ثم هو مفرغ عن كل معانيه وقيمه، فلا تعجب إذًا ممن يقول لك: ليس هناك تعارُض بين أن تصلي وتذهب للسينما.
ومن معالم هذا الإسلام الذي يسمونه المستنير "التركيز على جانب واحد من جوانب الدين، وتوجيه الناس إليه فقط، الجانب الأخلاقي مثلاً، وذلك استقلالاً عن تناوُل المنظومة الشمولية للإسلام، والدين كلٌّ لا يتجزَّأ، هو الأخلاقُ والعلم والعمل والدعوة... نَعَم، الدِّينُ كُلٌّ".
إذا أردت - يا أحمد - أنْ تعيشَ حياتك، فعشها، ولكن وَفْقَ ما يُرضي الله - سبحانه وتعالى - هذه هي نظرة الإسلام الصَّحيح للحياة، قال أحمد - وقد هدأت نفسه -: أظنُّ أنَّ هذا المنهجَ الصحيح منهجٌ ملزم لكلِّ مُسلم، أليسَ كذلك؟ قلت... وقبل أن أجيبَ تدخَّل مُكبِّر الصوت يُعلن أنَّه قد تم استطلاع هلال شوال، وأنَّ اليومَ هو آخر أيَّام شهر رمضان المبارك، ونظر كل واحد إلى مَن بجانبه، وكأنَّه يُعزِّيه... تسابقت الدُّموع تنحدر على الوجنات حزينة هي كذلك، كيف ستُفارق رمضان، وقد أَنِسَت تلك الدَّمعات بليلِ المتهجدين فيه، وأَنِسَ المصلون بعضُهم ببعض، فكان من ثمرات هذه الليالي العَلاقات الأخويَّة التي شيَّدت بين أحضان الركوع والسجود.
وأخرج كلُّ واحد هاتفَه يأخذُ رَقْمَ كل مَن يلقاه وأحَبَّه في الله، ويأخذُ منه وعدًا بعدمِ قطع هذه العَلاقات الطيبة بعد رمضان، وتداخلت المشاعر، واختَلَطت البسمات والدَّمعات، وعلت خفقاتُ قلوب المُحبِّين على صوت الإمام، وهو يرشد الناس في إخراج زكاة الفطر، وارتفعَ نشيجُهم ولم يَجدوا لهم متنفَّسًا إلاَّ احتضان إخوانهم، حتى الباعة المتجولين أمام المسجد بدت انفعالاتهم واضحة...
رفع أحمد رأسَه من على كتفي وقد احْمرَّت عيناه قائلاً: لابُدَّ أن نلتقي... قلت: حتمًا - إن شاء الله - قال: اليوم موعد النصيحة الأخيرة أرجو منك أن تكون استكمالاً لما بدأناه، ما رأيك أن نصلي الفجر سويًّا، ثم العيد؟ قلت - وقد أحسست أنَّ أحمدَ مُتوترٌ قليلاً -: نعم نتقابل - إنْ شاء الله - ولا تنسَ إخراجَ زكاة الفطر، قال: وهو كذلك، أراك بخير، السلام عليكم، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
غزْل وغزْل، وإيمان وإيمان
قابلتِ العنكبوتُ دودةَ القز، فقالت: لي غَزْلٌ، ولك غزل.
قالت دودة القز: غزلي لباسُ الملوك، وأردية السلاطين، وغَزلك مصائدُ الذُّباب والحشرات، وعند مَسِّ الغَزْلين، تعرفين الفَرق.
وهكذا الإيمان: إيمان في علو، وإيمان إلى سفول، وعند الحساب يستبين الفرق.
***
**
*